منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 17 2011, 10:01

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    سميرة أنساعد : مجلة التراث العربي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب - دمشق العدد 97 - السنة الرابعة والعشرون - آذار 2005 - آذار 1425

    تقديم:‏

    يرتبط مفهوم الرحلة في الأصل اللغوي العربي، بركوب الإبل، أو الجياد ونحوهما، وترويضها حتى تصير "راحلة"، وقد نقل ابن منظور عن أبي زيد قوله: "أرحل الرجل البعير(...) إذا أخذ بعيراً صعباً، فجعله راحلة"(1)، ثم يضيف ابن منظور: "الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله.."(2) ونستنتج من هذا القول، أن تحقيق متعة الاكتشاف من ناحية والرغبة في مكابدة الشدائد، والتغلب عليها من ناحية أخرى، هما من الأضداد التي ينشدها الإنسان في الرحلة، ويختم ابن منظور القول: "وقال بعضهم: الرحلة الارتحال، والرحلة بالضم الوجه الذي تأخذ فيه وتريده"(3).‏

    وتختلف الرحلات باختلاف الأغراض البشرية، التي تستدعي القيام بها، غير أن هناك أغراضاً أخرى استدعت كتابتها بعد ذلك، فالرحالون لم يهتموا برحلاتهم إلا في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، واستمر التأليف فيها إلى أن أصبحت فناً أدبياً مميزاً، حدده الباحثون حديثاً، وصنفوه ضمن أنماط السرد الذي يتخذ الرحلة موضوعاً له، لكن فريقاً آخر من الباحثين، يرون أن لهذا الفن قيمتين: الأولى علمية، والأخرى أدبية؛ فهو يتناول الكثير من نواحي الحياة الواقعية: "إذ تتوفر فيه مادة وفيرة مما يهم المؤرخ والجغرافي وعلماء الاجتماع والاقتصاد ومؤرخي الآداب والأديان والأساطير"(4).‏

    وهذا يعني، أن أي رحلة كي تعد فناً، لا بد أن تحمل في الوقت نفسه هاتين القيمتين، أعني العلمية والأدبية، لكن نسبة إحداهما إلى الأخرى، متفاوتة في الرحلات العربية على الأقل، فبعض الرحلات يغلب عليه الجانب العلمي، الجغرافي والتاريخي، وبعضها الآخر يغلب عليه الجانب الذاتي أو الأدبي الوجداني.‏

    وقد كان اهتمام الرحالين بتدوين رحلاتهم، كبيراً جداً، ويضيق بنا في هذا المحل تعداد كل المؤلفين في الرحلة من جغرافيين ومؤرخين وأدباء، وغيرهم من المتخصصين، ونخص بالذكر أشهرهم، كأحمد بن يعقوب (ت. 284هـ)، مؤلف كتاب "البلدان"، وأحمد بن يحيى البلاذري (ت. 279هـ)، صاحب كتاب "فتوح البلدان"، والمقدسي (380هـ) مؤلف "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، كما تواصل تأليف الرحلات ذات الطابع الجغرافي والتاريخي وعظم، وخاصة على يد أمثال البكري، وابن جبير الأندلسي، وابن بطوطة المغربي، وأبي القاسم بن يوسف التجيبي التلمساني، وعبد الرحمن بن خلدون(5).‏

    وقد ألف الرحالون المغاربة المذكورون رحلاتهم، في الفترة ما بين القرنين الرابع والتاسع الهجريين، وبعد هذه الفترة، شهدت الرحلات المغربية بعض التراجع في التأليف، وذلك لاشتداد وطأة الحروب بين المسلمين والأعداء الأوروبيين كالإسبانيين والبرتغاليين، ولكن الرحلات ما لبثت أن عادت إلى نشاطها ورواجها المعهود في القرن الحادي عشر وما بعده، والمؤسف أن الكثير منها تعرض إلى الضياع ولاسيما الرحلات الجزائرية، وهي حالة سببتها ظروف وعوامل مرت بها بلادنا، مثل الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي كانت مستمرة في هذا القطر، وكذلك نظام الحكم الذي ظل عسكرياً طوال العهد العثماني، وبعده خلال الحكم الفرنسي، وهذا ما جعل الحركة العلمية والثقافية تتأخر، والاهتمام بالتعليم يقل، وقد تركز في المساجد والزوايا فقط، التي لولاها لكان مصير اللغة العربية مجهولاً في الجزائر.‏

    ويبقى استمرار التّأليف الأدبي في موضوع الرّحلة عند المغاربة. ولاسيما موضوع الرّحلات إلى المشرق عامّة، والحجاز خاصّة. دليلاً واضحاً، على أنّ المشرق لا يزال محط أنظار المغاربة، ويسترعي اهتمامهم. لما تضمّه بيئة المشرق من معالم روحيّة ودينيّة، تُقصد للعبادة والتبر‍ّك والاعتبار، ومن علماء كبار في مختلف العلوم. ولما يحسّه الرّحالة من روابط تاريخيّة وحضاريّة، واشتراك في الأهل والنسب أحياناً كثيرة، فالإحساس بالوحشة والاغتراب والحزن يكاد ينعدم عند المغربيّ، وهو يزور المشرق، أو يمكث فيه. ولاسيما عند مجاورته الرّسول (، في الحجاز.‏
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 17 2011, 10:03




    1) الرّحلات الجزائرية ومؤلفوها:‏

    سنحاول في هذا المحلّ، أن نتعرّض إلى مختلف الرّحلات المشرقية، النثريّة التّي ألّفها رحّالون جزائريّون. في الفترة من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الهجري، وسنركز على الرحلات المطبوعة أو المخطوطة، التي ألفها كل من أحمد المقري التّلمساني في القرن الحادي عشر الهجري، والحسين الورثلاني، وهو من كتّاب القرن الثاني عشر للهجرة، وأبي راس الناصر المعسكري، وعبد القادر بن محيي الدّين الجزائري، من القرن الثالث عشر للهجرة. لذلك نرى لزاماً أن نعرّف هنا بكلّ واحد منهم، مع التركيز على ما له صلة بموضوع الرّحلة.‏

    1.1 ـ أحمد المقري ورحلته:‏

    لعلّ أولى رحلات القرن الحادي عشر للهجرة هي تلك التّي ألّفها أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي العيش التلمساني، المغربي، المالكي، الأشعري. المتوفى سنة (1041 ـ 1631م) وهي تحت عنوان: "رحلة في المشرق والمغرب"(6).‏

    ويدخل مخطوط "رحلة في المشرق والمغرب" ضمن أدب الرّحلات الحجازيّة وهو مكتوب بلغة عربيّة، تبدأ الورقة الأولى بقوله: "وكتب لي بعض علماء مصر باللّغز المسطور بمحوله(7)، وأجبت عنه بما يليه والعذر بيّن في الاختصار وعلى الله قصد السّبيل...."(Cool وينتهي المخطوط عند الورقة (66)، وآخر جملة فيه هي قوله: "... ونصُّ العنوان الشّيْخ العلاّمة الإمام البر الفهامَة الهمام صدر العلماء الأعلام كمال مشايخ الإسلام مولانا الشيخ أحمد المقري أدام الله إجِلاله وزاد إقباله وبلّغه آماله.هـ"(9) ولا يحمل المخطوط أيّ إشارة إلى اسم النّسخ، أو تاريخ النّسخ ويبلغ عدد أوراق المخطوط المكتوبة (66) ورقة وتتراوح مسطرته ما بين (06) أسطر إلى (38) سطراً أمّا قياس الورقة فيبلغ (21.5)سم × (15.3)سم.‏

    كتب المخطوط بالخطّ النسخي المغربي بمداد أسود وأحمر. وهو غير مجلّد، ومثبت بالشكل التّام وتتكرر التعقيبة "الحمد لله" في أعلى كلّ ورقة وبعد نهاية الكلام السابق. والمخطوط مخروم الأوّل والآخر، به آثار أرضة ورطوبة، وآثار المياه في بعض أوراقه كالورقة (21 و22). وتبدو حالة المخطوط سيّئة تصعب قراءته في كثير من المواضع لوجود تشطيبات كثيرة، كتابته متراصّة وصغيرة بقلم المؤلف ذاته، ويظهر أن المخطوط عبارة عن مسودّة المؤلّف، لوجود التصحيحات على الهوامش وإعادة الكاتب التعبير في بعض المواضع، وتصحيح ما قد كتب.‏

    ومع أنّ المخطوط مخروم البداية والنهاية فإنّه مع ذلك لا يفقد أهميّته لسببين: الأوّل، أنّ المؤلّف لا يعتمد ترتيباً دقيقاً، منطقيّاً في سرد أحداث الرّحلة. ممّا يجعل مضمون المخطوط لا يتأثّر كثيراً بنقصان البداية والنهاية، ولا يختلّ الموضوع تبعاً لذلك. أمّا السبب الثاني، فهو أنّ المخطوط، يبرز جوانب هامّة من حياة المؤلّف نفسه، الشخصيّة والعلميّة بشكل مفصّل، منذ وجوده في بلدته الأولى تلمسان، إلى آخر مراحل عمره الحافل بالأحداث والتنقلات عبر محطات العالم الإسلامي الواسع، فيمثل الكتاب بذلك خاتمة التأليف عند المقْري.‏

    وإذا كان المخطوط ـ المذكور آنفاً ـ لـه علاقة مباشرة برحلات المقري في المغرب والمشرق، ممّا يجعله محلّ اهتمامنا في هذه الدراسة، فإنّنا نقرأ بعضاً من أخبار رحلاته أيضاً في كتابه الآخر المشهور "نفح الطيب"(10) إذ يَردُ بعضٌ من تلك الأخبار في مقدّمة الجزء الأوّل منه خاصّة، مع أنّ الكتاب يختص بالأدب الأندلسي، وبالترجمة لأعلامه البارزين وفي مقدمتهم لسان الدّين بن الخطيب الذي جاءت الإشارة إليه في العنوان.‏

    ويجْمُل بنا الآن، أن نتعرّف أكثر على شخصيّة المؤلّف أحمد المقري، وعلى مراحل حياته البارزة، التي ارتبطت غالباً بعنصر التنقل والارتحال من بلد إلى آخر. وهو عامل هامٌّ، ساعد على تقدّم أحمد المقري، واشتهاره بين النّاس، ويُعرف المقري بأبي العبّاس أحمد بن محمّد بن أحمد بن يحيى بن أبي العيش(11) وقد ولد بمدينة تلمسان سنة (986هـ ـ 1572م)، بعد أن انتقلت عائلته وأجداده الأوّلون من "مَقْره" بشرق مدين المسيلة منذ القرن السّادس الهجري(12).‏

    قام أحمد المقري بأوّل سفر له سنة (1009هـ) من تلمسان إلى فاس بالمغرب الأقصى، ثم غاب أحمد المقري عن فاس فترة، ليزور فيها مراكش سنة (1010هـ) وفيها اتّصل بالسّلطان أحمد المنصور الذهبي (ت 1012هـ 1603م)، ثم زار مسقط رأسه تلمسان سنة (1011هـ).‏

    وعندما أحسّ المقري بالشوق إلى فاس مرة أخرى والحاجة إلى إكمال تكوينه العلمي فيها، عاد إليها سنة (1013هـ) ليتولّى بعدها القضاء والفتوى والخطابة، في جامعها "جامع القرويين" فذاعت شهرة أحمد المقري في المغرب، ألّف أحمد المقري في هذه الفترة من حياته الأولى في المغرب، كتاب: "أزهار الرّياض في أخبار القاضي عياض"، وكتاب: "الجنابذ فيمن لقيته من الجهابذ"، وكتاب "روض الآس العاطر الأنفاس فيمن لقيت من أعلام مراكش وفاس".‏

    وطوال فترة إقامته بالمغرب، كان يرجو زيارة المشرق، ومنه الاكتحال برؤية البقاع المقدسة بالحجاز، ويخبرنا عن هذا في رسالة بعثها إلى الوليّ الصّالح أبي بكر المغربي، وهي مؤرخة في عاشر صفر سنة (1021هـ) بقوله: "... إنّ العبد كان يروم اللّحاق بتلكم الدّيار المحروسة، بتوفيق الله من الأغيار، فلم تساعده الأقدار، ولم يحصل من الإقامة، إلاّ على أشجان وأكدار:‏

    إلى الله أشكو بالمدينة حاجة * * * وبالشام أخرى كيف تلتقيان..."(13).‏

    ولأن أحمد المقري، كان يتمنّى دائماً السفر إلى الحجاز، فقد عزم على تحقيق هذه الأمنية، في شهر رمضان من عام (1027هـ). بعد أن استأذن مَلِك المغرب آنذاك، وهو أبو محمّد بن عبد الله الغالب بالله بن محمّد الشيخ المأمون، فأذن له في الذهاب فغادر المقري مدينة فاس، نحو الحجاز لتأدية الحج والعمرة، فسافر في البّر ماراً بالجزائر وتونس، ثم اجتاز قرى مصر المحاذية لنهر النيل. وركب البحر متجهاً نحو جدّة، التّي وصلها بعد معاناة ومكابدة في البر والبحر، وقد زاد أثرها في نفسه بحصول المشاهدة للمآثر الحجازية في مكّة والمدينة. وأدّى المقري العمرة في شهر ذي القعدة، ثم انتظر حلول موسم الحجّ، فحجّ، ثم قفل راجعاً إلى مصر، فوصلها في محرّم من العام الجديد (1029هـ). ,أقام فيها علاقات طيّبة مع أهلها.‏

    وفي شهر ربيع الأوّل عزم على زيارة القدس الشريف، فبُهر بما شاهده وعاينه هناك كالمسجد الأقصى، ومحلّ الإعراج، والصّخرة المنيفة. وزار أيضاً مدينة غزّة، ثم غادرها بعد فترة قصيرة عائداً إلى القاهرة، ومنها كرر سفراته إلى الحجاز.‏

    قرر أحمد المقري الرحلة إلى القدس مرة أخرى، ثم دمشق التي اشتهرت ببهاء مناظرها، وحسن معاهدها، وفضل أهلها، وقد وصلها في أواخر شهر شعبان عام (1037هـ)، كما استطاع المقري زيارة دمشق مرّتين بعد ذلك، المرة الأولى في شهر رمضان من عام 1040هـ) ثمّ المرة الثانية في محرّم سنة (1041هـ) وبين الفترتين كان المقري مقيماً بمصر.‏

    احتفظ أحمد المقري بذكريات سعيدة، في دمشق، لتعلّق أهلها به وتعلّقه هو بهم، وقد قال فيهم وفي مدينتهم، أجمل القصائد التي أنشأها في المدح والوصف، كما سنحت له فرصة الاتصال بعلماء دمشق الشام، والجلوس معهم في حلقات "جامع الأمويين" وكان لأحدهم، وهو أحمد بن شاهين الفضل الكبير على المقري، في إلهامه تأليف أشهر كتبه، وهو "نفح الطيب" حيث حثّهُ على كتابته، بعدما كان المقري كثيراً ما يسرد على العلماء والأعيان في دمشق أخباراً عن بلاد الأندلس، وما تشتهر به من الريّاض والقصور، والمناظر. وكان هذا الحديث يجرّه إلى الكلام عن أدباء المغرب وبلغائهم، نظماً وإنشاءً، حتّى جاء تخصيص الكلام عن وزيرها الأديب لسان الدّين بن الخطيب وانتهى المقري من تأليف هذا الكتاب سنة (1039هـ)، وهو مقيماً بمصر يومئذ.‏

    لقد ساءت حالة المقري في السّنوات الأخيرة من عمره، جعلته بعد رجوعه من دمشق في محرّم (1041هـ)، يطلّق زوجته بمصر، وينوي العودة إلى دمشق للإقامة بها بصفة دائمة لكن عاجله الأجل فكانت وفاته، في شهر جمادى الآخرة سنة (1041هـ) ودفن في "مقبرة المجاورين"(14).‏

    2.1 الحسين الورثلاني ورحلته:‏

    عرف القرن الثاني عشر الهجري، رحلة مشرقية أخرى لعلّها أهمّ رحلة تعتني بالوصف الجغرافي والسّرد التّاريخي، الخاصّين بالبلاد العربية، ومن المشجّع أنّ هذه الرحلة متوفرة كاملة مطبوعة دون تحقيق وقد اختار لها مؤلِّفُها عنواناً جذاباً دالاً عن مضمونها، وهو: "نزهة الأنظار في فضل علم التّاريخ والأخبار")(15) لصاحبها الحسين الورثلاني الذي يقول في وصفها: "... أنشأت رحلة عظيمة يستعظمها البادي، ويستحسنها الشّادي، فإنّها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار، مبيّناً فيها بعض الأحكام الغريبة، والحكايات المستحسنة، والغرائب العجيبة، وبعض الأحكام الشرعية..."(16).‏

    وقد شرح الورثلاني أسباب تأليف هذه الرّحلة، ووصف الطّريق التّي يسلكها الحجّاج في زمانه وذكر الصالحين في كلّ بلد، ومن بين أسباب تأليفه لها شغفه الكبير بما رأى أثناء رحلته، وحبّه لمن لاقاهم أو سمع عنهم إذ يقول: "... فإنّي لمّا تعلّق قلبي بتلك الرّسوم والآثار، والرّباع، والقفار والدّيار، والمعاطن والمياه والبساتين... والعلماء والفضلاء والنجباء والأدباء من كلّ مكان أنشأت رحلةً..."(17).‏

    وكان الورثلاني على علم برحلات السابقين، مطّلعاً عليها، فكان أكبر اعتماده على "الرّحلة النّاصريّة" لأحمد بن ناصر الدّرعي المغربي، و"ماء الموائد" لأبي سالم العيّاشي المغربي، كما كان الورثلاني واعياً بمشكلة نَقص التّأليف في بلده الجزائر والاِهتمام بالتّاريخ في هذه الدّيار فأراد أن يؤلّف في هذا العلم الشّريف لذلك يقول الورثلاني: "... لاسيّما أهل بلانا، فإنَّ علم التّاريخ منعدمٌ فيهم، وساقطٌ عندهم فيحسبونه كالاِستهزاء، أو اِشتغالاً بما لا يعني أو من المضحكة المنهي عنها"(18).‏

    وتستوعب صفحات الكتاب، أحداث ثلاث حجات، قام بها المؤلّف، كانت الأولى سنة (1153هـ)، والثانية سنة (1168هـ)، والثالثة سنة (1179هـ). وكان الورثلاني أثناء هذه الرّحلات يدوّن، ويسجّل كلّ ما يشاهده أو يسمع به،... في كتيّبات وأوراق غير منتظمة، وبعد عودته إلى وطنه قام بإعادة ترتيبها وكتابتها، وانتهى من ذلك سنة (1182هـ)(19) كما تتضمّن الرّحلة نقلاً عن النّاصري والعيّاشي كما قدّمنا، وهي نقول كثيرة، وأحياناً طويلة، خاصّة ببلاد الحجاز(20).‏

    اشتهر الحسين الورثلاني كثيراً في قريته بني ورثلان، التي كان مولده فيها سنة (1125هـ ـ 1713هـ). كما ذاع صيته في الجزائر، وفي بعض البلدان العربية: كتونس، ومصر والحجاز. وقد لقّبه الحفناوي بـ "الإمام العالم، العامل العلاّمة، الكامل الأستاذ الهمام، شيخ مشايخ الأعلام، الورع الزّاهد، الصّالح العابد..."(21) ولم يكتسب الورثلاني هذه المكانة الرفيعة، وهذه الصفات النبيلة، إلا بعد أن نشأ مقبلاً على طلب العلوم باختلاف أنواعها: من فقه، ونحو،وتصوّف، وتوحيد(22) وذلك اِقتداءً بأبيه محمد السّعيد الورثلاني وجده الحسين بن محمد الشريف الورثلاني اللّذين كانا متضلّعين في العلوم الشرعيّة(23). ولم يكتف الحسين الورثلاني بالعلوم الشرعية فحسب، بل اعتنى بدراسة الأدب، والتأليف، وبالتاريخ كما رأينا.‏

    ودعّمت رحلات الورثلاني الكثيرة داخل الوطن وخارجه، شهرته، واتساع معارفه، فكان يتردد على بلدان كثيرة كبسكرة، وسيدي خالد، وقسنطينة، وعنابة وتلمسان والجزائر العاصمة... وغيرها من المدن الجزائرية، إمّا لغرض زيارة قبور الأولياء الصالحين وإمّا للنظر في شؤون الناس كالصّلح بين القبائل، أو إعانة الفقراء بمستلزمات العيش.‏

    خرج الورثلاني لزيارة تونس، وطرابلس ومصر والحجاز للسياحة وطلب العلم، وأداء فريضة الحجّ، فجرّب وعرف المسالك الصعبة والسّهلة المؤدّية إلى الحجاز، واتّصل بالعلماء في كل البلدان المجتازة (تونس، طرابلس، مصر، مكة، المدينة) وحضر مجالسهم وحلقاتهم، وبخاصّة في مصر، التي بقي فيها طويلاً(24). فاجتمع بالعالم محمد الحفناوي وأحمد الجوهري، وبالشيخ البليدي، وعلي الصعيدي، وعلي الفيّومي وعبد الوهاب العفيفي(25)، وكان الورثلاني ينوي البقاء في مصر مدّة أطول، لكنّ الرّكب الجزائري ألحّ وأصرّ على مرافقته، فتابع الورثلاني رحلته إلى الحجاز، ثمّ رجع إلى وطنه، فأقام فيه مشتغلاً بالتعليم والتأليف والدعوة إلى التزام أحكام الشريعة إلى أن توفي عام (1193هـ ـ 1779م)(26)، رحمه الله، ودفن قرب زاويته ببني ورثلان.‏

    3.1 ـ أبو راس النّاصر ورحلته‏

    أما القرن الثالث عشر الهجري، فقد شهد تأليف رحلات حجازيّة كثيرة، منها رحلة محمد بن أحمد بن عبد القادر بن النّاصر المعسكري، المعروف بأبي راس النّاصر وعنوان رحلته "فتح الإله ومنّته في التحدّث بفضل ربّي ونعمته"(27) وهي متوفّرة لحسن الحظ كاملة، محققّة ومطبوعة، أشرف على طبعها محمّد بن عبد الكريم الجزائري.‏

    عرف أبو راس تجربة السّفر والترحال منذ صغره، إذ كانت ولادته سنة (1150هـ ـ‏

    1757م) قرب جبل كرسوط بالغرب الجزائري، ثم نشأ وعاش فقيراً، يتيماً، توفيت أمّه ثم أبوه، فكفله بعدهما أخوه الأكبر، الذي سافر به إلى (معسكر)، وهناك حفظ أبو راس القرآن الكريم، وتعلّم الأحكام ثم الفقه. فكان له أن درّس منذ صغره لطلبة مازونة كتاب مختصر خليل المغربي (ت 769هـ) واشتهر بذلك، ثم تولّى القضاء في قرية غريس قرب معسكر، ثم رجع إليها ليزاول التعليم مدّة ستّ وثلاثين سنة متتالية.‏

    ولم يكتف أبو رأس بالتنقل بين مدن الغرب الجزائري فحسب، بل تنقّل إلى مدينة الجزائر حالياً فقسنطينة، ثم تونس ومصر والحجاز، ثم الشام وفلسطين، وكان بدء سفره إلى المشرق سنة (1204هـ)(28)، وعُرف أبو راس في هذه البلدان بعلمه الواسع وكثرة حفظه، حتّى لُقّب في مصر بشيخ الإسلام وصار عند المصريين شهيراً بعد امتحانهم له(29).‏

    رجع أبو راس إلى الجزائر، حيث تقلّد منصب الفتوى والقضاء والخطابة في جامع بلدة معسكر لكنّه عزل عن الوظيفة سنة (1211هـ)، ثم اتّصل بعد ذلك بسلطان المغرب مولاي سليمان، وتنقّل إلى فاس واشتهر أمره بها، ومكث مدّة، ثم عاد إلى الحجاز لأداء فريضة الحجّ مرّة أخرى، سنة (1226هـ ـ 1813م) وبعد عودته إلى الجزائر اشتغل أبو راس بالتأليف، ومنها تأليفه لرحلته فتح الإله، حتى وفاته عام (1238هـ ـ 1824م) بمعسكر رحمه الله.‏

    والحق أنّ رحلة أبي راس تختلف كثيراً عن الرّحلات المذكورة، رغم كونها تتناول موضوع الرّحلة إلى الحجاز، لغرض أداء فريضة الحجّ، فهي تظهر علميّة أكثر منها دينيّة. فكان المؤلّف يهتم بالعلم والعلماء في المحل الأوّل. يقول أبو راس متحدّثاً عن نزوله بمصر: ".. لقيت بها العلماء الكبار، أهل العلم والأدب والأخبار: الإمام الأرضي، .. شيخنا السيّد مرتضى، ففاوضته في فنون، فوجدته كما لي فيه من الظنون، ورويت عنه أوائل "الصحيحين" و"رسالة القشيري"، و"مختصر العين" و"مختصر الكنز الرّاقي". وأجازني بالباقي(30).‏

    وعندما دخل أم القرى (مكّة)، قال: ".. فاجتمعت بعلمائها وفقهائها: كالعلاّمة الدارك، السيّد عبد المالك،.. وكنت قرأت عليه نبذة من الحديث، ونبذة من "الكنز"، وشيئاً من التفسير في سورة "النّور" وأجازني بالباقي..."(31).‏

    وكان طلب العلم، وملاقاة الشّيوخ، أوّل ما يقول به أبو راس كلّما دخل مدينة، فيسهب في ذكر علمائها، ووصف العلم، وملاقاة الشّيوخ، ووصف العلوم والمسائل التي سمعها منهم، إلاّ عند ذكره مدينة العريش التي اكتفى في وصفها بقوله: "ثم رحلت إلى "العريش" فلم أجد بها عالماً آنس إليه ويكون التعويل عليه"(32).‏

    ترك أبو راس الناصر تآليف كثيرة، أشهرها: "عجائب الأسفار ولطائف الأخبار"(33)، و"الحلل الحريرية في شرح المقامات الحريرية" كما ألّف كتاب "حلّتي ونحلتي، في تعداد رحلتي" وهو الكتاب الذي نسبه، خير الدّين الزِّرِكْلي، صاحب كتاب "الأعلام" إلى مؤلّف آخر سمّاه محمّد أبو راس بن أحمد بن ناصر، من حفدة قاسم أبو راس الجربي الناصري، وهذا بعد التّرجمة لأبي راس النّاصر المعسكري(34) وأضاف الزركلي، أن ابن سوده قد اطّلع على كتاب "حلّتي ونحلتي" وأنّه نسبه لغير أبي راس المعسكري، لكنّ الأمر مخالف لقول الزركلي فيما نرجح، وبالرّجوع إلى كتاب ابن سوده وجدت قوله بالنص: "رحلتي ونحلتي في تعداد رحلتي" لأبي عبد الله محمّد بن أحمد أبو راس المعسكري"(35). وكتاب فتح الإله يؤكد صحّة هذه النسبة إلى أبي راس في الجزء الخامس منه(36).‏

    4.1 ـ عبد القادر الجزائري ورحلته:‏

    وكذلك قام الأمير عبد القادر بن مُحيي الدّين بن مصطفى بن محمّد المختار، المولود سنة‏

    (1222هـ ـ 1808م)، بقرية القيطنة قرب وهران بتدوين رحلته إلى الحجاز ضمن مذكراته التي تروي سيرته الذاتية والتي جمعها ونشرها بعض الباحثين فيما بعد(37). ونجد في كتاب "مذكرات الأمير عبد القادر" أخبار رحلته المبكّرة إلى الحجاز لأداء فريضة الحجّ، وحديثاً عن تجوّلـه في الشّام وبغداد، وقد تولى تأليف بعض مقاطعها السردية، صهره مصطفى التّهامي. كما نقرأ أخباراً عن هذه الرّحلة، في كتاب ألّفه محمّد السعيد بن محيي الدّين، يحمل عنوان "سيرة محيي الدّين والد الأمير عبد القادر"(38).‏

    ويبدو أنّ الرّحلة التي ألّفها الأمير عبد القادر، كانت مختصرة، إلى حدٍّ كبير، مقارنة بالرّحلات السّابقة فقد تعرّض فيها الأمير إلى ذكر مسار رحلته انطلاقاً من وهران، مروراً بعدّة مدن جزائرية: كوادي سيق فالعطّاف، والمديّة، وبني منصور، وقسنطينة، ثم زار تونس، ومن هناك ركب البحر متوجّهاً إلى الإسكندريّة، ومنها إلى القاهرة، ثم بحر السويس للوصول إلى جُدّة، فالحرمين الشريفين. وقام الأمير مع والده بأداء الحجّ والعمرة، ثم قصدا بعد ذلك الشّام، ثم بيت المقدس، ثم بغداد، التي زارا فيها قبر الوليّ الصّالح عبد القادر الجيلاني صاحب الطريقة القادريّة في التصوّف التي يعدّ الأمير ووالده من أتباعها، ولم يرجع عبد القادر الجزائري إلى الوطن بعد زيارة بغداد، بل كرّر الحجّ والعمرة ثانية في الموسم الجديد، وبعد حجته الثانية مع والده أيضاً أقفل راجعاً إلى الديار الجزائرية، لمزاولة الحكم متابعة الجهاد ضد المستعمر الفرنسي.‏

    وقد زار الأمير عبد القادر خلال تلك الرّحلات عدداً من أضرحة الأولياء والصالحين كما كانت العادة في ذلك الزمان، ولقي عدداً آخر من العلماء، كما اطّلع على معالم البلدان الإسلاميّة وتعرّف إلى أساليب الحكم العثماني خاصّة، وعادات الأهالي، فكان لذلك كلّه الأثر الكبير في نفسه.‏

    ونشير هنا إلى أنّ الأمير عبد القادر، أراد أنّ يُعرّف القارئ على الشهرة التي حازها إنّما كانت تتويجاً لجهوده، أثناء مساعدة والده محيي الدّين في سياسة أمور المسلمين الجزائريين، بالغرب الجزائري، وإنّه تولّى مكان أبيه لِمَا كان يتّصف به من حكمة وحِلم وعلم ومعرفة بأمور الحكم والجهاد، وعن ذلك يقول المؤلّف: "ذكر ما انتهى إليه أمر هذا السيّد [يقصد عبد القادر] بعد ما بذل مهجته، وسلك نهجته، في حماية بيضة الإسلام.. بعد أن حصّل السياسة الأدبية، بالوطن، وحاز الريّاسة العلمية في كلّ سكن وقطن، قصد به والده المذكور آنفاً المآثر الحجازيّة.."(39).‏

    وقد ظلّ الأمير عبد القادر، على سيرته في الحكم والجهاد، والاشتغال بالعلم والأدب، إلى أن نفذت قوّته، وضعفت وسائله أمام مواجهة المستعمر الفرنسي، قرّر إثرها الاستسلام سنة (1262هـ) فغادر الجزائر، مع أهله إلى سجن في باريس حتّى سنة (1268هـ). وفي هذه الفترة، ألّف محمّد السعيد سيرة محيي الدّين سنة (1264هـ). وألّف عبد القادر سيرته الذاتية سنة (1265هـ) بمساعدة صهره التّهامي. وعندما أطلق سراحه اختار السفر إلى تركيا، ثم دمشق. وحجّ مرّة أخرى سنة (1279هـ). ثم توجّه إلى الآستانة، وعاد بعد ذلك إلى دمشق ليقيم فيها حتّى وفاته سنة (1300هـ ـ 1883م). وقد عاش الأمير عبد القادر شطراً من حياته زاهداً، متعبّداً، كثير الترحال، مشتغلاً بالعلم والأدب، والتأليف فيهما، فكان له ديوانُ من الشّعر، وكتاب يسمّى "المواقف" في التصوّف، وغيره من المؤلفات، التي يتعذّر ذكرها في هذا الموضع، وعاش شطراً آخر مجاهداً كما نعلم.‏
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 17 2011, 10:04



    2) ملامح الطبيعة والحياة المشرقيتين في الرحلات الجزائرية:‏

    من المعلوم، أنّ الرّحلات النّثرية، التي عرفنا بها وبمؤلفيها تُعدّ تسجيلاً لكثير من حقائق الواقع، ووصفا لبعض الأمكنة، والمعالم التاريخيّة، وذكرا للعلماء والصلحاء، في ذلك الوقت، ونحو هذا من القضايا المتّصلة بالمضمون، إلى جانب كون الرّحلة فنّاً أدبيّاً يتوفر على عناصر ذاتيّة للإمتاع، ومقوّمات شكليّة وأسلوبيّة، هي التي تعطيه صفة "الأدبيّة".‏

    وتتشعّب قضايا المضمون في الرّحلات النّثريّة الجزائريّة إلى موضوعات عدّة. منها ما يتّسم بالطابع الجغرافيّ، الذي يخصّ وصف المدن والأمصار(40)، وذكر المظاهر الطبيعيّة الملفتة للانتباه، وتحديد الطرق والمسالك، وتعيين مواطن المياه. وغيره من المواضيع التي تنتمي إلى الجغرافيا الطّبيعيّة. ومنها ما يتّسم بالطّابع التّاريخي، الذي يضمّ محاور كثيرة، كالاجتماع، والثقافة والدّين والاقتصاد،...‏

    1.2) الجانب الجغرافيّ:‏

    اعتنى عدد من الباحثين في أدب الرّحلة، باستخراج وتحليل المواد الجغرافيّة الواردة في كتب الرّحلات العربيّة، واعتبروها منابع غنيّة للحقائق والمعلومات الجغرافيّة عن البلدان الإسلاميّة. ورأى بعضهم أنّ الرّحّالين كانوا من السبّاقين إلى التأليف في علم الجغرافيا(41).‏

    ونذكر من بين هؤلاء الذين عالجوا المواضيع الجغرافيّة في كتبهم المستشرق الرّوسي (أغناطيوس كراتشكوفسكي)، الذي صنّف الرّحلة العربيّة ضمن ما سمّاه بـ: "الأدب الجغرافي" الذي عدّه الباحثُ فرعاً من فروع الأدب العربي(42)، وقد تنبّه كراتشكوفسكي إلى قيمة مؤلّفات الأدب الجغرافي العربي، لكونها مصادر هامّة وأحياناً الوحيدة، التي عرّفت بمدن وبلدان العالم، في حقب معيّنة مع حفاظها غالباً على الطّابع الفنّي في الكتابة(43) واستعان جورج فضلو حوراني بما ورد في أدب الرّحلات العربيّة من معلومات جغرافيّة عن الملاحة في المحيط الهندي(44).‏

    وتبدو المواد المتّصلة بالجغرافية عند أدبائنا متركزة حول: وصف المدن والأمصار، أو تحديد مواقعها، والمسافات التي تفصل بينها، وذكر خصائصها وهوائها، ومواردها الطّبيعيّة، وكذلك تتناول الطّرق البرّيّة والبحريّة، والمسالك والمفاوز، والفجاج، وقد تتخصّص أكثرها في الجغرافيا، فتتعرّض إلى تحديد صورة الأرض، أو ما يعرف بعلم الخرائط(45).‏

    وتندرج محاولتنا هنا في سياق الحديث عن المواد المتنوّعة، التي وردت في الرّحلات النّثريّة الجزائريّة، فنعرّف بمسار الرّحلات الجزائرية نحو المشرق، عند المؤلّفين الجزائريّين، وأنواع الطّرق المتّبعة في الرّحلات وخصائصها، ونذكر بعض ما ورد فيها من وصف للمدن والقرى في المشرق.‏

    1.1.2 ـ تعيين مسار الرّحلات:‏

    نقصد بالمسار في الرّحلة، الاتجاه أو الخط النّاتج عن حركة تنقّل رحّالة ما من مكانٍ إلى مكان، ويتضمّن المسار الطّرق التي سار عليها الرّحّالة، ثمّ المواضع التي مرّ بها، أو توقّف عندها كما يتضمّن أيضاً، زمن الانطلاق ومكانه وزمن الوصول.‏

    ومن المعلوم، أنّ الوجهة الأساسيّة للرّحّالين الجزائريّين كانت واحدةً، وهي بلاد المشرق، والغرض الأساسي هو أداء فريضة الحجّ بالحجاز، والتعلم والتعليم بالبلدان المشرقية الأخرى. لكنّهم اختلفوا اختلافاً تامّاً أو جزئيّاً في ثلاثة أمور وهي: نقطة الانطلاق أوّلاً، والطّرق المتّبعة أو مسالك الرّحلة ثانيّاً، وذكر المدن والمواضع التي وطئوها ثالثاً.‏

    فأمّا عن نقاط انطلاق الرّحّالين الجزائريّين، فقد كانت متباينةً تبايناً تامّاً لتباينِ مناطق المولد أو الإقامة، أو سكنى الرّحّالين، إذ انطلق المقري من فاس، والورثلاني من بني ورثلان بالجزائر، أما أبو راس فقد شرع في رحلته ابتداء من معسكر، والأمير عبد القادر من وهران، وهما مدينتان بغرب الجزائر.‏

    وقد عيّن الرّحّالون الجزائريّون، الطّرقَ والاتّجاهات التي سلكوها للوصولِ إلى المشرقِ، مع تفاوتٍ بينهم في التّفصيلات، ونسجّل اختلافاً جزئيّاً في اتّجاهات الرّحّالين الأربعة: المقْري، والورثلاني، وأبي راس، والأمير عبد القادر عند بعض المراحل والمواضع، وتماثلاً في أخرى. وتجدر الإشارة، إلى أنّ رحلة أبي العبّاس أحمد المقْري، عبارة عن سفرِ ذهابٍ إلى الحجاز دون إياب؛ لأنّ المقري استقرّ بمصر نهائيًّا، ولم يطلعنا أبو راس على أحداث عودته إلى معسكر، رغم تحقيق ذلك. ويبقى الحسين الورثلاني، والأمير عبد القادر متميّزين بسرد تفاصيل رحلتيهما ذهاباً وإيّاباً.‏

    ومن خلال قراءتنا للرحلات المعنية بالدراسة، نلاحظ أنّ أحمد المقري قد عرف تجربة السّير في البحر الأبيض، أثناء رحلته الحجازيّة، رغم قلّة الأمن، وشيوع القرصنة المسيحيّة فيه(46). بينما فضّل الرّحالة الورثلاني الابتعاد عن البحر لكثرة مخاطره ولعدم قدرته على ركوب البحر(47)، وامتاز الورثلاني باتّساع رقعة سيره في البرّ، وتنوّع الدّروب في الذّهاب والإياب، وكذلك سلك أبو راس النّاصر المعسكريّ نحو تونس طريق الهضاب الشّماليّ العابر مدن الجزائر من الغرب إلى الشرق.‏

    واشترك الرّحّالون الثّلاثة (المقْري، أبو راس والأمير عبد القادر) في ركوبهم مراكبَ بحريّة من عمالة تونس إلى مصر عن طريق الإرساء في أقرب موانئها وهو ميناء الإسكندريّة، وحصر أحمد المقري زمن الرّحلة من ميناء سوسة، في شهر صفر من سنة (1028هـ) ووصل الإسكندريّة في شهر جمادى الأولى، أيّ بعد مرور أكثر من شهرين(48).‏

    وركب أبو راس النّاصر، وبعده الأمير عبد القادر البحرَ انطلاقاً من ميناء تونس، ووصولاً إلى الإسكندريّة. ولم يخبر الرّحّالة الأوّل القرّاء عن مقدار الزّمن الذي استغرقته رحلته في البحر(49). بينما حدّدها الأمير عبد القادر باليوم والشّهرِ والسّنة، من ثاني عشر رمضان من سنة (1239هـ) ودام سفره في البحر تسعة عشر يوماً، فوصل الإسكندريّة آخر يومٍ من رمضان(50).‏

    وتحدّث كلٌّ من أحمد المقري، والأمير عبد القادر عن أحوال السّفرِ في البحر، فصوّر لنا المقْري ما عاناهُ أثناء إبحاره وصفاً دقيقاً، يذكّرنا بوصف أحمد بن جبير عند حديثه عن الجزر والمسالك البحريّة(51). وذكر وجود القراصنة في جزيرة مالطة، الذين كانوا يتربّصون بالمارّين وخصوصاً المسلمين، الذين يتعرّضون إلى القتل أو السّجن والسّبي على أيديهم. وقد تعرّض مركب المقري، إلى مخاطر الغرق عند هبوب الرّياح النّكباء، وهي التي تعيق السّفن عن التّقدّم، وتضطرّها إلى الإرساء أيّاماً وشهوراً. كما أنّ شدّة الرّيّاح، وهبوب العواصف، وعظمَ الأمواجِ وتلاطمها، كانت كلّها أخطاراً تعرض للمسافر في البحر، فتثير فيه القلقَ والخوفَ والفزعَ من انكسار المركب وتحطّمه، والغرق بعدها في لجّ البحر.‏

    ولا تختلف حالة الإبحارِ في زمن الأمير عبد القادر، فقد ظلّ نظام الأشرِعَة، معمولاً به، وهذا ما جعل المركب الذي أقلّ الأمير من تونس يرجع إلى الميناء بعد الإبحار بستّة أيّام، بسبب هبوب الرّياح النّكباء، التي حالت دون تقدّم المركب نحو مصر وكان على القائد الانتظار حتى تهبّ الريّاح الغربيّة.‏

    ووصف الرّحّالون أخطارَ الرّحلة في البرِّ كما وصفوها في البحر، فتحدّث أحمد المقري حديثاً قصيراً عن خطورة الرّحلة في البرّ كذلك، عند ذهابه من الإسكندريّة إلى مصر، وأوضح أنّ صعوبات السّفر تأتي من اختلاف المسالك على الأدلّة، واحتمال التّيه، وما ينجم عنه من قلقٍ وإحساسٍ بالغربة. وكذلك من مشقّة صعود المرتفعات، ونزول المنحدرات خاصّة على الإبل، وصعوبة اجتياز الصّحاري المقفرة، الجافّة من الميّاه. وقد قال المقري في هذا الصّدد: ".. ولم نَخْلُ في البرّ من معاناة خطوبٍ... فكم جُبْنَا من مَهَامِهَ فيحاً، ومسحنا بالخطى منها أثيراً وصفحياً.. وفَلَيْنَا الفِجاجَ، وقرأنا من الطّرق خطوطاً ذات استقامةٍ واعوجاجٍ"(52).‏

    وبيّن الورثلاني مخاطرَ السّفرِ في البرّ، وخصوصاً الصّحراء؛ حيث تعاني الأركابُ قلّة المياه ورداءتها(53)، وشدّة الحرارة(54)، وكذلك انعدام العشب والكلأ للإبل، فيصيبها بذلك الضّعف والموت(55). كما أنّ طريق البرّ تعرف بطولها، وكثرة المراحل فيها، العامرة منها والخالية، والتي تسبّب تعب المسافر، وقلقه في الوصول إلى مقصده، وقد تحصل الوفاة في كثيرٍ من الأحيان قبل الوصول(56).‏

    ويبدو السّفر في الطّريق البرّيّة عند الأمير عبد القادر أكثر سهولةً وأمناً، فقد يرجع هذا إلى قدرة الأمير عبد القادر على تحمّل المشاقّ(57)، وقيامه بالرّحلة في فترة شبابه. وقد يرجع كذلك إلى تحسّن أحوال الطّرق، وتطوّر الحياة، في البلدان. ورغم ذلك، فلم يغفل الأمير ذكر صعوبة صحراء برقة الواقعة بين مصر وطرابلس فقال: ".. ومن ذلك الموضع [كرداسته غرب الأهرام الثّلاثة] ركبنا مهامِهَ فيحا كما قال عياض، تحار فيه القطا، وتقصر عنه الخطا"(58).‏

    وتأتي أهمّ مرحلةٍ عند الرحّالين الجزائريين، بدخول بلاد الحجاز الشريف، ونلمس اشتراكاً بين الرحّالين الثلاثة المقريّ وأبي راس والأمير عبد القادر في اجتيازهم البحر الأحمر إلى جدّة(59)، مقصد الحجّاج ومؤدّاهم إلى بيت الله الحرام، كما ذكر المقريّ؛ فهي قريبة من مكّة، وتبعد عنها خمسة وسبعين كيلومتراً(60)، وقصد أبو راس مدخلاً بحريّاً آخر للحجاز، وهو ينبوع البحر(61)، الذي بلغه الأمير عبد القادر أيضاً بعد ثمانية أيّامٍ، ومنه إلى جدّة(62)، وقد زار الرحّالة الثلاثة مكّة المكرّمة والمدينة المشرّفة وكثيراً من المواضع الواقعة بينهما كرابغ والبزوة وبدر والصفراء ونقب عليّ،... وغيرها من الأماكن الحجازية الشريفة. وزار الأمير عبد القادر في طريق العودة مواطن واقعةً على طريق البر المؤدّية إلى قاهرة مصر. منها: الجوزاء والينبوع والوجه وآبار السلطان ومغاير شعيب وبندر العاقبة وبندر النخيل، وغيرها من المعاطن الحجازية والمصرية(63).‏

    أمّا الورثلاني، فقد كان مساره من موطنه نحو الحجاز أكثر تحديداً، حيث فصّل في ذكر مراحل الرّحلة وخاصّة بين مصر والحجاز(64). نلاحظ من خلال معرفة مراحل سفر الورثلاني في البر بين عمالتي مصر والحجاز، شبهاً كبيراً بينها وبين مراحل الإياب عند الأمير عبد القادر برّاً أيضاً، وهو ما يؤكّد بقاء معالم الطريق على حالها حتّى القرن التاسع عشر الميلادي، مع تغييرٍ نسبيٍّ في تسميّة المواضع(65).‏

    وأخيراً، يتّفق الرحّالون الثلاثة المقري وأبو راس والأمير في زيّارتهم جميعاً بلاد الشام وفلسطين، فزار أحمد المقريّ بيت المقدس والخليل ودمشق والصّالحيّة وغزّة(66)، ورحل أبو راس إلى دمشق والرملة وغزّة والعريش(67)، وزار الأمير دمشق وبغداد(68). وكلّ هذه المدن تستوجب الرّحلة برّاً؛ إذ هي متّصلةٌ لا يفرّق بينها البحر، بينما لم يزر الورثلاني أيَّ قطرٍ مشرقيٍّ آخر غير الحجاز.‏

    2.1.2 ـ وصف المدن وخصائص البيئة الطّبيعيّة:‏

    عرّف الرّحالون الجزائريّون بالأماكن والمواضع، التي كانت بارزة في خريطة العالم العربيّ في زمانهم (ق11، 12، 13هـ). فتعرّض هؤلاء الرحّالون إلى وصف مدن في المشرق، كالإسكندريّة ومصر وسويس، وجدة والينبوع ومكة وبدر وطيبة، وغزة والقدس، ودمشق وبغداد.‏

    كما ذكر بعض الرّحالين وأبرزهم الحسين الورثلانيّ، مواقع كثيرة من معاطن المياه وآباراً وأودية، وأنهاراً وسباخاً وعيوناً ومجمّعات، وأهمّ الموارد الطبيعيّة من معادن وجبال الملح، وكذلك ما في الطّريق من منحدرات ومرتفعات، وسهول وصحاري وبحار.‏

    وقد وردت المقاطع والإشارات الوصفيّة للأماكن عند الرّحالين الجزائريّين، مضمّنةًَ في صيغ أدبيّة نثريّة أو شعريّة، صيّرها الأسلوب الأدبيّ، مشبعة بأحاسيس الرّحالة. ممّا يجعل الوصف الجغرافيّ في الرّحلات النّثريّة الجزائريّة يدخل في إطار الأدب الوصفي، أكثر منه وصفاً علميّاً موضوعيّاً.‏

    وإذا طالعنا ما خلّفه الرّحالون الجزائريون، من أخبار عن المدن المشرقيّة، فإنّنا سنجد دائماً تفاوتاً في الوصف بين الرحالين، بحسب مقدرتهم الأدبيّة، وبراعتهم في التّصوير. وقد قام أحمد المقريّ بترديد كثير من الشّعر العربيّ(69)، الذي تغنّى فيه أصحابه بمحاسن مصر، وما فيها من بدائع ولطائف كنهر النّيل، كأنّه بذلك يعتذر عن المزيد. أمّا الحسين الورثلانيّ، فكان أكثر جرأة إذ عيّن معاطن المياه فيها: من حلوة أو مالحة، باردة أو ساخنة وذكر أسماء مدنها، ككرداسة (المنصورة)، والفيّوم، وبولاق الواقعة على نهر النّيل(70). أمّا التّيه، فهي أرض مقفرة طويلة، خالية من المياه، ويصعب السّير فيها أيّام الحرّ(71). ومن الأودية في البلاد المصريّة كذلك واد يسمّى الأراك. قال عنه الورثلاني إنه: "واد واسع يأتي من ناحية الشّمال، والبحر عن يمينه قريب منه، وفيه كثير من شجر الأراك الأخضر النّاعم"(72). ووادي الأكره، الذي كان كبيراً، قبيح الماء، باستثناء حالات هطول الأمطار الغزيرة، فإنّ الماء يحسن فيه ويعذب. وأخبر الورثلانيّ أنّ بهذا الوادي أحساءً كثيرة، وأشجاراً كثيفة(73).‏

    وزوّدنا الورثلانيّ بملاحظة هامّة حول الفرق بين أراضي وجبال مصر، ومثيلتها في الحجاز، فقال إنّ لون جبال وأراضي مصر أقلّ سواداً منها في الحجاز(74). أمّا الرّحالة أبو راس النّاصر فقد ذكر حين دخوله مصر أنّه عجز عن وصفها لعظم شأنها، وأخبر بأنّها جمعت صفتيّ العمارة والفلاحة فقال: "دخلت بناءها المبهت المعجب، وخارجها المنبت المنجب"(75).‏

    ولاحظ الأمير عبد القادر حين وجوده بمصر ظاهرة فيضان نهر النّيل، كما لاحظ الورثلانيّ ذلك من قبل وتخوّفا منها، وقال الأمير أنّها ظاهرة إيجابيّة، تساعد على تروية أرياف مصر، ومزارعها وشوارعها الواقعة على الضّفتين(76).‏

    وتعرّض الرّحالة أحمد المقريّ، إلى وصف مدينة دمشق، وذكر جمالها إذ قد وجد شبهاً كبيراً بينها وبين مدينة تلمسان مسقط رأسه ولعلّ ذلك لمجرّد الحنين فقط فقال: ".. وقد تذكّرت بلادي النّائية، بذلك المرأى الشاميّ الذي يبهر رائيه، فما شئت من أنهار ذات انسجام، أترع بها من جريال الأنس جام... وحدائق تعشي أنوارها الأحداق"(77). وهذه الصوّر عن العناصر الطّبيعيّة من أنهار متدفّقة، وبساتين منبتة مزهرة سبق أن وصف بها المقريّ تلمسان والمغرب الأقصى وأكّد وجود الشّبه بين تلمسان ودمشق مرّة أخرى عندما قال: ".. إذ التّشابه بينهما قريب، في الأنهار والأزهار، ذات العرف المعطار، وزادت هذه بالتقديس الذي همعت عليها منه الأمطار"(78). وليس هذا التّشابه ببعيد إذا علمنا أنّ كلتا المدينتين تتمتّع بمناخ جاف ومياه وحدائق كثيرة ومساجد عامرة.‏

    والأمر عند الأمير عبد القادر لا يختلف كثيراً عمّا ذكره سلفه أحمد المقريّ فآثر نقل حديثه عن المدينة من كتابه نفح الطّيب، وقد أعجب بهذه المدينة كثيراً، كما أعجب بها المقريّ وقال الأمير: "ووجدنا حين اطمئناننا إليها وثوائنا بها من اللّطافة والظّرافة وحسن الخلق في أهلها ما يناسب اعتدال مياهها ونسيمها"(79). وذكر أنّ دمشق تشتهر بين المدن بكثرة مزارعها وجودة فواكهها.‏

    أمّا مدينة بغداد التي انفرد الأمير بزيارتها ووصفها دون غيره من الرّحالين الجزائريين، فقد أشار في معرض حديثه عنها، إلى شهرة نهرها العظيم دجلة، الذي يمتاز بعذوبة مياهه، وكفايته لجميع السّاكنين شرباً وسقياً، وقال عند دخوله إليها: "إلى أن حللنا مصر بغداد، ووردنا فرات دجلته الوارد ودخلناها في أحسن زيّ وغاية شبع وريّ"(80).‏

    2.2) الجانب الاجتماعيّ(81):‏

    عرضت الرّحلات النّثريّة الجزائريّة، موضوعات اجتماعيّة متنوّعة وردت في شكل ملاحظات وإشارات، إلى ظواهر وحالات اجتماعيّة، ارتبطت بأفعال النّاس وبأخلاقهم وعاداتهم، في المشرق كما تعلّقت أيضاً، بالأحداث التّاريخيّة التي كانت لها آثار إيجابيّة أو سلبيّة على المجتمع الإسلاميّ بكامله، أو على بعض أفراده يومئذ وغالباً ما كانت ملاحظات الرّحالين، تخصّ النّاس، الذين لقوهم وتعاملوا معهم، أو سمعوا عنهم، أثناء الرّحلة، وهو ما يجعل تلك الملاحظات تأتي منطبعة بأحاسيس الرّحالة، وأحكامه ومواقفه الشّخصيّة، ومتّصفة بالذّاتيّة والتّعميم أو المبالغة، في أكثر الأحيان.‏

    وسنحاول، إبراز بعض الظواهر، والحالات الاجتماعيّة، التي شاهدها الرّحالون الجزائريّون، في البلدان الإسلاميّة. فاسترعت انتباههم، ودفعتهم إلى وصفها، والتّعبير عنها بعفويّة، وهو ما يميّزها عن ملاحظات عالم الاجتماع الذي يركّز على الظاهرة، فيحيط بكلّ جوانبها، ويبحث عن مسبّباتها ونتائجها، بداياتها، وحالات تطوّرها.‏

    1.2.2 ـ الحوادث الاجتماعيّة: (الحروب، الخراب، المجاعة، الأوبئة)‏

    عرف المجتمع الإسلاميّ إبان الحكم التّركيّ حوادث ومخاطر كثيرة، من حروب داخليّة وخارجيّة، وانخفاض في مستوى المعيشة الماديّ، وانتشار الأمراض والأوبئة، وغيرها من الوقائع، تركت آثاراً سلبيّة على السّكان، كالوفيات والجلاء الجماعيّ وخراب المدن.‏

    وقد تناول أوّل الرّحالين الجزائريين في تصنيفنا، وهو أحمد المقريّ، المتحدّث عن بلد الحجاز الذي عرف مشاكل مشابهة، تعلّقت بالقرصنة البحرية، وترصّد المرتزقة بالسفن الوافدة على ميناء جدّة، قصداً لسلبها سلعها وقتل المقاومين لهم، وهي أخبارٌ وردت في رسائل مفتي الحرم المكّي عبد الرحمن بن مرشد إلى الرحّالة المقري في سنوات (1029هـ، 1030هـ، 1035هـ، 1036هـ) فقال المفتي عن أحوال الحرمين في سنة (1029هـ): "... فهي على ما يعهده من القرار غير أنّ المرتزقة تواترت عليهم ضوائق الأحوال فألجأتهم إلى مضائق الأهوال، حيث لم تصل سفن الحبوب، ولا نالهم من محصول بندر جدّة إلاّ ما يسفيه أضعف الهبوب، فأحوال أهل الحرمين بسبب ذلك غير منتظمة، وآمالهم في دفاتر اليأس أضحت مرتقمة"(82).‏

    غير أنّ الأحوال تحسّنت فيما يبدو سنة (1030هـ) بعد نزول المطر، فزادت المحاصيل، وانخفضت الأسعار(83). ولكن بعد أشهرٍ قليلة أصاب أهل المدينة تعب ومشقّة، ونالهم من حَسن باشا الحاكم العثماني عظيم الكرب؛ فقد أثقلهم بالضرائب التي لم يقدروا على دفعها، لضعف مستوى المعيشة، وقلّة المؤونة. ولم يجد أهل المدينة خلاصاً من ظلم الحاكم سوى الدعاء عليه في الحضرة النبوية، حتّى استجاب الله لدعائهم، فوافته المنيّة. وقد نقل المقري قول عبد الرحمن المرشديّ في هذه الحادثة: "... وهذه عادة الله في كلّ من نوى أهل الحرمين بالسّو ونكّاهم بجراح التعدّي ولم يأسوا"(84).‏

    ونلاحظ هنا، أنّ وصف الرحّالة أحمد المقريّ، وعبد الرحمن المرشديّ للحجاز، يفيد تردّي الأوضاع وعدم الاستقرار، ضمن نصوصٍ أدبية نثرية أو شعرية، تحمل معاني التأثر والحزن، وتعكس خصائص الكتابة الفنية في ذلك العصر وهي مكتظّة بالصنعة اللّفظية.‏

    أمّا الحسين الورثلاني، فيبدو أكثر الرحّالين عنايةً بالحياة الاجتماعية حين حدّثنا عن حالات الاستقرار، وحالات الاضطراب، واستطاع أن ينقل لنا ملاحظات دقيقة، وافية وهامّة عمّا شاهده من أحوال النّاس في المدن والأماكن التي مرّ بها أو زارها كحوادث الفتن التي وقعت ببجاية والحضنة وبسكرة، والخراب الذي حلّ ببعض معاطن طرابلس والمجاعة التي حلّت بها. وذكر أنّ بعض الفتن أو الاقتتال بين بعض القبائل في منطقتي بجاية وزواوة مرجعها ابتعاد العامّة عن الدّين الإسلامي.‏

    وسجل الورثلاني وخلفه عبد القادر ممارسة بعض قبائل العرب أفعال السّرقة، وقطع الطّريق على المسافرين، إذ واجهوا أخطار السرقة بصحراء مصر، وبعض معاطن الحجاز، وفي الطريق المؤدية إلى بغداد من جهة الحجاز، وهو ما سنفصل في ذكره لاحقاً.‏

    2.2.2 ـ قبح الصّفات والعادات:‏

    لقد ترك الرّحّالون الجزائريّون أحكاماً عامّة وأخباراً، عن صفات وأخلاق لم تعجبهم عند أهل زمانهم، أو أساءت إليهم، وصدرت عن بعض الفئات الاجتماعيّة من الخاصّة أو العامّة في بعض مدن المشرق كالغيرة والحسد، والكره والظّلم والغشّ والكذب والوشاية والسّرقة وقطع الطّرق على المسافرين، ... وغيرها من الأفعال والأحداث السّلبيّة التي يصعب حصرها، فنكتفي بأمثلة منها فقط.‏

    ونذكر بعض الأحكام، التي شكّلت اتّفاقاً بين الرّحّالين الثّلاثة وهم: أحمد المقْري، والحسين الورثلاني، وأبو راس النّاصر، الذين ذمّوا أهل مصر خاصّة دون نفي الصّفات الحسنة عنهم. فذكر المقري أنّه وجد في مصر فئةً تعاديه، وتحسده في مكانته العلميّة وشهرته بين النّاس وراحت تسعى إلى ترحيله عن مصر رغم التّرحيب الذي لقيه من فئات أخرى، تدعوه إلى المكوث والجلوس في مجالس العلم والتّدريس ونقل المقري شهادات عدد كثير منهم في كتابه، ممّا لا يتّسع المجال لذكرها هنا، وإذا كان أحمد المقْري، لم يحدّد لنا الفئة التي اتّصفت بالحسد والغيرة منه، فإنّ الحسين الورثلاني كان أكثر تعييناً وتخصيصاً، فجاءت أحكامه في صيغ نثريّة بخلاف أحمد المقْري الذي عبّر عن حكمه عن أهل مصر بالشّعر.‏

    تكلّم الورثلاني عن صفة الظّلم المتفشّيّة بين ولاة مصر وقد عمّ ظلمهم جميع النّاس، من المقيمين والمجاورين، والمسافرين ثمّ خصّ بالذكر والي بولاق، الذي عرف بكرهه وظلمه للحجّاج فقال الورثلاني: "إنّ ظلم ولاتها قد وصل كل جنس من أجناس الآدميين حتى بلغ ظلمه الحاج المغربي والعلماء والطّلبة والفقراء والأشياخ والصّنّاع والتّجّار والمجاورين وسائر النّاس قاطبة ولذلك ابتلاهم الله بالشّقاق والفتنة فكانت مصر لمن غلب.."(85) وقد بالغ والي بولاق في ظلم الحجّاج، حتّى كان معينوه وحرّاسه يترصّدون للحجّاج في الأسواق فيلقوهم في السّجن، ولا يفكّ سجنهم إلاّ بعد دفع أموال مفروضة(86) وقد بلغ غضب الحسين الورثلاني على هذا الوالي مداه، حتى دعا عليه بالهلاك والموت.‏

    وتحدّث الورثلاني عمّن أسماهم "الشّيّالين" الذين يحملون متاع الحجّاج ووصفهم بأقبح الصّفات كالمكر، والغدر، والاحتيال على حجّاج بيت الله دون رهبة، وقد بدا الورثلاني خبيراً بأفعال ونوايا الشّيّالين في مصر، فحذّر الحجّاج، والقرّاء منهم، ودعاهم إلى تجنّبهم، وعدم الاغترار بهم فقال موضّحاً: "فلا تغترّ أيّها الحاجّ بحلاوة اللّسان من الشّياطين ولا بإظهار المودّة ولا بكثرة الأيمان، فإنّهم ذئاب في ثياب، وكذا من أتوا لك بهديّة، لا تقبلها منهم، فإنّهم يريدون التّحيّل بالوصول إلى مالك.. فلا يعتبرون عهداً ولا مودّةً ولا يميناً ولا صحبةً ولا شيخاً ولا وليّاً إلاّ المكر والخديعة.. إن قدروا على أخذ المال تحيّلاً فعلوه وإلاّ أخذوه بإعطاء رشوة لأصحاب المخزن مع الدّعاوي الكاذبة والفجور وإظهار الشّكوى بلسان الباطل، وغير ذلك من فضائحهم..."(87).‏

    وهكذا يقدّم الورثلانيّ، تحليلاً للظواهر التي لاحظها في مصر، وأوحى بأنّ الظّلم يقع على المغاربة خاصّة للوشاية بهم، والاحتيال عليهم، ممّا نستغربه اليوم فقال في هذا المعنى: ".. فصارت في النفوس أقبح الأوطان وأذلّها للغريب مصر ومكة فلا تجد أحداً من مصر إلاّ يحتقر المغاربة، حتّى كادوا أن يخرجوهم من الإسلام.. فترى المغربيّ إذا تكلّم تعصبّوا عليه بالباطل، ولو بالزّور. فلم ينفع فيهم إلاّ عدم مخالطتهم... ليصرف عنه السّوء والفحشاء الصّادرة منهم وما تخفي صدورهم لنا أكبر وأعظم..."(88).‏

    لكنّ الورثلانيّ علّل هذه المواقف السّلبيّة، بتشويه بعض المغاربة لصورة العامّة منهم. لتمرّدهم وضلالهم باتّباع علم الكيمياء، واستعمالها في المضرّات والمحرّمات كالسّحر والشّعوذة وإخراج الخبايا والكنوز من الأرض وإصراع الجنّ وتفريق الأحباب، ونحو هذا من أعمال السّحر والشّعوذة، وتبدو لنا اليوم في غاية الغرابة.‏

    وكذلك تعرّض أبو راس النّاصر، باختصار شديد إلى ذكر سوء معاملة العلماء المصريين له، إذ حسدوه في علمه، وحفظه، وفهمه، وصغّروا من شأنه، فامتحنوه وشكّوا في إجابته. لكنّه أثبت تفوّقه. بعدما ظنّوا أنه أقلّ علماً وحفظاً.‏

    وقد أشار أحمد المقْري إلى ما سيؤكّده الورثلاني والأمير عبد القادر من وجود ظاهرة اللصوصيّة، وقطع الطّرق في بلاد الحجاز نفسه، وأوردنا سابقاً كلام أحمد المقري، عن المرتزقة الذين تعرّضوا إلى سفن الحبوب المتّجهة إلى جدّة، ونهبوا ما كان محمولاً عليها من بضائع(89).‏

    وتوسّع الورثلاني في ذكر مسألة انتشار اللّصوصيّة، برًّا، بعد خروجه من مصر. وقارن بين مفازة برقة، ودروب الحجاز الصّحراويّة، فرأى أنّ الحجّاج وجدوا الأمن والسّلام عند عبورهم مفازة برقة اللّيبيّة خلافاً لأرض الحجاز التي كانوا فيها مهدّدين بالسّلب والقتل، لتربّص الأعراب بهم، فأقرّ الورثلاني بخطورة الدّرب بين مصر والحجاز من التّفرّق، أو التّأخّر عن الرّكب وعيّن الورثلاني أكثرها خطراً، وهي: سطح العقبة، وآبار أمّ السّلطان، والدّركين، ووادي العقيق، وهو موضع أعرابه لصوص، يتعدّون على النّاس بجرأة وسفه(90) وأخبر الرّحّالة أنّ بعض السّنن، تركها الحجّاج اضطراراً، لكثرة أذى اللّصوص.‏

    وأشار الأمير عبد القادر من جهته في عبارات سريعة إلى وجود قطّاع الطّرق في الصّحراء الواقعة بين طيبة وبغداد، فآثر اجتياز طريق الشّام نحو دمشق ومنها إلى بغداد، فقال: ".. ثمّ خرجنا مودّعين صاحب الرّوضة المفضلة على بقاع الأرض والسّماء، زائرين مدينة السّلام المسمّاة "بغداد" على طريق الشّام لصعوبة طريق الدورق، بكثرة اللّصوص المنتهبين وعدم اجتياز السيارة مع قبائلها من البدو، لكونهم لا ينالهم حكم سلطان، ولا خوف الله"(91). وهذا القول يدلّ على استمرار ظاهرة اللّصوصيّة في دروب الصّحراء الحجازيّة حتى القرن الثّالث عشر الهجري، وهو أمر بديهي في زمن غابت فيه السّلطة الفعليّة وساد الظّلم والظّلام أرجاء البلاد الإسلاميّة.‏
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 17 2011, 10:04



    3.2.2 ـ حسن الأخلاق والعادات:‏

    دوّن الرّحالون الجزائريّون، أخباراً كثيرةً في كتبهم المذكورة تتعلّق بالأخلاق والعادات عند الأهالي الذين تعرّفوا عليهم مثلما عبّروا عن بعض الظّواهر السلبيّة كما تقدّم القول.‏

    وممّا يتّصل بصفات الصّلاح في نظر الرّحّالين الولاية والكرم والتّرحيب بالغريب ومن العادات الحسنة التّنزّه في الحدائق والأماكن العامّة في أيّام الأعياد، والاختلاط بالعلماء، والأعيان، وعادة الاحتفال بمراسيم حمل كسوة الكعبة المشرّفة، مثلما ذكر المقْري عن أهل الشّام قائلاً: ".. كنت كثيراً ما أسمع عن أهلها، زاد الله في ارتقائهم ما يشوقني إلى رؤيتها ولقائهم وينشقني على البعد أريج الأدب الفائق من تلقائهم"(92). ممّا يدلّ على أنّ وطن المسلم يومئذ يمتدّ على طول العالم الإسلامي، وأنّ المسلمين الصّادقين حيثما وجدوا فهم أهله وعشيرته(93).‏

    ومع هذا فقد أعرب المقْري عن عجزه في توفية حقوق أهل الشّام فقال: ".. فليت شعري، بأيّ أسلوب أؤدّى بعض حقّهم المطلوب؟ أم بي لسان أثني على مزاياهم الحِسَان؟ وما عسى أقول في قوم نسقوا الفضائل ولاء، وتعاطوا أكواب المحامد ولاء، وسحبوا من المجد مطارف وملاء.."(94).‏

    ولا يختلف أبو راس، والأمير عبد القادر عمّا ذكره سلفهما المقْري عن أهل الشّام، إذ ألفيا دوام الخصال الفاضلة عند الشّاميّين صادرة عن طبع كريم وضيافة وتأدّب مع الوافدين عليهم ورقّة في التّعامل، وطلاوة في الكلام، ... وغيرها من المحاسن التي صرّح بها المقْري، وأكّدها من زار الشّام بعده من الجزائريّين، فعندما دخل محمّد أبو راس الشّام، لقي التّرحيب، والحفاوة من علمائها بالخصوص، الذين تذاكروا معه في مسائل علميّة، فقدّروا مكانته، وأنصفوه(95)، دون حسد أو اختبار لعلمه وحفظه مثلما جرى له مع أهل تونس ومصر، وزاد الشاميّون إحساناً لأبي راس، بأن قدّموا له المال الكافي لمواصلة رحلته، وودّعوه، وشيّعوه، عند خروجه من المدينة(96).‏

    أمّا الأمير عبد القادر، فقد أحسّ بالاطمئنان أثناء إقامته بدمشق لاعتدال هوائها، وحسن أخلاق أهلها، إذ قال: ".. وأقمنا بها مدّة من شهر، ونحن في أحسن إكرام، وطيب كلم من الرّؤساء والبشوات وغيرهم ووجدنا من أعيان الصّوفيّة بها قوماً لهم شبه بالجنيد والشلبي..."(97)، وعند رجوعه من مدينة بغداد إلى الحجاز، مرّ على دمشق أيضاً، وأقام بها مدّة(98).‏

    وأفادنا الحسين الورثلاني، خاصّة بحديث طويل عن الأولياء والصّالحين في مصر فقال: "هذا وإنّ مصر قد حشيت بأوليّاء الله، وإنّهم فيها كالنّجوم في السّماء، فالمستور فيها أكثر من الظّاهر.. والغالب أن أسواقها لا تخلو منهم فمن أزيل عنه الحجاب رآهم عياناً"(99). وكانت زيارة الأولياء والتّعلّق بالصّالحين عادة أهل ذلك الزّمن لكثرة اعتقادهم في الولاية والورثلاني واحد منهم.‏

    هذا، وقد عدّد الورثلاني مرافق مصر، وطبقات أهلها، وذكر وظائفهم وصفاتهم، ورأى أنّ المطّلع على أحوال مصر، وعجائبها، يحصل له الاعتبار، والإحساس بعظمة الخالق، وتعدّد نعمه على النّاس(100). والتفت أبو راس المعسكري إلى عمارة مصر ووصف مراكز العلم فيها، كجامع الأزهر، ومسجد الحسين، وجامع ابن طولون، وأشار إلى يسر الحياة عند أهل مصر، واهتمامهم بالعلم والفنون خاصّة، وقد لقي أبو راس عدداً من العلماء الأجلاّء والأدباء الكبار، وتبادل معهم المعارف العلميّة، وتحاوروا في مسائل، وقضايا شغلت العقول(101).‏

    أمّا الأمير عبد القادر، فقد أعجب بصفتي الكرم وحبّ العلم، عند أهل مصر، إذ تمتّع هو ووالده مُحيي الدّين، ورفقاؤهما بحسن معاملة بعض المصريّين، وتأدّبهم مع محيي الدّين لاشتهارهم، وعظم شأنهم. وقد قام أحد أعيان مصر، المدعو محمد سعيد الفندي، باستضافة الأمير ومن معه مدّة اثني عشر يوماً، وتحمّل مصاريف إطعامهم غذاءً وعشاءً، كما أشركهم في الاجتماعات العلميّة التي كانت تقام في بيته، فكانت فرصة للأمير عبد القادر أن يتعرّف على علماء القاهرة، كبراء الدّولة.‏

    وتتكرّر عادة التّنزّه مع الضيّوف في رحلة الأمير، إذ خرج الرّحّالة ومرافقوه مع الوليّ محمد سعيد الفندي، لزيارة مشهدي الحسن والحسين رضي الله عنهما وقبر الإمام الشّافعي، وقبور القرافتين الكبرى والصّغرى، وكذا الجامع الأزهر. وعبّر الأمير عن شعوره بالامتنان لأهل مصر، فقال: "وشاهدنا من برّهم بالوالد وأدبهم معه وإعظامه والتّنويه به ما يزهي النّاظر، ويكبت المناظر"(102). وعند عودته من الحجاز، وافق دخوله مصر، احتفالُ النّاس بالمولد النّبوي، وقد تعوّدوا تعليق المصابيح في الشّوارع، والمساجد، والأضرحة. كما صادف دخول الأمير مصر، فيضان نهر النّيل كما تقدّم.‏
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: صورة المشرق العربي من خلال رحلات الجزائريين في العهد العثماني

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 17 2011, 10:05


    فهرس المصادر والمراجع‏

    مصادر ومراجع البحث‏

    المصادر:‏

    1 ـ القرآن الكريم.‏

    2 ـ الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، ط10، 1990.‏

    3 ـ الإعلام بمن حلّ مرّاكش وأغمات من الأعلام، عبّاس بن إبراهيم المرّاكش المطبعة الجديدة، فاس، ط1936، 1.‏

    4 ـ تعريف الخلف برجال السلف، أبو القاسم الحفناوي، تح، محمد أبو الأجفان، مطبعة الرسالة، بيروت، ط2، ج2.‏

    5 ـ رحلة في المشرق والمغرب، أبو العباس أحمد المقري، مخطوط، المكتبة الوطنية، الجزائر، رقم: 3191.‏

    6 ـ فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته، محمد أبو راس الجزائري، تح. محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990.‏

    7 ـ مذكرات الأمير عبد القادر، سيرة ذاتية، عبد القادر بن محيي الدين تح. محمد الصغير البناني وآخرون، شركة دار الأمة للطباعة والترجمة والنشر والتوزيع، ط.2، 1995.‏

    8 ـ نزهة الأنظار في علم التاريخ والأخبار، المشهور بالرحلة الورثلانية، تقديم محمد بن أبي شنب، مطبعة بيير فونتانه الشرقية، الجزائر، 1908.‏

    9 ـ لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، دار صادر، بيروت، 1955.‏

    10 ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، تح. إحسان عباس، دار صادر، لبنان، ج1، 1968.‏

    المراجع:‏

    1 ـ حسين محمد فهيم، أدب الرحلات، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1989.‏

    2 ـ حسني محمود حسين، أدب الرحلة عند العرب، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط. 1983، 2.‏

    3 ـ تاريخ الأدب الجغرافي العربي، أ. كراتشكوفسكي، تر. صلاح الدين عثمان هاشم، لجنة التأليف والنشر، القسم الأوّل، 1963.‏

    4 ـ تاريخ الجزائر العام، عبد الرحمن بن محمّد الجيلالي، المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1955، ج2.‏

    5 ـ دليل مؤرخ المغرب الأقصى، عبد السلام بن عبد القادر بن سوده المري، دار الكتب، المغرب، ط.2، 1960، ج.2.‏

    6 ـ رحلة ابن جبير، ـ محمّد بن أحمد بن جبير موفم للنشر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1988، ص3.‏

    7 ـ رحلة الورثلاني عرض ودراسة، مختار بن طاهر فيلالي، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، دت.‏

    8 ـ سيرة محيي الدّين والد الأمير عبد القادر، محمّد السعيد بن محيي الدّين، مخ، المكتبة الوطنية، الجزائر، رقم: 9.‏

    9 ـ العرب والملاحة في المحيط الهندي، جورج فضلو حوراني، مكتبة الأنجلو المصرية، 1958.‏

    10 ـ قراءة في آثار الجغرافيين والرحّالات العرب في النهضة الأوروبية الحديثة، حسن زعرور، مقال، الفكر العربي، لبنان، ع. 51، 1988، ص.153.‏

    11 ـ مساهمة كتب المسالك والرّحلة في تأسيس معجم موحّد للبلدان العربية، محمّد حسن، مجلة أدب الرّحلة والتواصل الحضاري، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، مج، 1983، ص146.‏

    12 ـ مظاهر الحضارة والعمران وتجليّاتها من خلال كتب الرحّالة، الدكتور أحمد أبو سعد، مجلّة الفكر العربي، بيروت، العدد، 51، 1988، ص ـ ص. 26 ـ 48.‏

    13 – M.HADJ- SADOK, à travers la berbèrie oriental du XVIIIe siècle, avec le voyageur Al-Warthilani, Revue Africaine, société historique Algérienne, 1951‏

    14 – Kienast. Et Bertrand, Atla, Maury imprimeur SA, France, troisième édition, 1983.‏

    15 – Voyages extraordinaires, et nouvelles agréables, récit historique sur l’Afrique septentrionale Mohamed Abou Ras ben Ahmed ben Abdel Kader En-Nasri, traduit par M.Arnaud, librairie de l’académie, Alger, 1885, 219p.‏

    (*)باحثة من الجزائر‏

    (1) محمد بن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1955، مادة: "رحل".‏

    (2) المصدر نفسه.‏

    (3) المصدر نفسه.‏

    (4) حسني محمود حسين، أدب الرحلة عند العرب، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط.2، 1983.‏

    (5) للتعرف على عناوين رحلات الأعلام المذكورين، أنظر: حسين محمد فهيم، أدب الرحلات، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1989.‏

    (6) العنوان مأخوذ من الفهرس المكمّل للمخطوطات بالمكتبة الوطنية الجزائريّة، والمخطوط تحت رقم (3191) أهدته حفيدة المستشرق الفرنسي (G.DELPHIN) أستاذ اللغة العربية بجامعة الجزائر في القرن 19م أهدته هذه الحفيظة إلى السّفارة الجزائرية بباريس، ونقل المخطوط بعد ذلك إلى المكتبة الوطنية بالجزائر.‏

    (7) محوله: يقصد المؤلف بها فقرات النص كاملة.‏

    (Cool أبو العبّاس أمد المقري، رحلة في المشرق والمغرب، مخطوط، المكتبة الوطنية، الجزائر، رقم 3191، وجه الورقة رقم1.‏

    (9) المصدر نفسه، وجه الورقة رقم 66.‏

    (10) أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدّين بن الخطيب، تح. إحسن عباس، دار صادر، ج. 1، ص ـ ص. 13 ـ 69.‏

    (11) المصدر نفسه، ص3.‏

    (12) عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1955، ج2، ص385.‏

    (13) أبو العباس أحمد المقري، رحلة، وجه الورقة رقم 10.‏

    (14) عبّاس بن إبراهيم المرَاكشي، الإعلام بمن حلّ مرّاكش وأغمات من الأعلام، المطبعة الجديدة، فاس، ط1، 1936 ص. 109.‏

    (15) الحسين بن محمّد الورثلاني، نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار، المشهورة بالرحلة الورثلانية، تقديم محمّد بن أبي شنب، مطبعة بيير فونتانة الشرقية، الجزائر، 1908، ص713.‏

    (16) الحسين بن محمّد الورثلاني، نزهة الأنظار، ص3.‏

    (17) المصدر نفسه.‏

    (18) المصدر نفسه، ص597.‏

    (19) المصدر نفسه، ص713.‏

    (20) من أمثلة النقول عن النّاصري والعيّاشي: ص(88 ـ 94)، ص(386 ـ 411).‏

    (21) أبو القاسم محمّد الحفناوي، تعريف الخاف برجال السلف، تح. محمد أبو الأجفان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.2، ج.2، ص.139.‏

    (22) M.HADJ- SADOK,à Travers la Berbèrie oriental du XVIIe siècle, avec le voyageur Al- Warthilani, Revue Africaine, Société historique Algérienne, 1951, p.320.‏

    (23) مختار بن طاهر فيلالي، رحلة الورثلاني. عرض ودراسة، دار الشهاب، باتنة ـ الجزائر، (د.ت)، ص. 11.‏

    (24) لم يحدّد الرحّالة الزمن الذي قضاه دارساً في مصر، ويظهر طول الزكمن من ذكره لمجالساته الكثيرة للعلماء فيها.‏

    (25) الحسين الورثلني، نزهة الأنظار، ص. 285 ـ 288، 294، 303.‏

    (26) المصدر نفسه، ص.د (المقدّمة).‏

    (27) محمّد أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنته في التحدّث بفضل ربي ونعمته، تح محمّد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسّة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، 184ص.‏

    (28) محمد أبو راس الجزائري، فتح الإله، ص24.‏

    (29) المصدر نفسه، ص117.‏

    (30) محمد أبو راس الجزائري، فتح الإله، ص. 115، 116.‏

    (31) المصدر نفسه، ص. 118.‏

    (32) المصدر نفسه ص120.‏

    (33) Mohamed Abou Ras ben Ahmed ben Abdel Kader En -Nasri, Voyages extraordinaires, et nouvelles agréables, Récit historique sur l'Afrique septentrionale, traduit par M.Arnaud, librairie de l'académie, Alger, 1885, 219p.‏

    (34) خير الدّين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ط10، 1992، مج6، ص18.‏

    (35) عبد السلام بن عبد القادر بن سوده المري، دليل مؤرخ المغرب الأقصى، دار الكتاب، المغرب، ط.2، 1960، ج2، ص390.‏

    (36) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص182.‏

    (37) عبد القادر بن محيي الدين، مذكرات الأمير عبد القادر، سيرة ذاتية، تح. محمّد الصغير بناني وآخرون، شركة دار الأمّة للطباعة والترجمة والنشر والتوزيع، ط2، 1995، وتوجد نسخة من مخطوطة، المكتبة الوطنية، الجزائر، رقم 2592.‏

    (38) محمّد السعيد بن محيي الدّين، سيرة محيي الدّين والد الأمير عبد القادر، مخطوط، المكتبة الوطنية، الجزائر، رقم 09.‏

    (39) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص104.‏

    (40) فرّق في القرن العاشر الميلادي بين المدن والأمصار، فكانت الأمصار تخصّ البلاد التي يسكنها السلطان، وتُقام فيها الدواوين. أمّا المدن، فهي مقام الجند، وأقلّ منها النّواحي والقرى.‏

    (41) حسن زعرور، "قراءة في آثار الجغرافيين والرحّالات العرب في النهضة الأوروبية الحديثة"، مقال، الفكر العربي، لبنان، ع51، 1988، ص152.‏

    (42) أ. كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، تر. صلاح الدين عثمان هاشم، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القسم الأوّل، ص3.‏

    (43) المرجع نفسه ص، ص3، 4.‏

    (44) جورج فضلو حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، مكتبة الأنجلو المصرية، 1958.‏

    (45) محمّد حسن، مساهمة كتب المسالك والرّحلة في تأسيس معجم موحّد للبلدان العربية، مجلة أدب الرّحلة والتواصل الحضاري، ص146، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، مج1983، 5، ص146.‏

    (46) مختار بن طاهر فيلالي، رحلة الورثلاني عرض ودراسة، ص83.‏

    (47) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص559.‏

    (48) أبو العبّاس أحمد المقري، رحلة، مخ، ظهر الورقة رقم 10.‏

    (49) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص115.‏

    (50) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص106، 107.‏

    (51) محمّد بن أحمد بن جبير، رحلة بن جبير، موفم للنشر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر1988، ص3، 6.‏

    (52) أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب، ص ـ ص. 34 ـ 35.‏

    (53) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص211.‏

    (54) المصدر نفسه، ص331.‏

    (55) المصدر نفسه، ص215.‏

    (56) المصدر نفسه، ص236، 331، 332، 449، 450، 555،ـ 605، 652، ...‏

    (57) محمّد السعيد بن محيي الدّين، سيرة محيي الدّين والد الأمير عبد القادر، مخ، وجه الورقة رقم1.‏

    (58) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص. 134.‏

    (59) أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب، ج1، ص39.‏

    (60) Kienast, et Bertrand, Atlas, Maury imprimeur SA, France, troisième edition, 1983, p.52.‏

    (61) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص109.‏

    (62) المصدر نفسه، ص109.‏

    (63) المصدر نفسه، ص133.‏

    (64) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص330 ـ 332، 368، 371.‏

    (65) مثل تسميّة دار أمّ السلطان وعيون الأقصاب ومغارة شعيب وشرف بني عطيّة أو أبو العظام عند الورثلاني، وتسميتها بآبار السلطان ووادي القصب ومغاير شعيب والشرفة أمّ الطعام عند الأمير عبد القادر.‏

    (66) أبو العبّاس أحمد المقري، رحلة مخ، ظهر الورقة رقم2، الورقة 4، 5، ووجه الورقة رقم 36.‏

    (67) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص، ص. 119، 120.‏

    (68) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص127 ـ 132.‏

    (69) وممّا استشهد به المقري في وصف مصر، شعرَ ابن ناهض الحلبي وأبي المكارم بن ممّاتي والقاضي الفاضل البيساني وأحمد بن فضل العمري... وغيره من الشعر. أنظر: أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب، ج.1، ص ـ ص35 ـ 39.‏

    (70) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص242.‏

    (71) المصدر نفسه، ص331.‏

    (72) المصدر نفسه، ص344.‏

    (73) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص346.‏

    (74) المصدر نفسه، ص347.‏

    (75) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص115.‏

    (76) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص133.‏

    (77) أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب، ج1، ص35.‏

    (78) المصدر نفسه، ص66.‏

    (79) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات الأمير، ص129.‏

    (80) المصدر نفسه، ص115.‏

    (81) تعرّض باحثون عدّة إلى دراسة الجوانب التاريخية ومنها الاجتماعية في الرحلات العربية، نذكر كمثال على ذلك، مقال الدكتور محمّد حنّاوي، نزهة المشتاق، مصدر أساسي لدراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، مجلة أدب الرّحلة والتواصل الحضاري، العدد5، 1983، ص ـ ص. 57 ـ 71، ومن الدراسات في هذا المجال كذلك، مقال الدكتور أحمد أبو سعد، مظاهر الحضارة والعمران وتجليّاتها من خلال كتب الرحّالة، مجلّة الفكر العربي، بيروت، العدد، 51، 1988، ص ـ ص26 ـ‏

    48.‏

    (82) أبو العبّاس أحمد المقري، رحلة، مخ، وجه الورقة رقم58.‏

    (83) المصدر نفسه، ظهر الورقة رقم 58.‏

    (84) المصدر نفسه.‏

    (85) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص316.‏

    (86) المصدر نفسه، ص317.‏

    (87) المصدر نفسه، ص283.‏

    (88) الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، ص559.‏

    (89) أشرنا إلى هذا الموضوع ضمن عنوان الحوادث الاجتماعية.‏

    (90) المصدر نفسه، ص. 373.‏

    (91) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص110.‏

    (92) أبو العبّاس أحمد المقري، نفح الطيب، ج1، ص62.‏

    (93) المصدر نفسه، ص69.‏

    (94) المصدر نفسه ص64.‏

    (95) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص119.‏

    (96) المصدر نفسه، ص120.‏

    (97) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص129.‏

    (98) المصدر نفسه، ص132.‏

    (99) الحسين الروثلاني، نزهة الأنظار، ص303.‏

    (100) المصدر نفسه، ص316.‏

    (101) محمّد أبو راس، فتح الإله، ص، ص 115، 116.‏

    (102) عبد القادر بن محيي الدّين، مذكرات، ص108.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 21 2018, 17:55