منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    الزراعة الحضريّة في حوض المتوسط :حقيقة قديمة في زمن التجدد

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    الزراعة الحضريّة في حوض المتوسط :حقيقة قديمة في زمن التجدد

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 16 2011, 21:26

    الزراعة الحضريّة في حوض المتوسط :حقيقة قديمة في زمن التجدد

    يبدو مصطلحا تحضّر وزراعة لوهلة الأولى متناقضين حيث يؤدي الزحف الحضري بديهياً إلى دفع المساحات المزروعة دائماً إلى ابعد. فالمدينة تنهش المساحات لا سيّما الزراعيّة منها على ما سنبيّنه لاحقا إلى ذلك، فإن العالمين الحضري والزراعي يبدوان في تعارض جذري أكان على مستوى نمط العيش أو القيم التي يقومان عليها والرؤية للعالم. يذهب التعارض بينهما إلى أبعد من الخلاف الظاهري الذي رسمه علماء الإحصاء والاقتصاد بين القطاع الابتدائي الذي يحوي النشاطات المدرّة للمال والمستخرجة مباشرة من الموارد الطبيعيّة التي يُنتجها العالم الريفي ومن نشاطات التحويل والتسويق الثانوية والثالثة والمخصصة للمدينة. إلاّ أنّ قيام زراعة حضريّة (في داخل الوسط الحضري أو في جواره) تختلف عن الزراعة في الوسط الريفي وتقيم مع البيئة الحضرية علاقات معقدة هي وليدة التعارض وإنما أيضاً التكامل، يُبيّن أنّ العلاقاتة بين التحضّر والزراعة ليست منقطعة بهذا الشكل.
    وكما عمليّات النمو الحضري، يجب تقييم الزراعة الحضريّة ليس فقط في إطارها الحالي وإنما أيضاً من منظار ديناميكي. فهي بالفعل نشاط في طور التنامي السريع منذ منتصف القرن المنصرم حين سلكت مدن العالم الثالث درب النمو السريع. فبين حدائق صنعاء ومشاتل جانبي طريق القاهرة السريع، ينمو عالم من الاختلافات ليس فقط على مستوى النشاط ونوع المؤسسة أكانت تجاريّة أم أسريّة وإنما أيضاً على مستوى العقليّة والثقافة والنظرة إلى العالم.

    تمثل هذه الزراعة نواحٍ في غاية التنوّع:

    - التنوّع في الوسط لاعتباره يتأثر بمستوى المعيشة والتطور الاقتصادي مما يتيح التمييز بشكل واضح بين أشكال الزراعة في بلاد الشمال وبلاد الجنوب. كما تختلف في داخل هذه الأخيرة بحسب الموقع الذي تحتله في مجموعة النشاطات المُمَارَسة وبحسب قدمها وحسب وتيرة التحضّر وتوزيع الثروات وتنوّع أنماط الاستهلاك في الوسط الحضري.
    - التنوّع في الزمان حيث أنّ النمو الحضري من حيث تعريفه عمليّة تطوّرية ليس فقط من الناحيّة الكميّة وإنما أيضاً من الناحية النوعيّة. فالزراعة الحضريّة وهي في الاساس قديمة قدم المدن (بدءاً من حدائق بابل المعلّقة) تطورت بسرعة مع الانطلاق المفاجئ والمتسارع نمو الحضري في القرن العشرين. وحيث دخلت في أزمة باتت تجد اليوم أشكال تأقلم كفيلة بأن تضمن لها ديمومتها. ولعلنا في صدد التوصل إلى توازن جديد بين التحضّر والنشاط الزراعي الذي يتخذ شكلاً مختلفاً عن النشاط الذي ساد لقرون طويلة ويُبنى على حاجة متبادلة تضمن مستوى معيشة أفضل في المدينة وتكييف أفضل للزراعة مع حاجات سكان يزدادون تحضراً.

    1. اهتمام جديد من الباحثين؟

    تستقطب الزراعة الحضريّة منذ بضع سنوات اهتماماً متجدداً من الباحثين مثل علماء التخطيط والتغذية وأخصائيي التنمية . يولد هذا الحماس المفاجئ عن فهم المشاكل الناجمة عن النمو الحضري السريع في مدن العالم الثالث وعن السعي إلى حصر الأزمة الحضريّة والرد على الإفقار المحزن لمدن العالم الثالث أو أقلّه ضواحي هذه المدن وأحيائها المتاخمة غير المندمجة والمعرّضة لسوء التغذية التي لم تألفها يوماً سوى المناطق الريفية الأكثر تأثراً بالحكم الاستعماري. وهي من جهة أخرى تلبي حاجة تجميلية بشريّة وبيئيّة وإطار حياتي قد يُعوّض عن النمو المنفلت لمدن العالم الثالث بالاندماج مع الوسط الريفي وهو ضمانة توازن اقتصادي بالدرجة الأولى وإنما بيئي ونفسي أيضاً.
    يعني هذه الحماس دول الجنوب دون سواها مع أنّ الظاهرة تعني مدن الشمال أيضاً حيث الأسباب مختلفة نوعاً ما ولكنّ حركة إعادة إطلاق الزراعة الحضريّة تسري على قدم وساق. فالرغبة في تغذية المدن تحتلّ المرتبة الثانية مقارنةً بالهم الجمالي والبيئي ومكافحة التلوث واجتياح لاسمنت (الاجتياح العمراني).

    وبالتالي يختلف الباحثون وتتعدد الاختصاصات المعنيّة بالزراعة الحضريّة بالانتقال من دول الشمال إلى دول الجنوب. لا يُنظر إلى الزراعة الحضريّة في هذه النطاق على أنّها البقية الباقية لممارسات ريفية في طورالإنحسار في أطراف المدينة أو في قلبها وإنما كإحدى السبل المؤدية إلى دمج المجتمع الريفي في العالم الحضري. وهي تُساهم في تقريب القرية من التموين الحضري والسماح بالنفاذ إلى غذاء متوازن ومقبولة الكلفة للطبقات الفقيرة المتحضّرة حديثاً.

    شكّلت مدن أمريكا الجنوبيّة الكبرى وإفريقيا السوداء أو آسيا الجنوبيّة والشرق الأقصى مناطق الاهتمام الأساسيّة حيث طوّر المهاجرون ممارسات بقاء مبنيّة على تجربتهم من البساتين أو تربية المواشي في مجتمعات ذات أكثريّة ريفيّة.

    2. الشاطئ، حوض المتوسط أم العالم العربي: اختيار إطار مناسب للدراسة

    يُشكل محيط البحر المتوسط مهد حضارات حضرية قديمة دمجت أشكالاً عديدةً من النشاطات الزراعيّة في تطوّرها إمّا من أجل تغذية تجمّعات سكانيّة متنامية على مساحة ضيّقة أم لتلبية حاجات شرائح اجتماعيّة تتمتع بقدرات شرائية مرتفعة. ولكنّ دراسة التفاعل بين التحضّر والزراعة يطرح مشكلةً استكشافية أساسيّة: حيث يفترض الإطار المكاني المختار ترتيب العوامل التفسيريّة أو مقاربات الزراعة الحضريّة أو في داخل المنطقة الحضريّة بحسب الأولويّة المعطاة إلى المعطيات الطبيعيّة أم الاقتصاديّة أو الثقافيّة. ترد أدناه ثلاثة أطر مكانيّة لا تنبثق اختلافاتها عن المساحة المغطاة بقدر ما تنجم عن المفاهيم التي تستند عليها:

    - يرتبط الإطار الأوّل بمفهوم الشاطئ أي تحديد موقع بحري ومحدود في آن على طول الشاطئ وكحد أقصى على السهل الساحلي في حال وجوده. تتميّز هذه المساحة بانبساطها وبموقعها على محاور أساسيّة من التمركز البشري عند منعطف القرن العشرين. ينم اختيار هذا الإطار عن اعتماد مقاربة قوامها الوسط المادي والظروف الاقتصاديّة المرتبطة به مع التوقّف عند الانبساط الذي يُسهل زراعة مكثفة ومروية وزراعات حضريّة متميّزة تشكل سطح تداخل بين الدول الخلفيّة وما بعد وراء البحار (Huybrechts، 1998).
    - يرتبط الإطار الثاني بمجموعة أوسع وهي حوض المتوسط وهو مساحة حاكها التاريخ وبنتها الثقافة انطلاقاً من وسط مناخي مشترك يحوط هذا البحر الذي شكل مهد الحضارة والذي تتشابه ميزاتها من ضفة إلى أخرى (URBAMA، 1991). يتسم حوض البحر المتوسط بنظام بيئي هشّ نتيجة طبيعته القاحلة وتربته، كما يتميّز بنمو ديموغرافي كبير يترافق مع تحضّر متسارع (Lavergne، 1995). ولكنّ الحوض ينقسم بين ضفّة جنوبيّة وشرقيّة تنتمي إلى عالم الجنوب وضفّة شماليّة تشكّل إحدى أبرز قوام الاتحاد الأوروبي. وعليه تختلف اليوم كلّ ضفّة عن الأخرى في ما يخصّ العلاقة بين الزراعة والتحضّر حيّث أنّ كلاهما يخضع لقواعد اقتصاديّة واجتماعيّة متقلبة (Plan Bleu، 1996).
    - يُشكل العالم العربي مساحةً ثقافيّة متناسقة نسبياً وهي تنعم نوعاً ما بوحدة سياسيّة واجتماعيّة وتتشابه من الناحية الاقتصاديّة حيث تبسط الدولة دورها ويُبنى الاقتصاد على ريع نفطي مباشر أو غير مباشر. أثّرت هذه العوامل إلى حدّ بعيد في أشكال التحضّر ووتيرته. وعليه، منطقي القول أنّ المنطقة الممتدة من شواطئ المتوسط وحتى الصحاري على رغم التقلبات المناخية والظروف الطبيعيّة تشكل الإطار الذي يتيح أفضل الإمكانيات لفهم تطورات الزراعة الحضريّة المعاصرة.
    لدى التعمّق في التحليل يمكن التمييز بين المغرب والمشرق في ما يخص عمليّة التحضّر والعلاقات بين الدول ومحيطها الريفي. ولكن لا يُفترض بهذا الإطار المتميّز أن يُهمل الظواهر المتعلّقة بمسارات أكثر شموليّةً مثل التمركز على الشاطئ وحيث تقدم العاصمة بيروت خير مثل على هذه الظاهرة (Huybrechts، 1998؛ Lavergne، a1999) أو انتماء جزء كبير من العالم العربي إلى حوض المتوسط. من ناحية أخرى، يترتب عن عمليّة التوسع المدني وهي التعبير الحضري للعولمة، شقلبة العلاقات بين التحضّر والزراعة الحضريّة عبر قياس أو دمج الأبعاد سابقة الذكر المرتبطة بالموقع على الشاطئ أو بحوض المتوسط أو بالعالم العربي.

    2. 1 الزراعة الحضريّة في العالم العربي: حالة استثنائيّة

    يجوز القول إنّ الزراعة الحضريّة تؤسس للظاهرة الحضرية في العالم العربي منذ العصور القديمة يمكننا أن نرى لذلك أسباباً عديدة ومنها أنّ هذه المدن نظراً لدورها العسكري والإداري وخاصةً التجاري تحتاج إلى الغذاء الذي يعجز سكان المدن عن توفيره نظراً لانشغالهم بنشاطات أخرى. وبدا الاستيراد من مسافات بعيدة مستحيلاً خاصةً في ما يتعلّق بالمنتجات القابلة للتلف نظراً لبطء المواصلات في تلك الحقبة ولغياب تقنيات التبريد وللكميّات الصغيرة التي تستطيع الدواب نقلها (لا ننسى أنّ العربات وغيرها من السيارات المدولبةالمركبات الآلية لم تكن منتشرةً في تلك الحقبة من الحضارة).
    توصيف واقع العالم العربي المطروح هنا يعتبر عملاً مبدعاًرائداً. وفي الواقع إذا كان تحضّر العالم العربي في خلال العقود المنصرمة شبيهاً بسائر مناطق الجنوب، فهو تمّ بتأثير من سياسات التنمية المبنية على انتشار الصناعة ومداخيل النفط في حين أُفرغ الريف من موارده بفعل الهجرة والنزوح الريفيّة.

    وفي الواقع يضم العالم العربي دولاً ذات دخل متوسط إلة مرتفعة بفعل مردود النفط. عرفت هذه الدول مرحلة نمو تتمركز على الصناعة أو على زراعة ممكننة تنتشر على مساحات شاسعة غالباً ما تُديرها الدولة بعد إجراء إصلاحات زراعية جذريّة نسبياً. فمن ناحية قطاعات النشاط كما من ناحية مستوى الدخل المطلوباستثنيت الزراعة الحضريّة من برامج التنمية.

    وعليه يتستحيل المناقشة في أن الزراعة الحضريّة لا تحمل هنا نفس الوزن الذي تحمله في عدد من مدن الجنوب الكبرى ةسواء لجهة تغذية سكان المناطق الحضريّة والقيمة المضافة للإنتاج الحضري ووجهة استخدام الموجودات الحضريّة نفس ما ترتديه من أهميّة في عدد من مدن الجنوب (Troin، 1995). بيد أنّه إذا ذهبنا إلى أبعد من العمليات المتعلّقة بمحدلة المد الحضري، يتضح لنا أنّ الزراعة الحضريّة تستمر في العديد من المدن الكبرى وغالباً ما تكون خفيةً لا بل سريةً مفلتةً بذلك من الإحصاءات ومن الضرائب ولكنّها تعكس فعاليةً متجددةً في حين تتنوّع في إنتاجها وأهدافها وأسواقها (Boissière، 1999).

    يزداد البحث صعوبةً وحساسية حيث يتعين التعويض عن غياب البيانات المرقمّية باستطلاعات ميدانيّة جزئية ويبدو من المستحيل الحصول على نظرةٍ شاملةٍ بشأن أهميّة الزراعة الحضريّة للظاهرة الحضريّة في كليّتها. وفي الواقع لا تظهر الزراعة الحضريّة على أنّها مجموعة متناسقة مستدامة مكانياً وإنما على أنّها مزيج من أماكن ونشاطات متداخلة في النسيج الحضري وفي الحلقات والثغرات التي غالباً ما يستبعدها التحضّر بصورة مؤقتة.

    نلحظ في هذا الإطار جانباً آخر وهو حركيّة هذه الزراعة المُهددة بصورة مستمرة بفعل المضاربات العقاريّة ومقتضيات التخطيط المدني المهدد نتيجة عدم التناسق بين ممارساته ومقتضياته وتلك المتعلّقة بالمجتمع المدني لجهة التلوّث واستخدام وسائل الاتصال والنفاذ والوصول إلى الماء.

    تقترن صعوبة قياس “الزراعة الحضريّة” بفعل أن البحث يسعى جاهداً إلى دمج مقاربة تقليدية تقوم على المراقبة وفهم الظواهر ومقاربة عمليّة من حيث الهدف وهي مقاربة مخططي المدن وخبراء التغذية الذين يسعى كلّ في ضمن نطاقه إلى منح الزراعة الحضريّة مكانةً جوهريةً في التخطيط والتموين المدني. هذا النوع من المقاربات معروف جداً وهو يقوم على اتخاذ موقف يصب في صالح الغرض موضوع البحث كما لو أنّ حل عجائبي ليس فقط لمشاكل التحضّر العالم الثالث وإنما أيضاً لسوء التغذية لا بل نقص الاستخدام الناقص والتلوّث والعنف الذي يجتاح المدن الكبرى المعنيّة في العالم الثالث.

    2. 2 الزراعة في داخل المناطق الحضريّة ومحيطها: فارق ملموس؟

    تمت الإشارة إلى الزراعة الحضريّة حتى الساعة من دون التمييز بين الزراعة في داخل المناطق الحضريّة والزراعة في محيطها. يمكن التساؤل حول جدوى هذا التمييز ومعناه. ولا شكّ في وجود زراعة تُمارس في داخل المحيط الحضري أي في البقية الباقية من المساحات المبنيّة وفي مساحات مخصصة للزراعة إمّا لأنها غير قابلة للبناء أو لأنها مكرّسة ومثبتة قانوناً لأغراض الزراعة أو بانتظار تثمين الأرض بشكل كافٍ بضغط من الطلب العقاري. كما يظهر شكل جديد من الزراعة هو الزراعة الجوار وهي إمّا حزام قديم من البساتين أم منطقة ريفية لحق بها الزحف المدني.
    وفي الواقع يقوم التمييز الناحية الوظيفيّة أكثر منه الناحية المكانية. وهو يتعلّق بالاختلاف بين زراعة تآكلت مساحتها ونشاطاتها بفعل الزحف المدني وزراعة تقاوم التحضّر أو تتطوّر على سجيّته فتصبح جزأ منه. وعليه فإنّ التموقضع في وسط المساحة الحضريّة أو في هامشها يبدو ثانوياً ويقتصر دوره على تفسير الضغط العقاري ومشاكل النفاذ إلى الخدمات والتلوّث الخ. ولذلك، فإنه يبدو أكثر عدالة أن تنمييز بين الأشكال الموروثة للزراعة الحضريّة والأشكال المتفككة للزارعة الريفية المتآكة والتي ينهش منها التحضّر ةويدينها وبين الأشكال الجديدة التي نشأت نتيجة ظروف وحالات أزمة غذائية أو حضريّة أو عن أشكال ناشئة لزراعة جديدة تستجيب للحاجات المترافقة اللنمو الحضري مستغلة مكامن النقص والثغرات المكانيّة.

    2. 3 مثل: تربية المواشي في المناطق الحضريّة

    في القاهرة منذ عشرين عاماً، كانت أحياء الدقي الجميلة وفي كل صباح سوقاً لبائعو لحليب المتجوّلين على دراجاتهم يوزعون من براميل ثقيلة من الحليب الطازج من باب إلى باب أو اللبن “الطبيعي” المقدّم في ٌِقدَرمن الفخّار. كان هؤلاء البائعين يأتون من كرداسة أو من قرى الريف القريب في غرب المدينة والتي يبلغونها عبر الضواحي التي بقيت الريفيّة والتي تغيير شكلها نوعيةً بفعل موجة بناء المساكن الجاهزة الخزفيّة صفراء اللون التياجتاحت حقول البرسيم (Ireton، 1988؛ CEDEJ، 1990). وفي تلك الحقبة كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لاستهلاك مشتقات حليب طازجة (مع أنّها غالباً ما كانت تخلط بماء، مشكوك بنظافته، لزيادة الوزن) في مدينة القاهرة. أمّا اليوم فأعداد الدكاكين التي تقدم الحليب المعقم، المنتج من التربية الحيوانية الصناعية في الأراضي المستصلحة الجديدة في الصحراء يرافقها حرص سكان هذه الأحياء من المغتربين والبورجوازيين الجدد على تناول طعام نظيف؛ طردت هؤلاء المربين. فقد اجتاحت موجة التحضّر قرى هؤلاء وغالباً ما أجبرتهم على التخلّي عن الزارعة أو الانتقال إلى مكان أبعد على مسافة بعيدة من زبائنهم. ولكنّ تربية البقرات الحلوب لا زالت مستمرة في قلب المدينة في الأحياء السكنيّة حيث توفّر مصدر غذاء أساسي بسعر مقبول. على مقربة من الأسواق، تتغذى الأبقار من نفايات الخضار التي تتقاسمها مع الماعز المنتشر معها في هذه المنطقة.
    تشهد تربية الحيوانات في المنطقة الحضرية انطلاقةً جديدةً في مدن مثل بيروت حيث تنتشر في إسطبلات شبه مخالفة للقانون في حظيرة من الصفيح في وسط أحياء الضاحية الشعبية حيث يعيش مهجّرو الحرب.وكذلك فإن هذه الظاهرة منتشرة بكثافة في مدن مثل الخرطوم أو نواكشوط حيث تؤمن استمرارية الرعاة الذين يجتمعون في المدينة مدفوعين من الجفاف أو غياب الأمن (Lavergne، 1999b؛ Franck، 2000). تشكل هذه الظاهرة طريقةً للتكيّف مع الأزمات إلاّ أنها تستغل نواقص التموين الحضري في مدن تشهد نمواً متسارعاً. وحيث أنها ولدت من حاجة المهاجرين إلى البقاء والاعتياش من المهارات الوحيدة التي يُلمّون بها، يمكنها أن تتطوّر لتتخذ أشكالاً أكثر تميّزاً واستدامةً (تنوّع الإنتاج والقرب من المستهلك المحتمل، وفصل وظائف المنتج والموزّع …).

    2. 4 أمثلة أخرى: الحدائق الحضريّة والبساتين

    جسّد العالم العربيأكثر أوجه التفاعل بين الوسط الحضري والزاراعة من خلال الواحة التهي مدينة تحوطها الحدائق وبساتين النخل في وسط الصحراء (URBAMA، 1989). ولكنّ كلّ مدينة ولدت عن نبع أو نهر في وسط قاحل تلبي حاجاتها من خلال حزام من الحدائق المزروعة بعناية فائقة. هذا النموذج الموجود في سهل اسبانيا الأندلسية الخصيب وصل إلينا مرفقاً بنمط “المقاطعة” في مزاب الذي يجمع المدينة المتكابرة لسكان يجتمعون حول سوقها ومساجدها أو نمط غوطة الشام أو حلب التي تؤمن الفاكهة والخضار الشهيرة بفضل مياه السيول التي تغذيها عند مخارج المدينة.
    لا بدّ من التمييز في هذا الصدد بين شكلين من الزراعة والتي تعني شكلين من التكامل مع المدينة لا شكّ في أنّ الحدائق الحضريّة كحدائق صنعاء في الأسوار توفّر لسكان المدينة حاجتهم اليوميّة (Boissiere et Maréchaux، 1995)؛ ولكّنها توفّر أيضاً منتجات تُسوّق من خلال شبكات التجارة في المدينة: مثلاً البلح في مزاب أو الفاكهة المعلّبة على شكل عجين أو المجففة مثل مشمش دمشق.

    ومن الأسباب الأخرى التي عززت ولادة زراعة مكثفة في حدائق أشجار الفاكهة والخضروات في داخل المدن أو في محيطها هي وفرة السماد والمياه المبتذلة الناجمة عن وجود الإنسان في المدينة. أياً كانت الموانع المزعومة للسماد البشري في العالم العربي والمسلم، ما زالت في المخيّلة صورة عربات حدائقيي صنعاء يجمعون البزار عند سفح المنازل على أعلى التلال لاستخدامه في جلاول زراعة الخضار.

    وبالتالي لم يُكرَّس الفاصل بين المدينة والحزام المغذي لها استبعاد النشاطات الزراعية من المدن الكبرى إلاّ خلال هذا القرن. وتُرجم النمو الحضري طلباً على المساحة أيضاً على الماء في حين سمح تطوّر المواصلات وتقنيّة التبريد بتوسيع رقعة التموين بالمنتجات الغذائية المعرضة للتلف وبينما دفعت اعتبارات النظافة وحاجات المناطق الحضريّة، بالزراعة والتربية الحضريّة بعيداً عن المراكز. مع أنّ البساتين أُقصيت إلاّ أنّه لم تختفي. فلقد تولّد عن النمو الحضري احتياجات جديدة مع توضع وسائل جديدة بتصرّف المزارعين من أدوات ووسائل نقل وحفظ المنتجات وتحويلها وحلقات تجارية تفتح أسواقاً جديدةً على مسافة قريبة وبعيدة في آن.

    3. الزراعة في وجه زحف التحضّر

    أدّى الزحف الحضري في العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين إلى تغيير أشكال الزراعة الحضريّة ودورها. غالباً ما زالت الزراعة في داخل المنطقة الحضريّة زوالاً كاملاً حيث تعذّرت عليها مقاومة الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي المخصصة للفرز وبالتالي بات من الأسهل ردم الثغرات في النسيج الحضري خاصةً وأنّ ممارسة الزراعة باتت صعبةً نظراً لازدياد حركة السير والطلب على الماء في المناطق المتاخمة والتغييرات التقنيّة التي تسمح باستيراد منتجات زراعيّة أساسيّة من أقطار بعيدة بسعر منخفض وقيام شبكات توزيع ضخمة بين المنتج والمستهلك. وما عادت الحدائق الحضريّة موجودة إلاّ كمساحات للتنزه أو كجزر محمية بفعل موقعها الجغرافي (جزيرة توتي عند ملتقي النيلين في الخرطوم) أوبطبيعة تربة لا يمكن زراعتها (كسارات قديمة الخ) أو بفعل رغبة السكان والتدابير التنظيميّة لحماية البنية المعمارية (مثلاً حدائق صنعاء).
    وقد واجهت الزراعة في داخل المنطقة الحضريّة وعين من الحالات: أولهما ناجم عن توسّع المدن مساحياً إلى محيطها وفرز الأراضي المزروعة المتاخمة لها بصورة تدريجيّة. ورغم الحظر المفروض هنا وهناك بهدف حماية أرض زراعيّة ثمينة، تعتبر هذه الأراضي الأكثر استقطاباً لأنّها تمتد على مساحة مسطحة يسهل بناؤها واستثمارها. وعليه أمست المدينة محاطةً أكثر فأكثر بأراضٍ زراعيّة ريفيّة ينتفي فيها تقليد التكامل مع المدينة. فقد زال الحزام من البساتين الذي كان يشكل همزة الوصل بين المدينة والريف بالمعنى الاشتقاقي للكلمة ما خلا الظروف التي نجحت فيها بترميم ذاتها للاحتفاظ بدورها كمصدر تموين للسلع الطازجة في الأسواق الحضريّة.

    ولكن في حالات عديدة، لم يكن البديل متوفّراً مثلاً في الواحات المحاطة بالبادية أو الصحاري. في المملكة العربيّة السعوديّة أو في البحرين تندثر الواحات القديمة لحرمانها من الماء وبفعل تخصيص المياه السطحيّة لتلبية حاجات التجمعات القريبة (القصيم) أو البعيدة منها. وبالتالي لا يتم التطور الزراعي الذي تُحفّز عليه السلطات في مساحات التقليد الريفي القديمة مثل الحسّا وإنما في الأحواض الترسبيّة الواسعة حيث اكتشقت أحواض ميائيةه جوفية عميقة وبعيداً عن أي تجمّع.

    الأمر سيّان بالنسبة إلى الغوطة في دمشق وحلب التي راحت ضحية الزحف المدني لا نتيجة تحويل المياه وحسب (مع أنّ الأخيرة بعد أن تعبر المدينة تصبح أقل وفرةً وأكثر تلوثاً) وإنما بفعل انتشار أحياء جديدة مثل جرمانة والتي غالباً ما تكون مخالفة للقانون (Hervé، 2000). أمّا الزراعة المستمرة في تلك المنطقة فهي مع وقف التنفيذ، فما عاد المزارعون يستثمرون وهم يتخلّون عن زراعة الأشجار لصالح البساتينة التي لا تتطلب استثماراً على المديين المتوسط والبعيد.

    على الشواطئ المناسبة للزراعة، التي تحوطها السهولة الخصبة، على ضيقها، يدخل التحضّر في منافسة مباشرة مع الزراعة وخاصةً الزراعة المرويّة الأكثر إنتاجية. فالمناطق الحضريّة تكتسح الأراضي الزراعيّة ماساوياً كما يظهر في حال مصر (Fanchette، 1997). إلى جانب الحسنات لجهة كلفة البناء، تكتسي الأراضي الزراعية السهليّة ميزة نظراً لسهولة إحيائها. يتسبب عن التمركز الحضري “بتصّلب” الساحل الذي تجتاحه أبنية الاسمنت كما يظهر في أناتوليا في تونس مروراً بلبنان من باب الاكتفاء بذكر الشواطئ الشرقيّة والجنوبيّة للبحر المتوسّط. في لبنان، لا يبقى من سهول الساحل الزراعية الخصبة سوى بعض الأراضي المهددة في حين تتسبب السياحة في تونس بزوال مزروعات البرتقال بين الحمامات ونابل (Chérif et Kassah، 1995). ولكنّ السياحة وإن كانت مصدر عائدات مربحة فهي عرضةً للتقلبات السياسيّة التي لا سلطان لبلد الاستقبال عليها.

    يبيّن المثل التونسي الاتجاهين بصورة مبالغة وكلاهما يتلاحم بهدف تعزيز الضغط الحضري على المناطق الساحليّة: الأوّل صادر عن داخل البلاد ويتمثّل بالهجرة الريفيّة باتجاه المناطق الأكثر ديناميكيّة والثاني مرتبط بدفق السيّاح الآتي من الخارج حيث تُؤدي انطلاقة السياحة إلى استقطاب المهاجرين من الداخل.

    كما يُمكن أن يتخذ غزو الأراضي الزراعيّة المحيطة للمناطق الحضريّة أشكالاً عنيفةً أو منحرفةً في مواجهة المزارعين عندما تجتاح المافيا مجال المضاربة العقاريّة. وهذا يبدو وكأنه محرّكٌ لالحرب في الجزائر في المناطق المحيطة بالمناطق الحضريّة مثل متيجة حيث تسعى الهرميّة العسكريّة إلى طرد السكان من منازلهم عبر السماح بكل صلافة أسر القرويين. كما يتجلّى دور النزاعات العقاريّة في النزاعات التي تمزّقت لبنان أو اليوم كورسيكا حيث يخضع دور الدولة في التنظيم العقاري إلى التحدي.

    بمعزل عن ضغوط هذه المجموعات الاجتماعيّة المتنافسة، تعاني هذه الزراعة المتخلّفة من تلوّث مياه الريّ وشبكة الصرف الصناعيّة أو المنزليّة الملوّثة والغازات المنبعثة من السيارات التي تسيء إلى نوعيّة المنتجات ونظافتها. وبفعل إحاطة النسيج الحضري لهذه المساحات المزروعة تُطرح مشكلة تصريف النفايات والمياه المبتذلة المشبعة بالمبيدات أو برواسب الأسمدة الطبيعيّة أو الكيميائيّة. تولد توترات مع المحيط والسلطات بشأن الحاجات المتضاربة المتصلة بسير المحرّكات الزراعيّة والحيوانات وحركة السيارات. وأخيراً، تصبح التربة نفسها وهي ضحيّة الترسبات ونقص المكوّنات الصغرى فقيرة حيث أنّ الأسمدة الكيميائيّة ليست قادرةً على إعادة إنتاج تركيبة التربة التي تفتقر إلى السماد. إذا تفتت التربة، تدهورت الأنظمة الزراعيّة المُعَوّقة أصلاً بفعل تجزئة الأراضي الزراعيّة الأمر الذي يشل أنظمة الري وطرق الاتصال ويعيق الدورة الزراعيّة.

    يتفتت المجتمع القروي بدوره ويفقد خصوصيّته. وهذا ما يتجلّى في المقام الأوّل من خلال الوسط الحضري الذي ينتمي إليه فيفقد تماسكه وتضامنه الذي يميّزه في وسط المجتمع الحضري. فكلّما زحفت المناطق الحضريّة وجد الريف نفسه غارقاً وسط سكان جدد تقاطروا من المدينة ليقيموا في الأراضي المفرزة الجديدة أو ريفيين أتوا من المقاطعات البعيدة ليقيموا في المدينة أو يذوب المجتمع الريفي الجموع الحضرية. وإذا نجحت الزراعة الريفيّة في الانتقال إلى مواقع أخرى، فسوف يمارسها ريفييون حقيقيّون ليس لهم تقليد انتماء أو حتّى تعاطي مع المجتمع الحضري (Lavergne، 1994).

    إن التعايش التقليدي بين المجتمع والزراعة الحضريّة المبنيّة على نظام تبادلا توازن نوعاً من الغلبة التقليدية التي تمارسها المدينة على القرية. فتنتقل الملكيّة العقاريّة إلى يد البورجوازيّة المدينيّة التي تسيطر في ما تسيطر عليه على تحويل السلع والإتجار بها؛ فتُفرض على الفلاحين مساحات استجمام ومناطق سكنيّة على حساب متطلباتها التقنيّة ومصالحها. وهكذا يصبح مزارعي الضواحي،محرومين من استقلاليتهم والرازحين تحت وطأة الديون، خاضعين كلياً لرغبات سكان المدن سواء في اختيار نشاطاتهم أو وتيرة عملهم.

    4. استعادة الزراعة الحضريّة

    رغم الاختناق التدريجي الناجم عن ضغوط التوسّع الحضري، تنجح بعض الزراعات في التحوّل لا بل تُجسّد ديناميكيّة جديدةً مبنيّةً على الاستجابة إلى حاجات جديدة تفضي إلى توازن جديد بين المدينة وبيئتها الريفيّة.
    في حالة أولى، يأتي تجدد الزراعة الحضريّة رداً على ضرورة معينة: في الأزمات مثل الحرب الأهليّة في بيروت أو المجاعات المرتبطة بالأزمات الاقتصاديّة في سائر أقطار العالم الثالث، يعمد السكّان إلى تحويل المساحات المهدومة أو المهجورة والمخصصة في الأساس لغايات أخرى (حدائق عامة، أرصفة، ورش بناء أو هدم) إلى بستان بقالة لغرض توفير معيشة ما عادت متوفّرة بالوسائل الطبيعيّة. يمكن أن يستمر هذا الظرف في بعض الحالات إلى أبعد من الأزمة التي أدت إلى ولادته ويمكن أن يصبح مصدر عائدات في حال عدم العودة إلى الاستعمالات البديلة للمساحة المحتلّة. هذا ما يُعرف بزراعة البقاء التي يُمارسها سكان المدن الذينيتحولون إلى مزارعين بفعل الظروف والذين باستطاعتهم أن يُطوّروا نشاطهم ضمن حدود معينة لدرجة تسويق نسبة منه على شكل مقايضة في الجوار أو تصريف في أسواق الحيّ.

    إذا بقيت أشكال الزراعة الحضريّة هذه استثنائيّةً يمكن أن تقارب الزراعة والتربية المنزليّة التي يُمارسها سكان الأرياف المنتقلين حديثاً إلى المدينة حيث يتابعون تربية الدواجن وزراعة حديقة صغيرة لا بل تربية قطيع حيواني للعائلة يضم أغناماً وبعض الأبقار.

    في مثل ثاني، تتحوّل الزراعة الحضريّة مجدداً تجاوباً مع معوقاتا جديدة ناتجة عن لضغط الحضري مع استغلال الفرص الجديدة التي توفّرها الأخيرة. وفي الواقع إذا لم يعد بإمكانع الزراعة الحضريّة في غلب الحالات أن تطمح إلى تزويد السكان بمنتجات أوليّة يمكنها أن تجد منتجات تسمح قيمتها المضافة بتحمل منافسةالمردود العقاري في حين لا تتطلب الكثير لناحية المساحة والمدخلات على أنواعها وتنجح في التكيّف مع بيئة حضريّة. فتتخصص بالتالي بمنتجات ذات مردود مرتفع ومخصصة لسوق حضري مليء (الأزهار وخصائص المطبخ)تؤمن منتجات نوعيّة وطازجة؛ وبأنماط زراعة تتطلّب يداً عاملةً مؤهلةً ومشاتل ومروج.

    4. 1 الزراعة الحضريّة في وجه انتشار المدن

    يشكل انتشار المدن الوجه الحالي المميّز لبناء المجمعات الحضريّة الكبرى؛ وهذه عمليّة معقدة على مستوى المساحة كما على مستوى الوظيفة والمجتمع (Lacour et Puissant، 1999). مرتبطة باندراج هذه التجمعات في الاقتصاد العالمي، تترافق هذه العملية مع أشكال محددة من التطور الحضري التي تؤثر في مصير الزراعة الحضريّة.
    يأتي الانتشار الحضري الخالي من الضوابط لهذه التجمعات على حساب فقدان بنيتها التقليديّة الواضحة المعالم والموزّعة هرمياً بصورة مركّزة حول قطب مركزي. فما عاد الامتداد الحضري يتم من قريب إلى قريب بل على طول محاور تواصل وحول أقطاب ثانوية تنتشر بحسب استراتيجيات الاستثمار ومقتضيات المساحة والنفاذ التي أوجدها زمن المركبات الآلية. إن هذه المجمعات التي تتحلل عليها السلطات الإدارية وتستبدل بأشكال مختلفة من “الحكمية الحضرية”، وتخلق معوقات أمام مخططات الإدارة الحضرية.

    في المساحة التي تعنينا، تمتد هذه المباني على طول السهول الساحليّة وأروقة السير. أمّا الأمثلة الأكثر تجسيداً لهذه العمليّة فتقع في المغرب حيث تميل الدار البيضاء إلى إقامة “خط ظهري أطلسي” شاسع على طول 200 كلم تقريباً بين الرباط والقنيطرة وتونس التي تخرج عن موقعها الأصلي متجهةً صوب الشمال نحو بنزرت وصوب الجنوب نحو مدن نابل والحمامات كما خليج الرأس الطيب. في المشرق، حاولت القاهرة ونجحت نسبياً في معالجة مشكلة نموّها عبر استحداث مدن جديدة في قلب الصحراء، ودمجها في نسيجها الحضري أقلّه في محور نشاطها وأقامت بعيداً عن أنظار المجموعة “مدناً مبوبة” مخصصة للمحظوظين (Hoda et Radwan، 2000). تتحوّل مراكز الدلتا الريفيّة إلى مدن منامة متوفّرة للشباب العاملين في القاهرة. ضمن شعاع 50 كلم حول القاهرة، يُحاصِر مجرى الأرض المرويّة فويُجزئه تحضّرٍ منفلتٍ يفرض تغيّر الممارسات أساليب طرق الإنتاجا الزراعيّة. تتكرر هذه الظاهرة في عمّان حيث لا تطال سوى أراضي الزراعات البعليّة وزراعات الحبوب أو شجر الزيتون والزراعات الأقلّ قيمةً (Lavergne، 1994). أمّا في بيروت فالحالة على مسافة متوسطة من المدّ الحضري المنبسط على بساتين مجاورة، وقدرة المزارعين على المقاومة والتكييف تدعمها حاجات زمن الحرب وغياب سلطة مركزيّة قويّة قادرة على فرض احترام التقسيم (Huybrechts، 2001). فسهل الدامور لا يزال يحتفظ بهكتاراته الثلاثمائة من الموز ولكن لكم من الوقت بعد؟

    لا يترك سعر الأراضي، في ظرف الجذب غير المسبوق للمجموعة الحضريّة، أكثر من حظوظ قليلةً لاستمرار النشاط الزراعي. ويبدو أنّ انتشار المدن يُجسّد انتصار الوظائف الحضريّة والوظائف التجاريّة والماليّة والقياديّة ووظائف القرار. بيد أنه بمنطق التمييز هذا، لا بل التفتيت الاجتماعي، تُفتح أمام الزراعة الحضريّة إمكانيات جديدة. فمن جهة يعبر الزبائن الأثرياء الجدد عن حاجات جديدة ومحددة تسمح قيمتها المضافة بإضفاء بحية على النشاط؛ ومن جهة أخرى، يزداد زبائن هذه المنتجات الفخمة (شتول، أزهار، فاكهة مثل الفراولة، الخ) خاصةً إذا أُضيف إليهم الزبائن من السيّاح. ومن جهة أخرى، تعطي الفوضى الظاهرة وهي في الواقع تخلّي السلطات عن سياسات التقسيم الصارمة وغالباً عن سياسات تخطيط النمو الحضري الخاضعة لقانون السوق، مرونةً جديدةً على اللاستخدام الزراعي للأراضي البينية التي تتكاثر بين محاور السير الكبرى والمناطق المرغوب بها لأغراض البناء (Vallut، 2000).

    وأخيراً عند الطرف الآخر من السلّم الاجتماعي، تبحث الطبقات الشعبيّة المحرومة من دعم المنتجات الأوليّة المستلزمة والتي تنضم إليها الطبقات الوسطى و التي هي في طور إفقار متسارع بفعل التضخم ووقف الأجور سياسات التقشف، عن عائدات إضافية عبر زراعة قطع أرض في مناطق بعيدة في حين يتم استخدام المصطبات والشرف لتربية الدواجن أو حتّى الخراف.

    وبفعل لعبة الانفتاح الاقتصادي، تجد المنتجات المحليّة نفسها في منافسة مباشرة مع الواردات التي غالباً ما تكون أقلّ كلفةً في الأساس في أنظمة دعم اقتصادي كما هي غالباً الحال في العالم العربي. تولّد هذه الأنظمة المبنيّة على الاستثمار النفطي وعلى عائدات الهجرة استثماراً مفرطاً في العقارات مما يؤدي إلى تطويق الأراضي الزراعيّة بمزارع المهاجرين التي تسيء بشكل كبير إلى الزراعة المحيطة بالمناطق الحضرية وقف انتاج الأراضي التي كانت حتّى الساعة منتجةً.

    ولكن نزعة الانخفاض في العائد النفطي والتوجّه نحو اقتصاديات أكثر إنتاجيّةً كالتي نشهدها حالياً قد يحفّزا عودة المستثمرين الحضريين ومزارعي الحقول الصغيرة إلى العودة إلى النشاط الزراعي نشاط أساسي أو تكميلي. ونجد الأمثلة منتشرة حتّى المملكة العربيّة السعوديّة في الخليج أو العراق حيث ينتشر حزام من البساتين ًيعتمد أحياناً تقنيات شديدة الحداثة (زراعات مائيّة حول دبي، Ladner، 1997) ليصدّر منتجاته إلى السوق الحضرية. ولكن يبدو الوضع متضارباً في هذا المجال أيضاً: فبساتين النخل القديمة في البحرين أو الباطنة في عمان تنتج مزروعات من الخضار والفاكهة معدّة لأسواق المنامة الحضريّة (Cazalot Le Morvan، 2003) أو مسقط ة. التحضّر وتملح المياه الجوفيّة بسبب الاستخراج المفرط لالمياه الجوفية يتهددان هذه الأراضي الشهيرة. وفي المقابل تحاط مدن الخليج الجديدة محاطة بحيازات تزرعها يد عاملة مهاجرة من شبه القارة الهندية ومرويّة بمياه بمحطات إعادة المعالجة.

    4. 2 الزراعة حضريّة جزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة

    بعيداً عن النواحي المرتبطة مباشرةً بالإنتاج الزراعي، يمكن للزراعة الحضريّة اليوم أن تُساهم في إدارة جديدة للمساحة والمجتمع الحضريين بالعودة إلى الممارسات القديمة في الغوطة والمدن المعششة في قلب الواحات. فإنه يمكن لزراعة في داخل المناطق الحضريّة أوالمحيطة لبها أن توفّر “واحات الخَضَار” هذه التي طالما بحث عنها سكان المدن. يمكن أن تُشكل منقٍ للغبار ومساحات هادئة يتوفّر فيها الهواء النقي على مسافة قريبة من قلب المدن المكتظة والملوّثة. يمكن للبستنة وللمحافظة على الحدائق أن تقيم ليس فقط في المنطقة التي تعنينا وإنما أيضاً في الدول المتطوّرة أيضاً أماكن يتعيّن المحافظة عليها (بستنة المستنقعات في السوم وبورج في فرنسا). وقد لحظ مخططو المدن “أحزمة خضراء” حول العديد من مدن العالم العربي (الخرطوم) لحماياتها من الهواء الرملي بشكل خاص وقد منع البناء على الأراضي الزراعيّة المجاورة (القاهرة، Wajih، 1994). ولكن نادراً ما اتعهذا التنظيم، لا بل تزحف مدن مصر صوب الأراضي الخصبة أكثر منه صوب رمال الصحراء رغم السياسات الإراديّة والمطبقة بكلفة عالية. أما الحزام الأخضر لالخرطوم فقد اجتاحه المهجرون والمحتلون الذين شيّدوا فيه أحياء تندمج تدريجياً في الخريطة الحضريّة (Hillet Mayo، Salama، Carton Kassala، Hillet Kocha…، Lavergne، 1999b، 1999c).
    يتُلازم انتشار المدينة ومنافسة مفرطة بين المدن الكبرى التي تسعى إلى اجتذاب المستثمرين المحليين أو الخارجيين وهذا يندرج ضمن إطار العولمة. ويخضع انتشار المدينة إلى سياسة حفاظ على البيئة وه ضمانة نوعيّة حياة، وإطار جاذب للفئات الميسورة وسلام اجتماعي لفئات السكان الأكثر فقراً. يمكن أن تُسهم الزراعة الحضريّة في هذه الهدف حيث أنها تتجه نحو عمليات إنتاج بالكاد تُزع الحياة الحضريّة وتوفّر مساحات استرخاء وبقع خضراء في الوسط الحضري أو في محيطه إلى جانب منتجات يطلبها سكان المدينة كما رأينا أعلاه.

    وعليه، يمكن لزراعة نقدر على وصفهابزراعة ترفيه أن تنمو في محيط بعض المدن العربيّة الكبرى. وهذه الزراعة هي صنيعة البورجوازيّة الجديدة التي ما زالت جذورها قريبة والتي تسعى من خلال المزرعة العائليّة المرممة أو في منزل ذي نمطه حضري تحوطه البساتين إلى تحقيق غاية جمالية وإنما أيضاً اقتصادية. تجمع هذه المقرات بين الرخاء بعيداً عن اكتظاظ المدينة ورفاهية المناطق الحضريّة وإمكانية الإفادة من ميزات المدينة. وقد يصبح مقرّ عطلة الأسبوع أحياناً مقراً رئيسياً عندما يتم تكييفه وتوصيله إلى شبكات النقل. وهكذا يصبح الريف محاطاً بمزارع /منازل كبيرة (فيلات) مزارع قد تضايق بفعل ملكيتها وتسييجها النشاط الزراعةي والرعي بيد أنّها تزوّد أسواق المناطق الحضريّة بمنتجات جديدة. وعليه، تعشش مزارع الأثرياء الأردنيين في الهضاب الريفيّة التي تطلّ على وادي الأردن في حين تقع مزارع بورجوازيّة القاهرة خلف أسيجة من الصنوبر والكينا التي تخفي “أإسباه” المنصورية…

    خلاصة

    أخيراً يمكننا أن نتساءل إذا كانت الزراعة الحضريّة لا تجد متنفسها،ً في منطقة التطوّر المتوسطة هذه كما هو العالم العربي، وفي ظل تداخل تدريجياً مع عالم ريفي يتسارع تحضّره ونتيجة التغيّرات التي تطرأ عليه ( من هجرة ريفيّة وتوجّه نحو زراعة تجاريّة لا بل تصديريّة) وبفعل إقبال سكان المنطقة الحضريّة الميسورة التي تبحث عن الاستجمام في الريف الذي بات اليوم متصلاً بصورة مباشرة مع المدينة وحيث يمكن نقل نمط العيش الحضري بصورة سهلة.
    يقوم هذا الريف المحيط للمنطقة الحضريّة حيث، على أطراف البادية تحلّ حقول الزيتون الحديثة المسيجة محلّ الحبوب أو مراعي قبائل البدو، بتفريغ منتجاته في السوق الحضري القريب. ولكن قرب المسافة ليس هو سبب نجاحه إلاّ بصورة غير مباشرة. فالريف لا يتطوّر إلاّ بفضل استثمارات ولّدتها قطاعات أخرى من الاقتصاد يُقدم عليها مصرفيون وكبار الضباط أو كبار الموظفين الذين يقدمون على عمليّة استثمار مباشرة وغالباً ما يعمدون إلى توظيف عمال زراعيين من أصل أجنبي. ويُعزى نجاحه أكثر إلى نوعيّة الحياة المتوفّرة للمالك منه إلى المسافة المختصرة بين مكان الإنتاج والاستهلاك.

    ولكن لا يجب أن ننسى استمرار نوع آخر من الزراعة والتربية الحضريّة التي تستجيب بالمقابل إلى الأزمة الحضريّة المرتبطة بولادة طبقات جديدة من المحظوظين. ففي الأحياء الشعبيّة فيوفر إنتاج الحليب وتربية الدواجن وزراعة الخضار جزءاً أساسياً من التوازن الغذائي لشرائح واسعة من السكان الفقراء ويؤدي دوراً أساسياً في دمج سكان من أصل ريفي في المدينة وقد هجّرتهم في غالب الأحيان الحرب أو إخفاقات سياسات التنمية. تعكس الزراعة الحضريّة وجهي المجتمعات العربيّة تزداد تناقضاً.

    المراجع

    Boissière T.,1999 Jardiniers et société citadine dans la vallée de l’Oronte en Syrie centrale, thèse de doc to rat, Université Lumière Lyon II.

    Boissière T. et Maréchaux P., 1995 « Les jardins urbains », dans Paul Bonnenfant (éd.), Sanaa, architecture domestique et société, Paris, CNRS éditions, p. 45-57.

    CEDEJ,1990 « Modes d’urbanisation en Égypte », in Egypte Monde arabe, n°1, Le Caire, CEDEJ.

    Chérif A. et Kassah A. (éd.),1995 L’eau et l’agriculture irriguée en Tunisie, faculté des lettres, Manouba, Tunis.

    Fanchette S.,1997 Le delta du Nil, densités de population et urbanisation des campagnes, Fascicule de recherche, n° 32, Tours, URBAMA.

    Franck A.,2000 Des vaches dans la ville, étude d’un quartier suburbain d’Omdourman, spécialisé dans l’élevage laitier, mémoire de maîtrise de géographie, université Paris IV.

    Hervé J.,2000 Jéromana, mémoire de maîtrise de géographie, université de Tours.

    Hoda E. et Radwan A.,2000 « Le schéma directeur de l’urbanisation du Grand Caire », Bulletin, n° 50, Le Caire, OUCC/CEDEJ, janvier.

    Huybrechts E.,1998 « L’occupation des sols de la côte libanaise », Lettre, n° 10, Beyrouth, ORBR/CERMOC.2001 « Les extensions urbaines de la région métropolitaine de Beyrouth », Lettre, n° 13, Bey routh, ORBR/CERMOC.

    Ireton F., 1988 « Du limon au béton : l’urbanisation spontanée à Bulaq et Dakrour », Bul le tin du CEDEJ n° 24, Le Caire, CEDEJ, p. 121-150.

    Lacour C. et Puissant S. (éd.), 1999 La métropolisation, croissance, diversité, fractures, Paris, éd. Anthropos.
    Ladner F., 1996 Ville et environnement en milieu aride : le cas de la région de Dubaï, mé moire de DEA de géographie, université de Tours.

    Lavergne M., 1994 « Autour du concept de “ville petite et moyenne” en Jordanie, quelques réflexions sur le passage du rural à l’urbain dans l’Orient arabe », Annales de géographie, n° 575, p. 5-28.

    1995 « L’urbanisation du Bassin méditerranéen, de l’atteinte aux terroirs agricoles à la protection du cadre de vie », introduction à Driss Ben Ali, A. Di Giulio, M. Lasram et M. Lavergne (dir.), Urbanisation et agriculture en Méditerranée : conflits et com plé men ta ri tés, Paris, L’Harmattan-CIHEAM, p. 17-37.

    Lavergne M.,1999a « Des émirs de la montagne à la reconstruction du centre-ville : disparités spatiales et littoralisation au Liban à l’ère de la mondialisation », in Méditerranée, n°1 -2, p. 35-44.

    1999b « De la cuvette du Haut-Nil aux faubourgs de Khartoum : les déplacés du Sud-Soudan », in Déplacés et réfugiés, la mobilité sous la contrainte, V. Lassailly-Jacob, J.Y. Marchal et A. Quesnel (dir.), Paris, éditions de l’IRD, p. 109-136.

    1999c « Khartoum, de la ville coloniale au projet islamiste », in Les grandes villes d’Afri que, Paris, éditions Ellipses, p. 124-138.
    Plan Bleu, 1996 Actes du séminaire « La prospective territoriale en Méditerranée et l’approche par acteurs », Plan d’action pour la Méditerranée, Plan Bleu/PNUE, Sophia Antipolis, 7-9 novembre.

    Troin J.-F., 1995 « Urbanisation et villes », dans Maghreb Moyen-Orient mutations, Paris, SEDES, p. 215-250.

    URBAMA, 1989 Le nomade, l’oasis et la ville, Fascicule de recherche, n° 20, Tours, URBAMA.

    1991 L’eau et la ville dans les pays du Bassin méditerranéen et de la mer Noire, Fascicule de recherche, n° 22, Tours, URBAMA.
    Vallat C., 2000 « L’urbanisation illégale dans les grandes villes méditerranéennes : consolidation d’une pratique informelle », in Les très grandes villes dans le monde, Pa ris, Dorier-Apprill, éditions du Temps, p. 105-132.

    Wajih A., 1994 « La croissance du bâti dans la région du Grand Caire », Bulletin, n° 37, juillet, Le Caire, OUCC/CEDEJ.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 18 2018, 14:51