منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    الشورى في الإسلام

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:13

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    الشورى في الإسلام

    الشيخ الدكتور: علي محمد الصلابي



    المبحث الأول: الشورى في القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي:

    إن الشورى قيمة إنسانية مارستها الشعوب والقبائل والأمم والجماعات البشرية على مر تاريخها الطويل كل بطريقته الخاصة سواء في سهول سيبريا، أو أدغال إفريقيا، أو صحراء الجزيرة العربية أو هضاب آسيا، أو مروج أوروبا أو غيرها إلا أن الإسلام أضاف لها بعداً تعبدياً وجعلها من القيم الإنسانية الإسلامية الرفيعة ورتب على العمل بها ثواباً وعلى تركها عقاباً.


    أولاً: الشورى في القرآن الكريم:
    1
    - في البدء كانت الشورى:

    اعتاد العلماء والكتاب حين يتحدثون عن الشورى وأدلتها الشرعية أن يركزوا على الآيتين الكريمتين من سورتي الشورى وآل عمران وهما فعلاً آيتـان مركـزيتان في الموضـوع سـآتي – بعون الله تعالى – على ذكرهما وبيانهما إلا أنني أجعلهما المنتهى وليسس المبتدى ([1]).

    وأبدا من قوله سبحانه : 'وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ' (البقرة, آية: ٣٠ – ٣٢).

    وهذه المحاورة تنطوي على نوع من المشاورة، مشاورة أريد لها أن تكون في بدء الخليقة لتكون هديا ملازماً لبني آدم منذ الخلق الأول، ([2])، وليكون كالاستشارة للملائكة وتكريماً لهم فيكون تعليماً في قالب تكريم وليسن الاستشارة في الأمور ولتنبيه الملائكة على مادق وما خفي من حكمة خلق ادم كذا ذكر المفسرون ([3]) فالشورى هي أول سنه اجتماعيه سنها الله لخلقه ولعباده ليقتدوا بها ويهتدوا بهداها كما يستفاد من هذا النازلة أن الشورى مسنونة حتى في القضايا المحسوسة والمعروفة، على أساس أن هذا النوع من أنواع الشورى له مقاصده وفوائده المذكورة أو المذكور بعضها، كالتعليم والتكريم ثم الحث على التأسي والتأدب ([4]).

    2- الشورى عند إبراهيم عليه السلام:

    قال تعالى:' فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ

    يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ'( الصافات: ١٠٢).

    فالمسألة محسومة معزومة ومع ذلك يقول إبراهيم لولده :'فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِن الصَّابِرِينَ '، فيجيب الولد' يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ'}الصافات: ١٠٢).

    وهذه الآيات تبين لنا بأنه لا يمنع العزم عن إنفاذ الرأي وظهور جوابه عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه فقال لابنه قال:' يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ...'([5]).

    إن من يعتاد المشاورة حتى فيما هو واضح جلي لا يمكن أن يتنكبها فيما هو غامض وخفي، فكون الشورى مسنونة ومحمودة ومفيدة في قضايا قطعية ومحسوسة، إنما هو إيذان بمدى ضرورتها ولزومها وأولويتها فيما تتعدد فيه الوجوده والإشكالات وتتضارب فيه الأنظار والاحتمالات([6]).

    3- الشورى العائلية:

    قال تعالى: 'وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا'(البقرة، آية : 232-223).

    في الآية الأولى، إذا وقع التفاهم والتراضي بين الزوجين المطلقين من أجل التراجع والمراجعة، واستئناف علاقتهما الزوجية، فلا يجوز للولي أن يمنع ذلك.

    وفي الآية الثانية، أن الرضاع المحدد في حولين كاملين يمكن تخفيض مدته، لكن على أن يتم الفطام بتشاور وتراضي لا أن يستبد به أحد الأبوين. وهذا يعني أن تدبير أمر الأولاد هو حق وواجب مشترك بين الوالدين، وأنه يجب أن يتم بالتراضي والتشاور، لاختيار أفضل ما يصلح للولد وينفعه مما هو ممكن.

    فكون المرأة هي التي تمارس الإرضاع، لا يخولها التفرد بقرار توقيفه أو تمديده، وكذلك الزوج، باعتباره صاحب القوامة والنفقة، لا يحق له الاستبداد بأمر أولاده، فالأم شريكة له في تدبير شؤونهم، فلابد أن يكون ذلك كله ناشئاً 'عن تراض منهما وتشاور ([7])'.

    وعلى هذا، فالقرارات المتعلقة بتعليم الأبناء الصغار، من حيث مكانه ونوعه ومدته، واستمراره وانقطاعه أو المتعلقة بصحتهم وبإقامتهم وسفرهم، وسائر انشطتهم، ما يقبل منها ومالا يقبل، وما يشجع منهما ومالا يشجع وكذلك المتعلقة بتوجيهم المهني أو بتزويجهم إذا كانوا متوقفين على التوجيه والمساعدة من آبائهم وأمهاتهم ..، كل هذا وغيره يحتاج إلى تدبير شورى مشترك بين الوالدين، أو بينهما وبين الولد نفسه إذا أصبح له تميز ونظر وتستحسن مشاورة الصغار أنفسهم لأجل تعليمهم وتدريبهم وتأديبهم بأدب المشاورة ([8]).

    وقد جاءت الأحاديث النبوية حاثة على استئمار البنات في شأن زواجهن والأحاديث في ذلك كثيرة، منها عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا ؟ قال : نعم تستأمر ([9]).

    4- حال التنازع والخصام:

    قال تعالى :'وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ '(النساء ، آية : ٣٥).

    فها هنا أمر ضمني بالشورى، فما دام هناك حكمان فلا يمكن أن يكون تقدير الحالة واعتماد الحل الممكن إلا شورى وائتماراً بينهما، ثم اتفاقاً وتراضيا على الحل والمخرج ([10]).

    5- رسول الله يحث زوجاته على مشاورة آبائهن وأمهاتهن، حين وقعت بينه وبينهن جفوة لكثرة ما كان يحرجنه به من طلبات النفقة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كنتن تردن الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا' (الأحزاب , آية: ٢٨ – ٢9).

    فقد عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر على نسائه، وخيرهن بما نصت عليه الآيتان وبدأ بعائشة رضي الله عنهما وقال لها. فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري ([11]) وفي رواية أحب أن لا تعجلي حتى تستشيري أبويك ... فقالت : أفيك يا رسول الله استشير أبوي، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ([12]).

    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])الشورى في معركة البناء د. أحمد الريسوني ص 15.

    ([2])المصدر نفسه ص 15.

    ([3])التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور ص 16.

    ([4])الشورى في معركة البناء د. أحمد الريسوني ص 16.

    ([5])سراج الملوك للطرطوشي ص 132.

    ([6])الشورى في معركة البناء ص 17.

    ([7])الشورى في معركة البناء ص 17 ، 18.

    ([8])الشورى في معركة البناء ص 19.

    ([9])الشورى في معركة البناء ص 19.

    ([10])الشورى في معركة البناء ص 19.

    ([11])البخاري، كتاب التفسير، سورة الأحزاب.

    ([12])صحيح مسلم، كتاب الطلاق.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:14


    ثانياً: الشورى في المجال العام في القرآن الكريم:

    إذا ثبتت الشورى ولزمت القضايا الخاصة والحياة الخاصة للفرد مع نفسه، وللفرد مع مثله من الأفراد وثبتت ولزمت للزوج مع زوجه والأب مع أبنائه، فكيف تكون ضرورتها وأولويتها في الشؤون العامة والقضايا الكبرى؟

    جواب ذلك وبيانه في آيتي الباب وعمدته ([1]).


    1- الآية الأولى 'وأمرهم شورى بينهم':

    وهي في سياق قوله تعالى: 'فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ َتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهم شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ' (الشورى, آية: ٣٦ – ٣٨).

    وهناك دلالات لطيفه لقيمه الشورى في الإسلام، في ضوء تفسير هذه الآية منها ما يلي:

    - فالآية وردت في سورة تحمل اسم الشورى وهي سورة الشورى وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى هو في حد ذاته تشريف لأمر الشورى وتنويه بأهميتها ومنزلتها.

    *- جاءت الشورى في هذه الآية وصفاً تقريرياً، ضمن صفات أساسية لجماعة المؤمنين المسلمين، فهم بعد إيمانهم متوكلون على ربهم، مجتنبون لكبائر الآثام والفواحش، مستجيبون لأمر ربهم، مقيمون لصلاتهم، وأمرهم شورى بينهم ويزكون أموالهم وينفقون منها في سبيل الله ([2]).

    *- وهي آية مكية مما يدل على أن الشورى في الإسلام ممارسة اجتماعية قبل أن تكون من الأحكام السلطانية.

    - وهي نصف حال المسلمين في كل زمان ومكان، فهي ليست طارئة ولا مرحلية، ولقد جعل الله سبحانه احترام الشورى من أثمن خصال المؤمنين وصفاتهم.

    - وهي تجعل جميع أمر المسلمين، فيما لم ينزل فيه وحي، شورى بينهم، فهي حق لهم جميعاً، إلا ما كان من شأن أهل العلم والتخصص فإن المؤمنين يحملهم إيمانهم أن يردوا ما أشكل عليهم إلى من يعلم كيف يستنبط الأحكام من النصوص ([3]).

    - وقد انتبه عدد من العلماء إلى وقوع هذه الآية الكريمة 'وأمرهم شورى بينهم'، كصفة من ضمن صفات تعدُّ من المقومات والأركان الأساسية في الدين وهو ما يعني أنها واحدة من تلك الفرائض والأركان وقال تعالى 'والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصَّلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون' يدل على جلالة موقع المشورة لذكره، لها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أنهم مأمورون بها ([4]).


    2- الآية الثانية : 'وشاورهم في الأمر':

    وقد وقعت خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سياق قوله تعالى: 'فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ' (آل عمران ، آية : ١٥٩).

    وهذه الآية جاءت خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته داعياً وهادياً، ومرشداً مربياً وأميراً قائداً، وهذا ما يقتضيه أن يكون رفيقاً بالناس متلطفاً معهم رحيما لهم عفواً، عنهم متسامحاً معهم، بل مستغفراً لهم في أخطائهم وذنوبهم ومستشيراً لهم مراعياً لآرائهم. وهذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم الله بمشاورة أصحابه هو أمر لكل من يقوم مقامة من الدعاة والقادة والأمراء، بل إن العلماء والمفسرين يعتبرون أن هؤلاء مأمورون من باب أولى وأحرى، فهم الأحوج إلى هذا الأمر وبفارق كبير جداً عن رسول الله.

    ومن هنا عُدّت هذه الآية قاعدة كبرى في الحكم والإمارة وعلاقة الحاكم بالمحكومين، فالشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين – وأهل التخصص في فنون العلوم – فعزله واجب وهذا ما لا خلاف فيه ([5]).

    --------------------------------------------------------------------------------
    ([1])الشورى في معركة البناء ص 20.

    ([2])المصدر نفسه ص 21.

    ([3])الشورى مراجعات في الفقه والسياسية د. أحمد الإمام ص 15.

    ([4])أحكام القرآن للجصاص ص 21.

    ([5])المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (3/397).
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:15


    ثالثاً: الشورى في عهد النبوة:

    إن السنة والسيرة النبوية مستفيضة بأمر الشورى، فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمور كثيرة منها ما يتعلق بشأن الدولة ومنها ما يتعلق ببعض الأمور الاجتماعية؛ كحادثة الأفك التي شاور فيها علياً وأسامة مشاورة خاصة ثم استثار الأمة بشكل عام ([1]).

    وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم للشورى نظاماً يحتذى، وسنة عملية تُتبع وعرف ذلك عنه أصحابه ومن ذلك:

    *- قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ([2]).
    - وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر وعمر: إن الناس ليزيدهم حرصاً على الإسلام أن يروا عليك زيّا حسناً من الدنيا فقال: وأيم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد، ما عصيتكما في مشورة أبداً ([3]).

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء فيأخذ به ([4]).

    وقد ثبتت مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابهّ في عدة أمور متباينة، منها:

    1- الشورى في يوم بدر:

    أ- مشاورته في الخروج للقتال:

    لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكة على قتال النبّي صلى الله عليه وسلم، استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر ([5])، وأبدى بعض الصحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربية مع قريش، حيث إنهم لم يتوقعوا المواجهة، ولم يستعدُّوا لها، وحاولوا إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صّور القرآن الكريم موقفهم وأحوال الفئة المؤمنة عموماً، في قوله تعالى: 'كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * ُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِوَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ' (الأنفال ، آية : ٥ – ٨).

    وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو ([6])، فقام أبوبكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى 'أذهب أنت وربك فقاتلا' 'المائدة، آية: 24'. ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسّره يعني : قوله ([7]) وفي رواية : قال المقداد: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: 'قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ '( المائدة ، آية : ٢٤) ولكن: أمض ونحن معك، فكأنه سُـَّري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ([8]).

    وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشيروا عليّ أيها الناس وكان إنّما يقصد الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية، لم تكن ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المدينة، وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ – وهو حامل لواء الأنصار – مقصد النبيَّ صلى الله عليه وسلم من ذلك، فنهض قائلاً : والله لكانَّك تريدنا يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : 'أجل' فقال: لقد آمنَّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله؛ لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنا لصُبُرُّ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك فسِر على بركة الله ([9]).

    وسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذ، ونشَّطه ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم : سيرُوا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم ([10]).

    كانت كلمات سعد مشجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبة لمشاعر الصحابة، فقد رفعت معنوياتهم وشجعتهم على القتال، إن حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات، يدل على تأكيد أهميّة الشورى في الحروب بالذات ذلك لأّن الحروب تقَّرر مصير الأمم، فإمَّا إلى العلياء، وإمّا تحت الغبراء ([11]).

    ب- مشورة الحُباب بن المنذر في بدر:

    بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم معلومات دقيقة عن قّوات قريش، سار مسرعاً ومعه أصحابه إلى بدر؛ ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه فنزل عند أدنى ماءٍ من مياه بدر، وهنا قام الحُباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنز لكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرَّأي، والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرّأي، والحرب، والمكيدة قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماءٍ من القوم – أي : جيش المشركين – فنزله، ونغوَّر – نخرَّب – ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه، ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدوَّ، فنزل عليه، ثمّ ضعوا الحِيَاض، وغوَّروا ما عداها من الآبار ([12]).

    وهذا يصَّور مثلاً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه حتى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، ثم حصول ما يترتبَّ على ذلك من غضب من تدَّني سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد، وتأخره في الرتبة، وتضرره في نفسه أو ماله إن هذه الحرية، التي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه مكنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد، والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحاً باهراً، وإن كان حديث السَّنَّ، لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرَّد، أو آراء عصبةٍ مهيمنة عليه، قد تنظر لمصالحها الخاصَّة، قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامةَّ، وإنما يفكرَّ بآراء جميع أفراد جنده وفد يحصل له الرأي السديد من أقلهَّم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فردٍ منهم والوصول برأيه إلى قائد جيشه([13]).

    ونلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في شخص الحُباب بن المنذر فجعلته يتأدب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم دون أن يُطلب رأيه، ليعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تَّم بعد السُّؤُال العظيم، الذي قدَّمه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرّأي، والحرب، والمكيدة؟

    إن هذا السُّؤال يوضح عظمة هذا الجوهر القياديَّ الفذَّ، الذي يعرف أين يتكلم ومتى يتكلمَّ بين يدي قائده، فإن كان الوحي هو الذي اختار هذا المنزل، فلأن يقدم، فتقطع عنقه أحبُّ إليه من أن يلفظ بكلمة واحدة وإن كان الرأي البشريُّ فلديه خطة جديدة كاملة بإستراتيجية جديدة.

    إن هذه النفسية الرّفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرّأي، وأدركت مفهوم السمَّع والطاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرّأي المعارض لرأي سيَّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

    وتبدو عظمة القيادة النبوية من استماعها للخطة الجديدة، وتبني الخطة المطروحة من جندي من جنودها، أو قائد من قّوادها ([14]).

    ج- مشاورته صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر:

    قال ابن عباس رضي الله عنه: فلمّا أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبيَّ الله؛ هم بنو العَّم، والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قّوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أرى الذي يراه أبو بكر ولكنيَّ أرى أن تُمَكِنَّا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكَّنٍ عليَّاً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنيَ من فلان 'نسيباً لعمر' فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر، وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت فلمَّا كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أيَّ شيء تبكي أنت وصاحبُك، فإن وجدت بكاءً، بكيت، وإن لم أجد بكاء، تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة. شجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عز وجلّ: 'مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ '(الأنفال ، آية: ٦٧-٦٨ )([15]).

    وهذه الآية تضع قاعدة هامَّة في بناء الدَّولة حينما تكون في مرحلة التكوين والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهر بمظهر اللَّين، حتى تُرْهب من قِتَلِ أعـدائها وفي سـبيل هـذه الكليـة يُطرح الاهتمام بالجزئيَّات – حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها([16]).

    وقد أفادت الرواية أن القول الذي أخذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم – هو الفدية – وكان رأي أبي بكر رضي الله عنه، وأوضحت الرواية أن أكثر الصحابة كانوا عليه ولذلك قال: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ في هذه النازلة برأي الأغلبية من أصحابه، ولذلك جاء اللوم عاماً من الله تعالى: 'لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ' ( الأنفال ، آية : ٦٧- ٦٩).

    في قوله ' تريدون' للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير معاتب، لأنه أخذ برأي الجمهور ([17])، وروي أن ذلك كان رغبة أكثرهم ([18])واللوم الذي وجهه الله تعالى للصحابة لم يكن بسبب الرأي الذي أشاروا به في حد ذاته ولكن بسبب الدافع الذي وراءه وهو الكسب الدنيوي الذاتي 'تريدون عرض الدنيا' ولذلك لا يدخل فيه منهم إلا من تحكمت هذه الرغبة في الرأي الذي أشار به ([19]).

    2- الشورى في غزوة أحد:

    بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم المعلومات الكاملة عن جيش كفّار قريش، جمع أصحابه رضي الله عنهم، وشاورهم في البقاء في المدينة والتحصُّن فيها، أو الخروج لملاقاة المشركين وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة، وقال: إنَّا في جُنَّة حصينة، فإن رأيتهم أن تقيموا، وتَدَعوُهم حيث نزلوا فإن أقاموا، أقاموا بشَّر مُقام، وإن دخلوا علينا، قاتلناهم فيها ([20]). وكان رأي عبدالله بن أبيَّ بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ([21]). إلا أنّ رجالاً من المسلمين ممَّن فاتتهم بدر قالوا : يا رسول الله؛ أخرج بنا إلى أعدائنا وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدوَّ، ولم يتناهو إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيه، ولو رضُو بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامّة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً، قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة ([22]).

    ولم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس ([23]) لامَتَهُ، فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتهم بغيره، فأذهب يا حمزة فقل لنبي صلى الله عليه وسلم : أمرنا لأمرك تَبَعُ، فأتى حمزة، فقال له : يا نبي الله : إن القوم تلاوموا فقالوا: أمرنا لأمرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّه ليس لنبيَّ إذا لبس لأمته أن يصنعها، حتى يقاتل ([24]).

    كان رأي من يرى الخروج إلى خارج المدينة مبنيَّاً على أمور منها:

    - أنَّ الأنصار قد تعاهدوا في بيعة العقبة الثانية، على نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أغلبهم يرى : أن المكوث داخل المدينة، تقاعس عن الوفاء بهذا العهد.

    - أن الأقلية من المهاجرين، كانت ترى : أنها أحق من الأنصار بالدّفاع عن المدينة، ومهاجمة قريش، وصدَّها عن زروع الأنصار.

    - أنّ الذين فاتتهم غزوة بدر كانوا يتحَّرقون شوقاً من أجل ملاقاة الأعداء؛ طمعاً في الحصول على الشهادة في سبيل الله.

    - أن الأكثرين كانوا يرون : أنَّ في محاصرة قريش للمدينة، ظفراً يجب ألا تحلم به، كما توقعوا: أنَّ وقت الحصار سيطول أمده، فيصبح المسلمون مهَّددين بقطع المؤن عنهم ([25]).

    أما رأي من يرى البقاء في المدينة فهو مبني على التخطيط الحربيَّ الآتي:

    - إنّ جيش مكة لم يكن موحَّدَ العناصر، وبذلك يستحيل على هذا الجيش البقاء زمناً طويلاً، إذ لابَّد من ظهور الخلاف بينهم، إن عاجلاً أو آجلاً.

    - إن مهاجمة المدن المصمَّمة على الدَّفاع عن حياضها، وقلاعها، وبيضتها أمر يعيد المنال، وخصوصاً إذا تشابه السَّلاح عند كِلا الجيشين، وقد كان يوم أحد متشابهاً.

    - إن المدافعين إذا كانوا بين أهليهم، فإنَّهم يستبسلوا في الدفاع عن أبنائهم وحماية نسائهم، وبناتهم، وأعراضهم.

    - مشاركة النساء والأبناء في القتال، وبذلك يتضاعف عدد المقاتلين استخدام المدافعين أسلحة لها أثر في صفوف الأعداء، مثل الأحجار وغيرها، وتكون إصابة المهاجمين في متناولهم ([26]) ومن الواضح: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، عوَّد أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم؛ حتىَّ ولو خالفت رأيه، فهو إنّما يشاورهم فيما لا نصَّ فيه، تعويداً لهم على التفكير في الأمور العامّة، ومعالجة مشكلات الأمّة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرّأي، ولم يحدث أن لام الرّسول صلى الله عليه وسلم أحداً، لأنه أخطأ في اجتهاده، ولم يوفَّق في رأيه، وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام، فلابَّد أن يُطبَّق الرسول صلى الله عليه وسلم التوجيه القرآني 'فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ' (آل عمران ، آية : ١٥٩) لتعتاد الأمة على ممارسة الشورى، وهنا يظهر الوعي السياسي عند الصحابة رضي الله عنهم فزعم أن لهم إبداء الرّأي، إلا أن ليس لهم فرضه على القائد فحسبهم أن يبينوا رأيهم ويتركوا للقائد حرية اختيار ما يترجَّح لديه من الآراء، فلمّا رأوا أنهم ألحوا في الخروج وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج بسبب إلحاحهم، عادوا فاعتذروا إليه، لكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علمّهم درساً آخر هو من صفات القيادة الناجحة، وهو عدم الترد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ، فإن ذلك يزعزع الثقة بها ويغرس الفوضى بين الأتباع ([27]).

    كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزم على الخروج، وقد أعلن حالة الطوارئ العامّة، وتجهزَّ الجميع للقتال، وأمضوا ليلتهم في حذر، كلُّ يصحب سلاحه، ولا يفارقه حتى عند نومه، وأمر صلى الله عليه وسلم بحراسة المدينة، واختار خمسين من أشّداء المسلمين ومحاربيهم بقيادة محمد بن مسلمة رضي الله عنه واهتم الصحابة بحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبات سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، في عدة من الصحابة رضي الله عنهم ليلة الجمعة، مُدَجّجين بالسَّلاح على باب المسجد يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم ([28]).

    ونستطيع أن نقول – إن قرار الخروج قد أدى إلى نصر مبين وسريع وهذا مفصل في كتب السيرة والحديث ثم دارت الدائرة بعد ذلك بسبب الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه فرقة الرماة الذين كانوا على موقع كبير من الأهمية والخطورة، فلما أخلوه انقلبت الأمور، وكل ذلك مفصل في كتابي عن غزوة أحد ([29]) فلا أطيل بسرده.

    3- الشورى في غزوة الأحزاب:

    أ- في حفر الخندق:

    تشاور الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في كيفية المواجهة للأحزاب وكان رأي سلمان الفارسي رضي الله عنه بأن يحفر خندقاً حول المدينة لمواجهة الأحزاب، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه وأمر بحفره واختار مكاناً مناسباً لذلك وهي السهول الواقعة شمال المدينة، إذ كانت هي الجهة الوحيدة المكشوفة أمام الأعداء، واقترن حفر الخندق بصعوبات جمّة، فقد كان الجو بارداً والريح شديدة، والحالة المعيشية صعبة بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الذي يتوقعونه في كل لحظة ويضاف إلى ذلك العمل المضني حيث كان الصحابة يحفرون بأيديهم وينقلون التراب على ظهورهم، ولاشك في هذا أن هذا الظرف – بطبيعة الحال – يحتاج إلى قدر كبير من الحزم والجد ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الظرف: يعلم أن هؤلاء الجند إنما هم بشر كغيرهم، لهم نفوسٌ بحاجة إلى الرّاحة من عناء العمل، كما أنها بحاجة إلى من يدخل السُّرور عليها حتى تنسى تلك الآلآم التي تعانيها فوق معاناة العمل الرئيسي ولهذا نجد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب:

    اللهم لولا أنت ما اهتدينا

    ولا تصدقنا وصَلَّينا

    فأنزل سكينة علينا

    وثبت الأقدام إن لاقينا

    إن الأُلى قد بغوا علينا

    وإن أرادوا فتنة أَبينا


    ثم يمد صوته بآخرها ([30]).

    وعن أنس رضي الله عنه: أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون يوم الخندق:

    نحن الذين بايعوا محمداً

    على الإسلام ما بقينا أبداً


    لقد كان لهذا التبسط، والمرح في ذلك الوقت أثره في التخفيف عن الصحابة ممّا يعانونه نتيجة للظروف الصعبة التي يعيشونها، وكما كان له أثره في بعث الهمّة والنشاط بإنجاز العمل الذي كُلفَّوا بإتمامه، قبل وصول عدوَّهم([31]) ولقد نال صحاب فكرة الخندق وساماً عظيماً بقي خالد على مّر الدهور لم يفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون، فقد قال المهاجرون يوم الخندق سلمان منّا، وقالت الأنصار: سلمان منَّا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت ([32]). وهذا الوسام النبوي الخالد لسلمان يشعر بأن سلمان من المهاجرين؛ لأنَّ أهل البيت من المهاجرين ([33]).

    ب- الشورى في محاولة الصلح مع غطفان:

    حاول النبي صلى الله عليه وسلم تخفيف حدّة حصار الأحزاب للمدينة بعقد صلح مع غطفان بالذات لمصالحتها على مال يدفعه إليها على أن تترك محاربته، وترجع إلى بلادها فهو يعلم صلى الله عليه وسلم: أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك من هذا الغزو أيَّ هدف سياسي يريدون تحقيقه أو باعث عقائدي يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأوّل والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها، ولهذا لم يحاول الرّسول صلى الله عليه وسلم الاتصال بقيادة الأحزاب من اليهود، كحيي بن أخطب وكنانه بن الربيع أو قادة قريش كأبي سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرّئيسي لم يكن المال، وإنما كان هدفهم هدفاً سياسيّاً، وعقائديا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامي من الأساس، لذا فقد كان اتصاله 'فقط' بقادة عطفان الذين 'فعلاً' لم يتردَّدوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ([34]). فقد استجاب القائدان الغطفانيان 'عيينه بن حصن، والحارث بن عوف' لطلب النبي صلى الله عليه وسلم، وحضرا مع بعض أعوانهما إلى مقرَّ قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفاوضتهم وكانت تدور حول عرض تقدم به رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه، وبين غطفان، وأهمُّ البنود التي جاءت في هذه الاتفاقية المقترحة.

    *- عقد صلح منفرد بين المسلمين وغطفان الموجودين ضمن جيوش الأحزاب.

    - توادع غطفان المسلمين، وتتوقف عن القيام بأيَّ عمل حربيَّ ضدهم.

    - يدفع المسلمون لغطفان 'مقابل ذلك' ثلث ثمار المدينة كلَّها من مختلف الأنواع.

    وقبل عقد الصلح مع غطفان شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة في هذا الأمر، فكان رأيهم عدم إعطاء غطفان شيئاً من ثمار المدينة، وقال السَّعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة؛ يا رسول الله؛ أمراً تحبه، فتضعه أم شيئاً أمرك الله به لابدَّ لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ فقال : بل شيءٌ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنَّي رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم – أي: اشتدوا عليكم – من كلَّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله، قد كنَّا وهؤلاء على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرىً – أي : الطَّعام الذي يُضع للضيف – أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك، وبه، نعطيهم أموالنا؟ مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السَّيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.
    فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليَجْهدوا ([35]) علينا كان رد زعيمي الأنصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في غاية الاستسلام لله تعالى، والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان ثلاثة أقسام.

    الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى، فلا مجال لإبداء الرّأي بل، لابدَّ من التسليم، والرَّضا.

    الثاني: أن يكون شيئاً يحبُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره رأيه الخاص، فرأيه مقدَّمُ وله الطاعة في ذلك.

    الثالث: أن يكون شيئاً عمله الرّسول صلى الله عليه وسلم لمصلحة المسلمين من باب الإرفاق بهم، فهذا هو الذي يكون مجالاً للرّأي.

    ولما تبين للسعدين من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم : أنه أراد

    القسم الثالث: أجاب سعد بن معاذ بجواب قويَّ، كبت به زعيمي غطفان، حيث بيَّن أن الأنصار لم يذلُّوا لأولئك المعتدين في الجاهلية، فكيف وقد أعزَّهم الله تعالى بالإسلام؟ وقد أعُجب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بجواب سعد، وتبَّين له منه، إرتفاع معنويّة الأنصار، واحتفاظهم بالرّوح المعنويّة العالية فألغى بذلك ما بدأ من الصُّلح مع غطفان ([36]).

    وفي قوله صلى الله عليه وسلم: إني قد علمت : أنّ العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ([37]).

    دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستهدف من عمله ألا يجتمع الأعداء عليه صفاً واحداً، وهذا يرشد المسلمين إلى عدّة أمور منها:

    - أن يحاول المسلمون التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.

    - أن يكون الهدف الاستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده، ولا تنسى القيادة الفتوى، والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام ([38]).

    وفي استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصَّحابة يتبين لنا أسلوبه في القيادة، وحرصه على فرض الشورى في كلَّ أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى، ولا ينفرد به فرد حتىّ ولو كان هذا الفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد، ولم ينزل به وحي ([39]) إن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة، حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه، ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعي فيها المصالح والمفاسد حسب ما تراه القيادة الرشيدة ([40]) للشعوب.

    ففي هذه النازلة نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد فكر ودبر، وهيأ حلاً يخفف به محنة المسلمين، وفاوض وانتهى إلى اتفاق أولي مع زعماء غطفان لكنه، قبل إمضائه وتنفيذه، عرضه للشورى، وانتهى به الأمر إلى التخلي عن رأيه وتدبيره، والأخذ برأي مستشاريه الذين يمثلون جمهور المسلمين من أهل المدينة ([41]).

    4- الشورى في صلح الحديبية:

    استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى البيت معتمرين، فإن صدتهم قريش قاتلوهم فأشاروا بالخروج وفرحوا بمقدمهم على البيت، ولكن الله تعالى أراد ما هو خير لهم فجرت مفاوضات طويلة حتى كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يمثلهم سهيل بن عمرو وكان ذلك في صالح المسلمين وجعل الله لهم من دونه فتحاً قريباً، ولعل الصحابة رضوان الله عليهم تأثروا بصد قريش لهم ثم الصلح معهم على أن يرجعوا هذا العام ويأتوا العام القادم في عمرة القضاء ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية كتابة الصَّلح قال لأصحابه : قوموا، فانحروا ثمّ احلقوا.. حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمَّا لم يقم منهم أحد؛ دخل على أمَّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحبُّ ذلك؟

    أخرج، ثم لا تكلَّم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدُنك، وتدعو حالقك فيحلقك فخرج، فلم يكلَّم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه، ودعا حالقه، فلمَّا رأوا ذلك؛ قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غما وقد حلق رجال يوم الحديبية، وقصَّر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله المحلقين. قالوا : والمقصَّرين يا رسول الله ؟ قال: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصَّرين يا رسول الله؟ قال : يرحم الله المحلقين. قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال والمقصرين ([42]).

    فقد كان رأي أمّ سلمة سديداً، ومباركاً؛ حيث فهمت رضي الله عنها عن الصحابة: أنه وقع في أنفسهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتَّحلل أخذاً بالرُّخصة في حقهم، وأنه يستمُّر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللَّ لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به، ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به، فلم يبق بعد ذلك غاية تُنتظر، فكان ذلك رأيا سديداً، ومشورة مبـاركة وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة ما دامت ذات فكرة صائبة، ورأي سديد ([43])، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل، أو امرأة ما دامت مشورة صائبة، وهذا عين التكرين للمرأة التي يزعم أعداء الإسلام : أنه غمطها حقَّها وتجاهل وجودها، وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل، ويعمل النبي صلى الله عليه وسلم بمشورتها لحل مشكلة اصطدم بها، وأغضبته ([44])؟
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:16



    5- الشورى في غزوة تبوك:

    مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشورى، وقبل مشورة الصديق، والفاروق في بعض النَّوازل التي حدثت في هذه الغزوة ومن هذه النوازل .

    أ- قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدّعاء:

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، وأصابنا فيه عطشٌ، حتى ظننَّا: أن رقابنا ستنقطع؛ حتى إنّ الرَّجل لينحر بعيره، فيعتصر فرْثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عوّدك في الدعاء خيراً، فادع الله، قال : أتحبُّ ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه، فلم يردّهما حتى حالت السماء، فأظلتَّ ثم سكبت فملؤ ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ([45]).

    ب- قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل:

    أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم حتى يسدُّوا جَوْعتهم، فلمَّا أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، جاءه عمر رضي الله عنه، فأبدى مشورته في هذه المسألة وهي: أن الجند إن فعلوا ذلك نفذت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطّويل ثم ذكر رضي الله عنه حلاً لهذه المعضلة، وهو: جمع أزواد القوم، ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل صلى الله عليه وسلم بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقيّة من هذا الطعام، بعد أن ملؤوا أوعيتهم منه، وأكلوا حتى شبعوا ([46]).

    ج- قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود الشَّام والعودة إلى المدينة :

    عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تبوك، وجد أنَّ الروم فرُّوا خوفاً من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام، فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يرجع بالجيش إلى المدينة، وعللَّ رأيه بقوله: إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام ولقد كانت مشورة مباركة، فإنَّ القتال داخل بلاد الرومان يُعد أمراً صعباً؛ إذ إنَّه يتطلبَّ تكتيكاً خاصّاً، لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن، بالإضافة إلى أن عدد الرُّومان في الشام يقرب من مئتين وخمسين ألفاً، ولاشك في أنَّ تجمع هذا العدد الكبير في تحصُّنه داخل المدن يعرَّض جيش المسلمين للخطر ([47]) إن ممارسة الشورى في حياة الأمة في جميع شؤونها السياسية والعسكرية والاجتماعية، منهج تربوي كريم، سار عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته ([48]).

    وتتضح قواعد الشورى النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في أمور جليلة أظهرها:

    - إتباع الصواب من الرأي الفني، كما حدث في بدر بغض النظر عن الأكثرية حيث نزل على رأي الحباب ابن المنذر؛ بل هو الرأي والحرب والمكيدة' والحباب يمثل أهل الخبرة والاختصاص وأهل الذكر([49]).

    الأخذ برأي الأكثرية عند ترجيح المواقف:

    كما في يوم أحد ،وان خالف رأيهم القيادة وعليه إذا كانت الشورى في الأمور التشريعية فالحجة لقوة الدليل، وإذا كانت الشورى في الأمور الفنية فالحجة لأهل الخبرة والاختصاص، أما في طلب الرأي الذي يرشد إلى القيام بعمل من الأعمال الكبيرة، كانتخاب رئيس، أو والٍ، أو إقرار مشروع فيرجح رأي الأكثرية لأن الكثرة يحصل بها الترجيح وهكذا تقدم لنا السيرة النبوية معالم أساسيه لفقه الشورى كأمر رباني ،وسنة نبوية،وقيمة أخلاقيه، وحكمه بالغة في سياسة الأمة وإدارة أمور الدولة وهى ملزمة للحاكم ومفتوحة للمشاركة ولأهل الخبرة الفنية وأهل الاختصاص مكانة خاصة في الشورى وتمتد قيمه الشورى إلى سائر ضروب النشاط الإنساني وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزم الشورى ابتداءً وانتهاءً ([50]).

    وما ذكرناه من السيرة النبوية غيض من فيض، وقليل من كثير.


    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])فقه الشورى للغامدي ص 121.

    ([2])الشورى د. أحمد الإمام ص 21 سنن الترمذي رقم 1636.

    ([3])فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/341).

    ([4])الشورى د. أحمد الإمام ص 201.

    ([5])البخاري، ك المغازي رقم 3952.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:17


    رابعاً: الشورى في عهد الصديق:

    كانت الشورى مكثفة في هذه المرحلة، وكانت تشمل عظائم الأمور وصغارها، من قضايا الأمة في السلم والحرب، والخلافة والتشريعات العامة، إلى نوازل الأفراد في زواجهم وطلاقهم وميراثهم، ومنازعتهم حول البئر والنخلة، والناقة، وأهم شيء في هذه المشاورات المكثفة هو أنها كانت تحقق جوهرها ومقصودها على أكمل الوجوه، ثم لا يُلتْفتُ كثيراً لما سوى ذلك، ويمكن أن نلخص طبيعة مشاوراتهم بعبارة : الشورى بمقاصدها لا بشكلياتها، فلم يكن عندهم كبير التفات إلى من استشير ومن لم يُستشر، وإلى من حضر ومن غاب، إذا كان الذين استشيروا أهلاً لتلك المشورة، وكان من غاب عنها لا يضر غيابه، ولم يُقصد تغييبه ولم يكن عندهم كبير التفات إلى عدد المستشارين في القضية، وهل هم آحاد، أو عشرات أو مئات، إذا كان من استشيروا يقومون مقام غيرهم ويعبرون بصدق عن آرائهم ومصالحهم.



    ولم يكن عندهم كبير التفات وتدقيق في عدد الذين أيدوا والذين عارضوا، إذا ظهر بوضوح التوجه العام الغالب في المسألة أو حصل فيها نوع من التراضي والتطاوع والتسامح وإذا خالفهم أحد منهم ثم رأوا في لهجته صدقاً وفي حجته قوة ووثوقاً، لم يلبسوا أن يضعوا ثقتهم في صدقة وعلمه وما يعرفونه من خبرته وحسن تقديره، فينقلب رأي الواحد المنفرد إلى إجماع أو شبه إجماع.

    وكانت المشاورات تتم في جو من الحرية والأمن والجرأة؛ فلا أحد يحابي أحداً ولا أحد يخادع أحداً ولا أحد يخاف من أحد، ولا أحد يطمع في أحد.



    في هذه الأجواء، وبهذه السمات لم تكن شوراهم بحاجة إلى قوانين معضلة وإلى ضوابط مدققة، ولا إلى ضمانات واحتياطات، فالتعقيد التنظيمي حين لا يكون ضرورياً يصبح عبثاً وعائقاً، أو على الأقل، قد تكون كلفته أكثر من فائدته لقد كانت الشورى في التجربة الإسلامية الأولى خفيفة في تنظيمها وطرق إجرائها، ولكنها كانت ثقيلة بجديتها وأخلاقيتها ([1]) وإليك بعض ملامح وسمات التجربة الشورية في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:



    1- بيعة الصديق:

    لما علم الصَّحابة – رضي الله عنهم – بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنَّة الحادية عشر للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده ([2])، والتفَّ الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عباده – رضي الله عنه – ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصَّدَّيق – رضي الله عنه – لترشيح من يتولى الخلافة ([3])، قال المهاجرون لبعضهم : انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإنَّ لهم في هذا الحقَّ نصيباً، قال عمر رضي الله عنه - : فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينّهم ([4])، فانطلقنا حتَّى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمَّلُ بين ظهرانيهم فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ قالوا: يُوعك. فلّما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم – معشر المهاجرين – رهط، وقد دفَّت دافة من قومكم ([5])، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا ([6])من الأمر فلما سكت أردت أن أتكَّلم – وكنت قد زوَّرت ([7])مقالة أعجبتني أريد أن أقدَّمها بين يدي أبي بكر – وكنت أداري منه بعض الحدَّه، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك فكرهت أن أغضبه، فتكلَّم أبو بكر، فكان هو أحلم منَّي وأوقر، والله ما ترك كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلاَّ قال في بديهته مثلها؛ أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتكم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيَّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً، وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين فبايعوا أيَّهما شئتم، فأخذ بيدي، ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، والله أن أقدَّم فتضرب عنقي لا يُقربني ذلك من إثم أحبُّ إليَّ من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر؛ اللهَّم إلا أن تُسَوَّل إلى نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.

    فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكَّك وعُذيقُها المرجَّب ([8])، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللَّغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت : ابسط يدك يا أبو بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرين، ثمَّ بايعته الأنصار([9]).

    وفي رواية ... فتكلم أبو بكر – رضي الله عنه – فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد ([10]) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لِبَرَّهم وفاجرهم الناس تبعٌ لفاجرهم، قال: فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء ([11]).



    ونلاحظ مجموعة من الدروس والفوائد والعبر منها:

    أ- الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:

    استطاع أبوبكر الصديق أن يدخل إلى نفوس الأنصار، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه : إنصاف المخالف وامتصاص غضبه، وانتزاع بواعث الأثرة والأنانيةّ في نفسه، ليكون مهيَّأ لقبول الحق إذا تبيَّن له، وقد كان في هدي النبيَّ صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصَّل أبوبكر من ذلك إلى أنّ فضلهم وإنه كان كبيراً لا يعني أحقيتهم في الخلافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أنَّ المهاجرين من قريش هم المقَدَّمون في هذا الأمر([12]).



    واستدل أبوبكر على أنَّ أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالأنصار خيراً، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، واحتجَّ أبوبكر على الأنصار بقوله: إن الله سمَّاكم 'المفلحين' إشارة إلى قوله تعالى :' لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ' (الحشر, آية: ٨ - ٩ (وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا، فقال :' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ' (التوبة, آية: ١١٩).



    إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه ([13])وبين الصديق في خطابه أنّ مؤهَّلات القوم الذين يرشحَّون للخلافة أن يكونوا ممّن يدين لهم العرب بالسَّيادة، وتستقرُّ بهم الأمور حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولَّى غيرهم، وأبان: أن العرب لا يعترفون بالسَّيادة إلا للمسلمين من قريش؛ لكونه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولما استقر في أذهان العرب في تعظيمهم واحترامهم وبهذه الكلمات النيَّرة التي قالها الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنوداً مخلصين، كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك توحَّد صفُّ المسلمين ([14]).



    ب- حرص الجميع على وحدة الأمة:

    إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية، واستعدادهم المستمر للتَّضحية في سبيلها، فما أطمأنُّوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر، الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممَّن خالفوا المنهج العلمي والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدّى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعم البعض ([15])، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة، وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر، ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها؟ لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها ([16]).

    فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدَّين، وأنَّه لم يتخلَّف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من المسلمين، وأن أخّوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيُّلات الذين سطَّروا الخلاف بينهم في رواياتهم المغرضة ([17]).

    ولقد بايع سعد بن عبادة سيد الأنصار في حينه أبا بكر الصديق بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة ونزل عن مقامه الأوّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصديق بالخلافة وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أوّل من بايع الصديق في اجتماع السقيفة ([18]).

    ولقد جرت المشاورة بشأن اختيار خليفة للمسلمين بين الأفراد والمجموعات الصغيرة، وجرت فيما بين الأنصار وجرت فيما بين المهاجرين، ثم التأم الجميع في سقيفة بني ساعدة وجرت المشاروة الكبرى والنقاش العام بين المهاجرين والأنصار – في مسجد الرسول الكريم بعد ذلك – وأسفر ذلك كله عن مبايعة أبي بكر الصديق ([19]).

    وإن الباحث ليلمس عظمة تربية رسول الله لأصحابه ونضجهم السياسي الكبير فمّما لاشك فيه أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان حدث جلل، وترك فراغاً عظيماً في الأمة ومع هذا استطاع أهل الحل والعقد أن يتجاوز تلك المحنة الكبرى بوعي وفقه، وتقدير للأمور على أسس رشيدة انعدم نظيرها في تاريخ البشرية.

    لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصَّعب الذي نشأ عن انتقال الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة، وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسللّ إلى أركان البناء الذي شيدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم.



    ج- منصب الخلافة والخليفة:

    اختارت الأمة منصب الخلافة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوباً للحكم، تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمّة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ([20]).

    ولما كانت الخلافة نظام حكم المسلمين، فقد استمَّدت أصولها من دستور المسلمين، من القرآن الكريم، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ([21])، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما – أصلاً – قد أشير إليهما في القرآن الكريم ([22])، ومنصب الخلافة أحياناً يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمّة، ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدّعوة الإسلامية، وعلى حماية الدين، والأمة بالجهاد، وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس، ورفع المظالم، وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد.



    وقد أطلق المسلمون هذه الألقاب: الخليفة، الإمام، أمير المؤمنين في تاريخهم السياسي وهذه ليست من الأمور التعبدية، وإنما هي مصطلحات وجدت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واصطلح الناس عليها، وقد أطلق المسلمون غير هذه الألقاب في وقت لاحق، كلقب الأمير، كما كان الحال في الأندلس، وكذلك لقب السلطان، كما تسمى بذلك الحكام في التاريخ الإسلامي، لقباً من هذه الألقاب، إذ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين للتشريع الإسلامي عقيدة وشريعة، بغض النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس سواء كان لقبه الخليفة أم أمير المؤمنين أم رئيس الدولة أم رئيس الجمهورية، فيمكن إطلاق أحد هذه الألقاب أو غيرها وهذا يرجع إلى ما يتعارف عليه الناس ([23]).



    س- مجموعة من المبادئ السياسية من سقيفة بني ساعدة:

    أفرز ما دار في سقيفه بني ساعدة مجموعة من المبادئ : منها أن قيادة الأمّة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينا، والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة تّم وفق مقومات إسلامية وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبيَّة، أو القبلية وأن إثارة 'قريش' في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيءٍ مشابه مالم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأنَّ الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب، ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنُّصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية ([24]) ومن الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية من حادثة السقيفة.

    - أوَّل ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن نظام الحكم ودستور الدولة يقَّرر بالشورى الحرّة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محلَّ إجماع وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى أي أن هذا الإجماع كشف وأكّد أوّل أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام، وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستورئَّ تقرَّر بالإجماع بعد وفاة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييداً، وتطبيقاً لنصوص الكتاب، والسُّنَّة التي أوجبت الشورى.

    - تقرر يوم السقيفة أيضاً: أن اختيار رئيس الدولة، أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتمَّ بالشورى أي البيعة الحّرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمَّنها عقد البيعة الاختيارية الحّرة – الدستور في النظم المعاصرة – وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقّرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.

    - تطبيقاً للمبدأين السابقين، قرّر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر، ليكون الخليفة الأوَّل للدولـة الإسـلامية ([25]).

    ثم إن هذا الترشيح لم يصحَّ نهائياً إلا بعد أن تَّمت له البيعة العامة، أي : موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه ([26]).



    ع- البيعة العامة:

    بعد أن تمَّت بيعة أبي بكر – رضي الله عنه – البيعة الخاصَّة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه – في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر، وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة، ومما قاله عمر في حق أبي بكر : ... وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به، هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال : أما بعد أيُّها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت؛ فأعينوني، وإن أسأت فقوَّموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويُّ عندي حتى أرُجع عليه حقه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهَّم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله، ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله ([27]).

    وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرَّر الصديق فيها قواعد، العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركَّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمّة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد ([28]).
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:18



    2- الشورى في قتال مانعي الزكاة والمرتدين:

    لما كانت الرّدة؛ قام أبو بكر – رضي الله عنه في الناس خطيباً فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال : الحمد الله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم والعلم شريد والإسلام غريب طريد، قد رثَّ حبله، وخِلق ثوبه وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب، فلا يعطيهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشَّر عندهم، وقد غيرَّوا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون : أنهّم في منعة من الله، لا يعبدونه، ولا يدعونه فأجهدهم عيشاً وأظلهم ديناً، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السَّحاب، فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى ونصرهم بمن اتَّبعهم ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيَّه، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم: 'وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ

    انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ' ( عمران, آية: ١٤٤).

    إنَّ من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم، وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم – وإن رجعوا إليه – أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما تقدم من بركة نبيَّكم وقد وكَّلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلا فأغناه : 'وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ' ( آل عمران, آية: ١٠٣).

    والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده ويُقتل من قتل منا شهيداً من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته، وذريته في أرضه، قضاء الله الحق وقوله الذي لا خلف له:

    ' وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ

    الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ '( النور, آية: ٥٥). ([29]) وقد أشار بعض الصحابة، ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكّون، فامتنع الصَّديَّق عن ذلك وأباه ([30]).

    فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر – قد تولى الخلافة – وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه – كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا إلا إله إلا الله، فمن قالها، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقَّه، وحسابه على الله، فقال: والله؛ لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة حقُّ المال، والله لو منعني عَناقاً ([31]) كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله؛ لقاتلتهم على منعها. وفي رواية : والله لو منعوني عِقالا ([32])، كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت : أنه الحق ([33])، ثمَّ قال عمر بعد ذلك: والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمَّة جميعاً في قتال أهل الردَّة ([34])، وبذلك يكون أبوبكر قد كشف لعمر – وهو يناقشه – عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه، وهي أن جمّلة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدّليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها؛ عصموا منيَّ دماءهم، وأموالهم إلا بحقَّها ([35]). وفعلاً كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين راياً مسدداً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل، والضيَّاع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله، ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ، وتحّولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهليَّة تعيث في الأرض فساداً ([36]).

    لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام وشدّة غيرته على هذا الدين، وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيَّه في الكلمة التي فاض بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة، وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة إلى بيت المال أو منعوها مطلقاً، وأنكروا فرضيتَّها : قد انقطع الوحي، وتمَّ الدين أينقص وأنا حيُّ؟ ([37]).

    وفي رواية : قال عمر: فقلت: يا خليفة رسول الله تألَّف الناس فأرفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية خّوار في الإسلام قد انقطع الوحي، وتَّم الدَّين أينقص وأنا ([38]) حيُّ ؟ لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصَّحابة في حرب المرتدَّين، وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح إلا أنَّه كان سريع القرار، حاسم الرأي، فلم يتردَّد لحظة بعد ظهور الصَّواب له، وعدم التردُّد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر هذا الخليفة العظيم – في حياته كلَّها، ولقد اقتنع المسلمون بصحَّة رأيه، ورجعوا إلى قوله، واستصوبوه لقد كان أبو بكر – رضي الله عنه – أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة ([39])، والمفاجأة المذهلة.



    3- الشورى في جمع القرآن:

    كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظه القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبوبكر – رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله – بجمع القرآن حيث جمع من الرَّقاع، والعظام، والسَّعف، ومن صدور الرَّجال ([40])، وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصَّحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري – رضي الله عنه – يروي زيد بن ثابت فيقول: بعث إليَّ أبو بكر – لمقتل أهل اليمامة ([41])، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه - : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد ([42])استحَّر يوم القيامة بقرَّاء القرآن وإنيَّ أخشى أن يستحَّر القتل بالقرَّاء في المواطن ([43])، كلهَّا فيذهب كثير من القرآن وإنيَّ أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ([44]) فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبوبكر : وإنك رجل شاب عاقل لا نتهَّمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبَّع القرآن، فاجمعه. قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ ممَّا كلفني به من جمع القرآن؛ فتتبعت القرآن من العَسَب ([45]) واللَّخاف ([46]) وصدور الرَّجال، والرَّقاع، والأكتاف ([47]) قال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجده مع أحد غيره قال تعالى :

    ' لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ 'التوبة، آية: 128' حتى خاتمة براءة وكانت الصحف عند أبي بكر في حياته، حتى توفَّاه لله، ثم عند عمر في حياته، حتى توفَّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم ([48]).

    وهكذا فجمع القرآن الكريم فيه دليل عملي على ممارسة الشورى الجماعية، فقد اتسع نطاق الشورى، وتبادل الرأي، والمراجعة العلمية وذلك مما كان سبباً في الإقناع وإجتماع الرأي ([49])على إنجاز هذا المشروع الحضاري العظيم.


    4- الشورى في القضاء:

    كان أبو بكر – رضي الله عنه، إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به؛ قضى فإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء، فربَّما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبيَّنا، وإن أعياه ذلك، دعا رؤوس المسلمين، وعلماءهم، استشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به([50]).

    ويظهر : أن الصديق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لا يجوز للإمام مخالفتهم ([51]).



    5- الشورى في الجهاد:

    دعا عمر، وعثمان، وعليا وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجرَّاح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر، وغيرهم، فدخلوا عليه فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا تحصى نعمه ولا تبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيراً على ما اصطنع عندكم من جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتخَّذ إلهاً غيرها، فالعرب أمة واحدة، بنو أب وأمَّ وقد أردت أن ستفزكم إلى الرَّوم بالشَّام، فمن هلك؛ هلك شهيد، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش، عاش مدافعاً عن الدين، مستوجباً على الله عز وجل ثواب المجاهدين، هذا رأيي الذي رأيت، فليشر عليَّ كلُّ امرىءِ بمبلغ رأيه ([52])وقد أجمع الصحابة على موافقة الصديق في غزو الروم وإنما تنوعت وجهات نظر بعضهم في كيفية هذا الغزو، فكان رأي عمر إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشَّام فتكون قّوة كبيرة تستطيع أن تعمد للأعداء وكان رأي عبدالرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقّوات صغيرة، تغير على أطراف الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تّم إرهاب العدوَّ وإضعافه؛ تبعث الجيوش الكبيرة وقد أخذ أبوبكر برأي عمر في هذا الأمر، واستفاد من رأي عبدالرحمن بن عوف فيما يتعلقَّ بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب وخاصَّة أهل اليمن ([53]).

    وفي وصيته ليزيد بن أبي سفيان قائد أول جيش أرسل إلى بلاد الشام لفتح دمشق، أشار الصديق إلى أمور مهمة في الجهاد، وأسباب النصر على الأعداء

    لما أراد أبوبكر – رضي الله عنه – أن يجهَّز الجنود إلى الشام وقد أوصاه بأهمية الشورى فقال له: وإذا استشرت فاصدق الحديث، تُصدق المشورة، ولا تحزن عن المشير؛ خبرك، فتُوْتي من قبل نفسك ([54]).

    فبين الصديق ليزيد بن أبي سفيان، بأن إتقان المشورة أهمُّ من النظر في نتائجها، فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي، ثاقب الفكر، فإنَّه لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضيَّة، فإنَّه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة ([55]).

    وقال الصديق لعمرو بن العاص في وصيته له لما أرسله على رأس جيش لفتح فلسطين ببلاد الشام: .. ولا تدخر عنهم صالح مشورةِ، فربَّ رأي محمود في الحرب، مبارك في عواقب الأمور ([56]).

    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])الشورى في معركة البناء ص 107.

    ([2])التاريخ الإسلامي (9/21).

    ([3])عصر الخلافة الراشدة للعمري ص 40.

    ([4])الرَّجلان هما : عويم بن ساعدة ومعن بن عدي.

    ([5])أي: عدد قليل.

    ([6])أي : يخرجوننا من أمر الخلافة.

    ([7])أعددت في نفسي.

    ([8])الجُذيل: عود ينصب للإبل الجربي لتحتكَّ به.

    ([9])المحكك : الذي يحتك به كثيراً، أراد أنه يستشفي برابة، والعذيق: النخَّلة، أي: الذي يعتمد عليه.

    ([10])البخاري، : ك الحدود رقم 6830.

    ([11])مسند أحمد (1/5) الخلافة والخلفاء البهنساوي ص 50.

    ([12])التاريخ الإسلامي (9/24).

    ([13])العواصم من القواصم لأبن العربي المالكي ص 10.

    ([14])التاريخ الإسلامي (9/24).

    ([15])الإسلام وأصول الحكم محمد عمارة ص 71 - 74.

    ([16])الأنصار في العصر الراشدي، د. حامد الخليفة ص 109.

    ([17])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 128.

    ([18])المصدر نفسه ص 128.

    ([19])الشورى في معركة البناء ص 109.

    ([20])أبو بكر الصديق للصَّلاَّبي ص 141.

    ([21])عصر الخلفاء الراشدين فتحية النبراوي ص 23.

    ([22])المصدر نفسه ص 23.

    ([23])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 193.

    ([24])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة د. عبدالرحمان الشجاع ص 256.

    ([25])فقه الشورى والاستشارة د. توفيق الشاوي ص 140.

    ([26])المصدر نفسه ص 142.

    ([27])البداية والنهاية لابن كثير (6/305 ، 306) إسناده صحيح.

    ([28])التاريخ الإسلامي (9/28).

    ([29])البداية والنهاية (6/316).

    ([30])البداية والنهاية (6/315).

    ([31])عناقاً : الأنثى من ولد الماعر.

    ([32])عِقالاً: هو الحبل الذي يعقل به البعير.

    ([33])البخاري رقم 1400 مسلم رقم 20.

    ([34])حروب الردة، محمد أحمد باشميل ص 24.

    ([35])مسلم رقم 21.

    ([36])الشورى بين الأصالة والمعاصرة للتميمي ص 86.

    ([37])المرتضى لأبي الحسن النَّدوي ص 70.

    ([38])أبو بكر الصديق للصَّلاَّبي.

    ([39])حركة الردة د. علي الغنوم ص 165.

    ([40])حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد ص 145.

    ([41])يعني واقعة يوم اليمامة ضدَّ مسيلمة الكذّاب وأعوانه.

    ([42])استحرَّ : كثر واشتد.

    ([43])أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.

    ([44])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي.

    ([45])العسب جريد النخل.

    ([46])اللّخاف : جمع لخفة وهي صفائح الحجارة.

    ([47])الأكتاف : جمع كتف وهو العظم الذي للبعير.

    ([48])البخاري رقم 4986.

    ([49])الشوري د. أحمد الإمام ص 40.

    ([50])موسوعة فقه أبي بكر الصديق قلعجي ص 155.

    ([51])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 173.

    ([52])أبو بكر الصديق ص 370 للصَّلاَّبي.

    ([53])المصدر نفسه ص 372 التاريخ الإسلامي للحميدي (9/188).

    ([54])الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/64، 65).

    ([55])التاريخ الإسلامي (9/192 – 197).

    ([56])أبوبكر الصديق للصَّلاَّبي ص 382.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    خامساً: الشورى في عهد الفاروق:

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:19


    خامساً: الشورى في عهد الفاروق:

    بيعة عمر بن الحطاب

    لما اشتد المرض بأبي بكر جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتاً لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمروا عليكم من أحببتم؛ فإنكم إن أمرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا بعدي ([1])، وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية؛ لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبوبكر عبدالرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبوبكر: وإن فقال عبدالرحمن : هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم، على ذلك يا أبا عبدالله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبوبكر : يرحمك الله، والله لو تركته ما عَدَوْتُك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته، فقال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبوبكر :أجلسوني أبالله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول اللهم استخلف عليهم خير أهلك ([2])، وبين لهم سبب غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه ([3])، ثم كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبوبكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرى. ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب :' إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ' (الشعراء, آية: 227).

    وأراد الصديق أن يبلغ الناس بلسانه واعياً مدركاً، حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبوبكر على الناس وقال لهم: أترضون بمن استخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا سمعنا وأطعنا ([4]).

    وتوجه الصديق رضي الله عنه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فوَّليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ([5]).

    وكلف أبوبكر عثمان رضي الله عنهما: بأن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به ([6])، فبعد أن قرأ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه ([7])، واختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شي؛ حتى يمضي إلى ربه خالياً من أي تبعة بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده ([8]).

    وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، وأعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وأن الله تعالى، ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف ألا ألحق بهم، وإن الله – تعالى – ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت : إني لأرجوا ألا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت ولست تُعجزه ([9]).

    وباشر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر ([10])، كما أن ترشيح أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعمر بن الخطاب، لم يأخذ قوته الشرعية إلا بعدما وافق المسلمون على ذلك، وهذا ما تحقق حين طلب أبوبكر من الناس أن يبحثوا لأنفسهم عن خليفة من بعده، فوضعوا الأمر بين يديه، وقالوا له: رأينا إنما هو رأيك([11])،ولم يقّرر أبو بكر الترشيح إلا بعد أن استشار أعيان الصحابة فسأل كل واحد على انفراد، ولما ترجح لديه اتفاقهم أعلن ترشيحه لعمر، فكان ترشيح أبي بكر صادراً عن استقراء لآراء الأمة من خلال أعيانها، على أن هذا الترشيح لا يأخذ قوته الشرعية إلا بقبول الأمة به؛ ذلك أن اختيار الحاكم حق للأمة، والخليفة يتصرف بالوكالة عن الأمة، ولابد من رضا الأصيل؛ ولهذا توجه أبوبكر إلى الأمة: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهدي الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا ([12])، وفي وقول أبي بكر : أترضون بمن استخلف عليكم إشعار بأن الأمر للأمة وأنها هي صاحبة العلاقة والاختصاص ([13]).

    إن عمر رضي الله عنه ولي الخلافة باتفاق أهل الحل والعقد وإرادتهم؛ فهم الذين وضعوا لأبي بكر انتخاب الخليفة وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه، وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب 'الطبيعيون' عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها ([14]).

    إن الخطوات التي سار عليها أبوبكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر رضي الله عنه بالشورى والاتفاق، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طول عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة ([15]).



    2- الشورى في أراضي الخراج:

    الخراج له معنيان : عام وهو كل إيراد وصل إلى بيت مال المسلمين من غير الصدقات، فهو يدخل في المعنى العام للفيء ويدخل فيه إيراد الجزية وإيراد العشور وغير ذلك وله معنى خاص: وهو إيراد الأرض التي افتتحها المسلمون عنوة وأوقفها الإمام لمصالح المسلمين على الدوام كما فعل عمر بأرض السواد من العراق والشام والخراج، لا يقاس بإجارة ولا ثمن، بل هو أصل ثابت بنفسه لا يقاس بغيره([16]).

    عندما قويت شوكة الإسلام بالفتوحات العظيمة وبالذات بعد القضاء على القوتين العظيمتين الفرس والروم، تعددت موارد المال في الدولة الإسلامية وكثرة مصارفه وللمحافظة على كيان هذه الدولة المترامية الأطراف وصون عزها وسلطانها وضمان مصالح العامة، والخاصة كان لابد من سياسة مالية حكيمة رشيدة، فكر لها عمر رضي الله عنه، ألا وهي إيجاد مورد مالي ثابت ودائم للقيام بهذه المهام، وهذا المورد هو: الخراج فقد أراد الفاتحون أن تقسم عليهم الغنائم من أموال وأراض وفقاً لما جاء في القرآن الكريم خاصَّا بالغنائم: ' وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ َلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ' ) الأنفال, آية: ٤١).

    وقد أراد عمر رضي الله عنه في بداية الأمر تقسيم الأرض بين الفاتحين، ولكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى عدم التقسيم، وشاركه الرأي معاذ بن جبل وحُذَّر عمر من ذلك ([17]). وقد روى أبو عبيدة قائلاً: قدم عمر الجابيه فأراد قسم الأراضي بين المسلمين فقال معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يـأتي مـن بعدهم قوم يُسدون من الإسلام مسدّاً، وهم لا يجدون شيئاً فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم ([18]) لقد نبه معاذ بن جبل رضي الله عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى أمر عظيم، جعل يتتبع آيات القرآن الكريم، ويتأملها مفكراً في معنى كل كلمة يقرؤها حتى توقف عند آيات تقسيم الفيء في سورة الحشر، فتبين له أنها تشير إلى الفيء للمسلمين في الوقت الحاضر، ولمن يأتي بعدهم، فعزم على تنفيذ رأي معاذ رضي الله عنه، فانتشر خبر ذلك بين الناس ووقع خلاف بينه وبين بعض الصحابة ومنهم بلال بن رباح والزبير بن العوام يرون تقسيمها، كما تقسم غنيمة العسكر، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فأبى عمر رضي الله عنه التقسيم وتلا عليهم الآيات الخمسة من سورة الحشر من قوله تعالى : 'وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ' (الحشر, آية:٦ ) حتى فرغ من شأن بني النضير ثم قال: 'مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ' (الحشر, آية: ٧ ( فهذه عامة في القرى كلها ثم قال: ' لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ' (الحشر, آية: ٨ ( ثم لم يرضى حتى خلط بهم غيرهم فقال: ' يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ' (الحشر, آية: ٩). فهذا في الأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال:' وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ' (الحشر, آية: ١٠).


    فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم، فما من أحد من المسلمين إلا له في هذا الفيء حتى قال عمر لئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه ([19]).

    وفي رواية أخرى جاء فيها قال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا برأي فقال عمر : ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كَلاَّ على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل لهذا البلد وبغيره من أراضي الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم وأبناء أبنائهم ولم يحضروا، فكان عمر رضي الله عنه لا يزيد على أن يقول: هذا رأيي، قالوا: فاستشر، فأرسل إلى عشرة من الأنصار من كبراء الأوس والخزرج وأشرفهم فخطبهم وكان مما قال لهم: إني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، ثم قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها واضعاً عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم، أرايتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها أرايتم هذه المدن العظام لا بدلها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم فمن أين يُعطي هؤلاء إذا قسمت الأرض والعلوج؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك فنعم ما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوّون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم ([20])، وقد قال عمر فيما قاله: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لما جاء بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل الله لهم فيها الحق بقوله تعالى : 'فاستوعبت الآية الناس إلى يوم القيامة، وبعد ذلك استقر رأي عمر وكبار الصحابة رضي الله عنهم على عدم قسمة الأرض ([21]) وفي حواره مع الصحابة يظهر أسلوب الفاروق في الجدل وكيف جمع فيه قوة الدليل وروعة الصسورة واستمالة الخصم في مقالته التي قال للأنصار، عند المناقشة في أمر أرض السواد، ولو أن رئيساً ناشئاً في السياسة، متمرساً بأساليب الخطب البرلمانية أراد أن يخطب النواب 'لينال موافقتهم' على مشروع من المشروعات لم يجئ بأرقّ من هذا المدخل أو أعجب من هذا الأسلوب، وامتاز عمر فوق ذلك بأنه كان صادقاً فما يقول، ولم يكن فيه سياسياً مخادعاً وأنه جاء به في نمط من البيان يسمو على الأشباه والأمثال ([22]) لم يكن الفاروق مخالفاً للهدي النبوي في عدم تقسيمه للأراضي المفتوحة، وقد كان سنده، فيما فعل – أموراً منها:

    - آية الفيء في سورة الحشر.

    - عمل النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة عنوة فتركها لأهلها ولم يضع عليها خراجاً.

    - قرار مجلس الشورى الذي عقده عمر بهذه المسألة بعد الحوار والمجادلة وقد أصبح سنة متبعة في أرض يظهر عليها المسلمون ويقرون أهلها عليها، وبهذا يظهر أن عمر حينما ميز بين الغنائم المنقولة وبين الأراضي كان متمسكاً بدلائل النصوص، وجمع بينها وأنزل كلاً منها منزلته التي يرشد إليها النظر الجامع السديد، يضاف إلى ذلك أن عمر كان يقصد أن تبقي لأهل البلاد ثرواتهم وأن يعصم الجند الإسلامي من فتن النزاع على الأرض والعقار، ومن فتن الدعة والإنشغال بالثراء والحطام ([23]).

    إن الفاروق رضي الله عنه كان يلجأ إلى القرآن الكريم يتلمس منه الحلول ويطوف بين مختلف آياته، ويتعمق في فهم منطوقها ومفهومها، ويجمع بينها ويخصص بعضها ببعض حتى يصل إلى نتائج تحقق المصالح المرجوة منها، مستلهماً روح الشريعة غير واقف مع ظواهر النصوص وقد أسعفه في قطع هذه المراحل إدراكه الدقيق لمقاصد الشريعة بتلكم النصوص، وهي عملية مركبة ومعقدة لا يحسن الخوض فيها إلا من تمرس على الاجتهاد وأعطي فيها فهماً سديداً وجرأة على الإقدام حيث يحسن الإقدام، حتى خيل للبعض أن عمر كان يضرب بالنصوص عُرْض الحائط في بعض الأحيان، وحاشا أن يفعل عمر رضي الله عنه ذلك لكنه كان مجتهداً ممتازاً اكتسب حاسة تشريعية لا تضاهي حتى كان يرى الرأي فينزل القرآن على وفقه، والنتيجة التي نخرج بها من هذه القضية هي أن القرآن يفسر بعضه بعضا، ومثله في السنة ([24]).

    ما هي القيم والمصالح في عدم تقسيم أراضي الخراج؟

    هناك جملة من المصالح التي استند إليها عمر بن الخطاب – والذين وافقوه على رأيه – في اتخاذ هذا القرار يمكنني تصنيفها إلى صنفين : أولهما : المصالح الداخلية وأهمها سد الطريق على الخلاف والقتال بين المسلمين، وضمان توافر مصادر ثابته لمعايش البلاد والعباد، وتوفير الحاجات المادية اللازمة للأجيال اللاحقة من المسلمين.

    وثانيهما: المصالح الخارجية والتي يتمثل أهمها في توفير ما يسد ثغور المسلمين ويسّد حاجتها من الرجال والمؤن، والقدرة على تجهيز الجيوش، بما يستلزمه ذلك من كفالة الرواتب وإدرار العطاء وتمويل الإنفاق على العتاد والسلاح وترك بعض الأطراف لتتولى مهام الدفاع عن حدود الدولة وأراضيها اعتماداً على ما لديها من خراج، والذي يجب ملاحظته في هذه المصالح أن الخليفة أراد أن يضع بقراره دعائم ثابتة لأمن المجتمع السياسي ليس في عصره فقط، بل وفيما يليه من عصور بعده وعباراته من مثل 'فكيف بمن يأتي من المسلمين' 'وكرهت أن يترك المسلمون' التي توخي بنظرته المستقبلية لهذا الأمن الشامل تشهد على ذلك، وقد أثبت تطور الأحداث السياسية في عصر عمر بن الخطاب صواب وصدق ما قرره.

    أ- إن تعدد أطوار اتخاذ القرار بعدم تقسيم الأراضي قد أكد أمرين: أولهما: أن بعض القرارات المهمة التي تمس المصالح الجوهرية للمسلمين قد تأخذ من الجهد والوقت الكثير، كما أنها قد تتطلب قدراً من الأناة في تبادل الحجج والبراهين دون أن يتيح ذلك مجالاً للخلاف وتعميق هوة الانقسام أحياناً أو يفوت بابا من أبواب تحقيق بعض المصالح الخاصة بأمن الأمة في حاضرها ومستقبلها، والأمر الثاني: أن بعض القرارات المهمة التي قد تخرج بعد عسر النقاش والحوار، والبداية المتعثرة لها، يفرض على الحاكم الشرعي أن يكون أول المسلمين وآخرهم جهداً في السعي إلى تضييق هوة الخلاف، والتقريب بين وجهات النظر المتعارضة لكي يصل بالمسلمين إلى الحكم الشرعي فيما هو متنازع بشأنه ([25]).
    ب- إن تبادل الرأي والاجتهاد بين الخليفة والصحابة الذين لم يوافقوه على رأيه واستناد الكل في ذلك إلى النصوص المنزلة في الاجتهاد يثبت أن الفيصل في إبداء الآراء في القرارات السياسية عامة والتي تمس مصالح المسلمين بصفة مباشرة خاصة، هو أن تجيء هذه الآراء مستندة إلى النصوص المنزلة، أو ما ينبغي أن يتفرع عنها من مصادر أخرى لا تخرج عن أحكامها في محتواها ومبرراتها.

    ج- إن لجوء الخليفة إلى استشارة أهل السابقة من كبار الصحابة العلماء في فقه الأحكام ومصادر الشرع، واستجابتهم بإخلاص النصح له، يؤكد أن أهل الشورى لهم مواصفات خاصة تميزهم فالذين يستشارون هم أهل الفقه والفهم والورع والدراية الواعون لدورهم، إنهم بعبارة أدق الذين لا إمعية في آرائهم، ومن دأبهم توطين أنفسهم على قول الحق وفعله غير خائفين في ذلك لومة لائم من حاكم أو غيره.

    س- ثم يبقى القول: إن ما حدث بصدور قرار عدم تقسيم الأراضي يظل نموذجاً عالياً سار عليه الصحابة في كيفية التعامل وفق آداب الحوار وأخلاقيات مناقشة القضايا، وتقليب أوجهها المختلفة ابتداءً بمرحلة التفكير في اتخاذ القرار بعدم تقسيم الأراضي – بصفة مباشرة، أو غيـر مباشرة – وعلى رأسهم الخليفة الذي لم يخرج عن هذه الآداب رغم اختلاف اجتهاداتهم بشأنه ([26]).

    بل إن الفاروق بين أن الحاكم مجرد فرد في هيئة الشورى، وأعلن الثقة في مجلس شورى الأمة، خالفته أو وافقته، والرد إلى كتاب الله، فقد قال رضي الله عنه: إني واحد منكم، كأحدكم، وأنتم اليوم تفرون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ومعكم من الله كتاب ينطق بالحق ([27]).
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:20



    3- الشورى في بدء التاريخ الهجري:

    يعد التاريخ بالهجرة تطوراً له خطره في النواحي الحضارية، وكان أول من وضع التاريخ بالهجرة عمر، ويحكى في سبب ذلك عدة روايات، فقد جاء عن ميمون بن مهران أنه قال: دُفع إلى عمر رضي الله عنه صَكُّ محله في شعبان، فقال عمر: شعبان هذا الذي مضى أو الذي هو آتٍ أو الذي نحن فيه، ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه فقال قائل : اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين، فقال قائل: اكتبوا تاريخ الفرس قالوا: كلما قام ملك طرح ما كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه أقام عشر سنين، فكتب أو كتبوا التاريخ على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([28])وعن عثمان بن عبيدالله قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم فقال: متى نكتب التاريخ؟ فقال له علي بن أبي طالب: منذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم من أرض الشرك، من يوم هاجر قال، فكتب ذلك عمر بن الخطاب، وعن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من المحرم بمشورة على بن أبي طالب رضي الله عنه ([29])، وقال أبو الزناد ([30]): واستشار عمر في التاريخ، فأجمعوا على الهجرة ([31])، وروى ابن حجر في سبب جعلهم بداية التاريخ في شهر محرم وليس في ربيع الأول الشهر الذي تمت فيه هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة الذين أشاروا على عمر وجدوا أن الأمور التي يمكن أن يؤرخ بها أربعة، هي مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، ووجدوا أن المولد والمبعث لا يخلون من النزاع في تعيين سنة حدوثهما وأعرضوا عن التاريخ بوفاته لما يثيره من الحزن والأسى عند المسلمين، فلم يبق إلا الهجرة وإنما أخروه في ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان من المحرم؛ إذ وقعت بيعة العقبة الثانية في ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال محرم، فناسب أن يجُعل مبتدأ .. ثم قال ابن حجر: وهذا أنسب ما وقعت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم ([32]).

    وبهذا الحدث الإداري المتميز أسهم الفاروق في إحداث وحدة شاملة بكل ما تحمله من معنى في شبه الجزيرة، حيث ظهرت وحدة العقيدة بوجود دين واحد ووحدة الأمة، بإزالة الفوارق، ووحدة الاتجاه باتخاذ تاريخ واحد، فاستطاع أن يواجه عدوه وهو واثق من النصر([33]).



    4- لقب أمير المؤمنين:

    لما مات أبوبكر رضي الله عنه وكان يدعى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلمون: من جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطول هذا، ولكن أجمعوا على اسم تدعون به الخليفة، يُدعى به من بعده من الخلفاء فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي عمر أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك ([34]).



    5- المشورة في اختيار الولاة:

    كان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة الخليفة لكبار الصحابة ([35])، فقد قال رضي الله عنه لأصحابه يوماً: دلوني على رجل إذا كان في القوم أميراً فكأنه ليس بأمير، وإذا لم يكن بأمير فكأنه أمير، فأشاروا إلى الربيع بن زياد ([36])، وقد استشار عمر رضي الله عنه الصحابة في من يولي على أهل الكوفة فقال لهم: من يعذرني من أهل الكوفة ومن تجنيهم على أمرائهم، إن استعملت عليهم عفيفاً استضعفوه، وإن استعملت عليه قوياً فجّروه ([37])، ثم قال: أيها الناس ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي وآخر قوي مشددّ أيهما الأصلح للإمارة ؟ فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين والقوي المشّدد فشداده على نفسه وقوته لك وللمسلمين فاعمل في ذلك رأيك. فقال عمر: صدقت يا مغيرة، ثم ولاه الكوفة وقال له: انظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ([38]).

    وشدد عمر على الولاة في استشارة أهل الرأي في بلادهم، وكان الولاة يطبقون ذلك ويعقدون مجالس للناس لأخذ آرائهم وكان يأمر ولاته باستمرار بمشاورة أهل الرأي ([39])، وطلب من ولاته إنزال الناس منازلهم، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : بلغني أنك تأذن للناس جمَّا غفيراً، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة، وكتب إليه أيضاً: لم يزال للناس وجوه يرفعون حوائج الناس فأكرموا وجوه الناس، فإنه بحسب المسلم الضعيف أن ينتصف في الحكم والقسمة ([40]).



    6- تدوين الدواوين:

    استشار عمر المسلمين في تدوين الدواوين، فأشار بعضهم بما يراه إلا أن الوليد، بن هشام بن المغيرة، قال: جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً وجندوا جنداً، فدوَّن ديواناً، وجند جنداً، وفي بعض الروايات أن الذي قال ذلك هو خالد بن الوليد ([41])، وذكر بعض المؤرخين أنه كان بالمدينة بعض مرازبة الفرس، فلما رأى حيرة عمر قال له : يا أمير المؤمين : إن للأكاسرة شيئاً يسمونه ديواناً جميع دخلهم وخرجهم مضبوطة فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل، فتنبه عمر وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، فدون الدواوين وفرض العطاء ([42]) وقد حبذ عثمان التدوين فأشار برأيه : أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإن لم يحصلوا حتى يُعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشية أن ينتشر الأمر ([43])، هذه بعض الروايات التي حدثت بناءً على استشارة عمر رضي الله عنه في مرات متعددة لمن يحضرون عنده ([44]).



    7- الحجر الصحي:

    خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: أدع لي المهاجرين فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني، ثم قال : أدع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: أدع لي من كان هنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة : أفراراً من قدر الله ؟ فقال عمر رضي الله عنه : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك: إبل هبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال : فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فحمد الله عمر ثم انصرف ([45]).

    وفي مشورة عمر رضي الله عنه أصحابه في هذه الحادثة فوائد منها:

    - حرص ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة وعدم إقدامه على إتخاذ قرار لم يتبين له فيه وجه الصواب لما في ذلك من المخاطرة بالمسلمين.

    - مشاورة كل من أمكن حضوره من أهل الحل والعقد لما في ذلك من تمحيص الآراء والوصول إلى رأي مفيد عن طريق قدح عقول كثيرة – وهذا موضع الشاهد من القصة.

    - جواز اجتماع ولي الأمر برعيته على فئات متجانسة كما فعل عمر رضي الله عنه هنا حيث قسمهم إلى ثلاث فئات : فئة الأنصار، وفئة المهاجرين، وفئة مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، لأنه كلما كان العدد المشاور أقل كان النقاش أوسع لسعة الوقت.

    - الاستئناس برأي كبار السن ذوي الرأي والتجربة.

    - الاستئناس بالرأي الموحد، كما استأنس عمر برأي مشيخة الفتح لعدم اختلافهم.

    - فتح الباب لمن أراد أن يستفسر لإزالة شبهة عنده ولو كان ولي الأمر قد انتهى إلى الأخذ بأحد الآراء، لأن إزالة الشبه من نفوس الرعية تأليفاً لقلوبهم واطمئناناً يجعلهم يشاركون إخوانهم في الرأي وتنفيذه، كما أنه ينبغي أن يكون عند ولي الأمر القدرة على إيراد الحجج المقنعة ولكن ذلك لا يبيح للرعية أو بعضهم أن يقفوا موقف المعارضين، لما تم التوصل إليه من الشورى وبعد عزم ولي الأمر على انفاذه ' فإذا عزمت فتوكل على الله'.

    - أن الله تعالى يوفق ولي الأمر ورعيته للصواب إذا أخلصوا في مشاورتهم وقصدوا المصلحة العامة.

    - أن أهل الشورى مهما كثروا قد يغيب عنهم الدليل على المسألة من الكتاب أو السنة، ولو كانوا علماء مجتهدين مع وجوده عند من غاب من مجلسهم كما دلت على ذلك تلك المناقشة الطويلة ولو كان عند أحدهم دليل لذكره ولما كان هناك حاجة للمناقشة، حتى جاء عبدالرحمن بن عوف فذكر الدليل فحمد الله عمر على موافقته ([46]).

    ويؤخذ من هذا أنه يجب على ولي الأمر أن يحرص على الإكثار من العلماء في مجلس شوراه، لما في ذلك من إمكان استحضار بعضهم الدليل الذي يغني عن الشورى ويقطع الطريق من أول الطريق ([47]).



    8- توسع نطاق الشورى في عهد عمر بن الخطاب:

    توسع نطاق الشورى في خلافة عمر رضي الله عنه لكثرة المستجدات والأحداث، وامتداد رقعة الإسلام إلى بلاد ذات حضارات وتقاليد ونظم متباينة، فولدت مشكلات جديدة احتاجت إلى الاجتهاد الواسع مثل معاملة الأرض المفتوحة، وتنظيم العطاء وفق قواعد جديدة لتنفق أموال الفتوح على الدولة، فكان عمر يجمع للشورى أكبر عدد من الصحابة الكبار ([48])، وكان لأشياخ بدر مكانتهم الخاصة في الشورى، لفضلهم وعلمهم وسابقتهم، إلا أن عمر رضي الله عنه أخذ يشوبهم بشباب، فإنهم على دربهم ماضون والدولة لابد لها من تجديد رجالاتها، وكان عمر العبقري الفذ قد فطن إلى هذه الحقيقة، فأخذ يختار من شباب الأمة من علم منهم علماً وورعاً وتقى، فكان عبدالله بن عباس من أولهم، وما زال عمر يجتهد متخيراً من شباب الأمة مستشارين له متخذاً القرآن فيصلاً من التخير حتى قال عبد الله بن عباس: وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً ([49])، وقد قال الزهري لغلمان أحداث: لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم ([50]). وقال محمد بن سيرين: إن كان عمر رضي الله عنه يستشير في الأمر، حتى إن كان ليستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذه، وقد ثبت أنه استشار مرة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ([51])، وقد كان لعمر رضي الله عنه خاصة من علية الصحابة وذوي الرأي، منهم العباس بن عبدالمطلب وابنه عبدالله وكان لا يكاد يفارقه في سفر ولا حضر، وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب([52])، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ونظراؤهم، فكان يستشيرهم ويرجع ([53]) إليهم.

    وكان المستشارون يبدون آراءهم بحرية تامة وصراحة كاملة، ولم يتهم عمر رضي الله عنه أحداً منهم في عدالته وأمانته وكان عمر رضي الله عنه يستشير في الأمور التي لا نص فيها من كتاب أو سنة، وهو يهدف إلى معرفة إن كان بعض الصحابة يحفظ فيها نصَّا من السنة، فقد كان بعض الصحابة يحفظ منها مالاً يحفظه الآخرون، وكذلك كان يستشير في فهم النصوص المحتملة لأكثر من معنى، لمعرفة المعاني والأوجه المختلفة، وفي هذين الأمرين قد يكتفي باستشارة الواحد أو العدد القليل، وأما في النوازل العامة فيجمع الصحابة، ويوسع النطاق ما استطاع كما فعل عند وقوع الطاعون بأرض الشام متوجها إليها ([54]).

    وكانت مجالات الشورى في عهد عمر متعددة، منها في المجال الإداري والسياسي، كاختيار العمال والأمراء، والأمور العسكرية، ومنها في المسائل الشرعية المحضة، كالكشف في الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة والمسائل القضائية والذي نحب أن نؤكد عليه أن الخلافة الراشدة كانت قائمة على مبدأ الشورى المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن في عهد عمر فلتة استنبطها ولا بدعة أتى بها، ولكنها قاعدة من قواعد المنهج الرباني ([55]).

    ولقد اعتمد عمر رضي الله عنه مبدأ الشورى في دولته، فكان رضي الله عنه لا يستأثر بالأمر دون المسلمين ولا يستبد عليهم في شأن من الشؤون العامة، فإذا نزل به أمر لا يبرمه حتى يجمع المسلمين ويناقش الرأي معه فيه ويستشيرهم ([56]) ومن أقوال عمر بن الخطاب في الشورى : لا خير في أمر أبرم من غير شورى ([57]). وقوله: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والمبرمين والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض ([58]) قوله : شاور في أمرك من يخاف الله ([59]).

    وكان يحث قادة حربه على الشورى، فعندما بعث أبا عبيد الثقفي لمحاربة الفرس بالعراق قاله له: أسمع وأطع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر وخاصة من كان منهم من أهل بدر ([60]) وكان يكتب إلى قادته بالعراق بأمرهم أن يشاوروا في أمورهم العسكرية عمرو بن معد يكرب وطلحة الأسدي قائلاً: استشيروا واستعينوا في حربكم بطلحة الأسدي وعمرو بن معد يكرب ولا تولهما من الأمر شيئاً فإن كل صانع أعلم ببضاعته([61])، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص: وليكن عندك من العرب أول من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه، والغاش عين عليك وليس عيناً لك ([62])، ومما قاله عمر رضي الله عنه لعتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: قد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرشمة ([63])، ذو مجاهدة للعدو ومكايدة، فإذا قدم عليك فاستشره وقربه ([64])، وكان مسلك الفاروق في الشورى جميلاً: فإنه كان يستشير العامة أول أمره فيسمع منهم، ثم يجمع مشايخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرأي منهم، ثم يفضي إليهم بالأمر ويسألهم أن يخلصوا فيه إلى رأي محمود فما استقر عليه رأيه أمضاه، وعمله هذا يشبه الأنظمة الدستورية في كثير من الممالك النظامية، إذ بعرض الأمر على مجلس النواب مثلاً، ثم بعد أن يقرر بالأغلبية يعرض على مجلس آخر يسمى في بعضها مجلس الشيوخ وفي بعضها مجلس اللوردات، فإذا انتهى المجلس من تقريره أمضاه الملك ([65])، وكثيراً ما كان عمر بن الخطاب يجتهد في الشيء ويبدي رأيه فيه ثم يأتي أضعف الناس فيبيَّن له وجه الصواب وقوة الدليل، فيقبله ويرجع عن خطأ ما رأى إلى الصواب ما استبان له ([66]).


    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])البداية والنهاية (7/18) تاريخ الطبري (4/238).

    ([2])الكامل في التاريخ (2/79) التاريخ الإسلامي محمود شاكر ص 101.

    ([3])الكامل لابن الأثير (2/79).

    ([4])تاريخ الطبري (4/248).

    ([5])طبقات ابن سعد (3/200).

    ([6])طبقات ابن سعد (3/200).

    ([7])دراسات في عهد البنوة والخلافة الراشدة ص 272.

    ([8])المصدر نفسه ص 272.

    ([9])صفة الصفوة لابن الجوزي (2/264 ، 265).

    ([10])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص 272.

    ([11])القيود الواردة على سلطة الدولة د. عبدالله الكيلاني ص 172.

    ([12])المصدر نفسه.

    ([13])المصدر نفسه.

    ([14])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 79.

    ([15])المصدر نفسه ص 79.

    ([16])المصدر نفسه ص 248.

    ([17])سياسة المال في الإسلام ص 103 عبدالله جمعان.

    ([18])الأموال لأبي عبيد ص 75 عمر بن الخطاب ص 248 للصَّلاَّبي.

    ([19])الخراج لأبي يوسف ص 67 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 249.

    ([20])الخراج لأبي يوسف ص 67.

    ([21])سياسة المال في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب، عبدالله جمعان ص 105.

    ([22])أخبار عمر، للطنطاوي ص 210.

    ([23])الاجتهاد في الفقه الإسلامي للسليماني ص 131.

    ([24])الاجتهاد في الفقه الإسلامي ص 252.

    ([25])الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام مصطفى منجود ص 317 ، 318.

    ([26])الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام ص 317 ، 318.

    ([27])الدور السياسي للصفوة ص 185 للسيد عمر.

    ([28])محض الصواب لابن عبدالهادي (1/316).

    ([29])تاريخ الإسلام للذهبي ص 163.

    ([30])عبدالله بن ذكوان القرشي، ثقة فقيه.

    ([31])محض الصواب (1/317).

    ([32])فتح الباري (7/268) الخلافة الراشدة يحي اليحي ص 286.

    ([33])جولة تاريخية في الخلفاء الراشدين محمد الوكيل ص 90.

    ([34])الطبقات الكبري لابن سعد (3/281).

    ([35])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 315.

    ([36])المصدر نفسه ص 315.

    ([37])أي اتهموه بالفجور.

    ([38])الولاية على البلدان للعمري (1/28).

    ([39])المصدر نفسه (2/80)

    ([40])نصيحة الملوك للماوردي ص 207.

    ([41])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 260.

    ([42])المصدر نفسه ص 260.

    ([43])سياسة المال في الإسلام ص 158.

    ([44])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 261.

    ([45])البخاري، ك الطب، باب من خرج من أرض لا تلائمه (7/21) مسلم رقم 2219.

    ([46])فقه الشورى للغامدي ص 154.

    ([47])فقه الشورى للغامدي ص 154.

    ([48])عصر الخلافة الراشدة للعمري ص 95.

    ([49])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 92.

    ([50])عصر الخلافة الراشدة ص 90.

    ([51])المصدر نفسه ص 90.

    ([52])السنن الكبرى للبيهقي (9/29).

    ([53])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص92.

    ([54])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 92.

    ([55])المصدر نفسه ص 93.

    ([56])المصدر نفسه ص 90.

    ([57])المصدر نفسه ص 90.

    ([58])المصدر نفسه ص 90.

    ([59])المصدر نفسه ص 90.

    ([60])المصدر نفسه ص 90.

    ([61])سير أعلام النبلاء للذهبي (1/317).

    ([62])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص 91.

    ([63])المصدر نفسه ص 91.

    ([64])الإدارة العسكرية، سليمان آل كمال (1/275).

    ([65])الخلفاء الراشدون للنجار ص 246.

    ([66])عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي ص91.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    سادساً: الشورى في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:21


    سادساً: الشورى في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

    استمر اهتمام الفاروق رضي الله عنه بوحدة الأمة ومستقبلها حتى اللحظات الأخيرة من حياته رغم ما كان يعانيه من آلام جراحاته البالغة، وهي بلا شك لحظات خالدة، تجلى فيها إيمان الفاروق العميق وإخلاصه وإيثاره ([1])، وقد استطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختياره الخليفة الجديد وكانت دليلاً ملموساً، ومعلماً واضحاً على فقهه في سياسة الدولة الإسلامية، لقد مضى قبله الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف بعده أحداً بنص صريح، ولقد مضى أبوبكر الصديق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة ولما طلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت، فكر ملياً وقرر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام فرسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الناس وكلهم مقر بأفضلية أبي بكر وأسبقيته عليهم، فاحتمال الخلاف كان نادراً وخصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الأمة قولاً وفعلاً إلى أن أبابكر أولى بالأمر من بعده، والصديق استخلف عمر وكان يعلم أن عند الصحابة قناعة بأن عمر أقوى وأفضل من يحمل المسؤولية بعده، فاستخلفه بعد مشاورة كبار الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم، وحصل الإجماع على بيعة عمر ([2])، وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور، وقد حصر ستة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلحون لتولي الأمر ولو أنهم يتفاوتون وحدد لهم طريقة الانتخاب ومدته، وعدد الأصوات الكافية لانتخاب الخليفة، وحدد الحكم في المجلس، والمرجح إن تعادلت الأصوات وأمر مجموعة من جنود الله لمراقبة سير الانتخابات في المجلس وعقاب من يخالف أمر الجماعة ومنع الفوضى بحيث لا يسمحون لأحد يدخل أو يسمع ما يدور في مجلس أهل الحل والعقد ([3])، وهذا بيان ما أجمل في الفقرات السابقة.

    أ- العدد الذي حدده للشورى وأسماؤهم:

    أما العدد فهو ستة وهم : علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه جميعاً، وترك سعيد بن زيد وهو من العشرة المبشرين بالجنة ولعله تركه لأنه من قبيلته بن عدي ([4])، وكان رضي الله عنه حريصاً على إبعاد إمارة أقاربه، مع أن فيهم من هو أهل لها، فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد عن قائمة المرشحين للخلافة ([5]).

    ب- طريقة اختيار الخليفة:

    أمرهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاوروا وفيهم عبدالله بن عمر يحضر معهم مشيراً فقط وليس له من الأمر شيء، ويصلي بالناس أثناء التشاور صهيب الرومي وقال له أنت أمير الصلاة في هذه الأيام الثلاثة حتى لا يولي إمامة الصلاة أحداً من الستة فيصبح هذا ترشيحاً من عمر له بالخلافة ([6])، وأمر المقداد بن الأسواد وأبا طلحة الأنصاري أن يرقبا سير الانتخابات ([7]).

    ج- مدة الانتخابات أو المشاورة:

    حددها الفاروق رضي الله بثلاثة أيام وهي فترة كافية وإن زادوا عليها، فمعنى ذلك شقة الخلاف ستتسع ولذلك قال لهم: لا يأتي اليوم الرابع إلا وعليكم أمير ([8]).

    س- عدد الأصوات الكافية لاختيار الخليفة:

    أخرج ابن سعد بإسناد رجاله ثقات أن عمر رضي الله عنه قال لصهيب: صلَّ بالناس ثلاثاً وليخل هؤلاء الرهط في بيت فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالفهم فاضربوا رأسه ([9])، فعمر رضي الله عنه أمر بقتل من يريد أن يخالف هؤلاء الرهط وشق عصا المسلمين ويفرق بينهم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: من أتاكم وأمركم جمع على رجل منكم يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ([10])، وما جاء في كتب التاريخ أن عمر رضي الله عنه أمرهم بالاجتماع والتشاور وحدد لهم أنه إذا اجتمع خمسة منهم على رجل وأبى أحدهم فليضرب رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة وفرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ([11])وهذه من الروايات التي لا تصح سنداً فهي من الغرائب التي ساقها أبو مخنف – الشيعي – مخالفاً فيها النصوص الصحيحة وما عرف من سير الصحابة.

    ش- الحكم في حال الاختلاف:

    لقد أوصى بأن يحضر عبدالله بن عمر معهم في المجلس، وأن ليس له من الأمر شيء، ولكن قال لهم: فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكمَّوا عبدالله بن عمر فأي الفريقين حكم له، فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبدالله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، ووصف عبدالرحمن بن عوف بأنه مسدد رشيد فقال عنه: ونعم ذوي الرأي عبدالرحمن بن عوف مسدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا منه ([12]).

    ع- جماعة من جنود الله تراقب الاختيار وتمنع الفوضى:

    طلب عمر أبا طلحة الأنصاري وقال له: يا أبا طلحة إن الله عز وجل أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم ([13])، وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم ([14]).

    غ- جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل:

    ومن فوائد قصة الشورى؛ جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل، لأن عمر جعل الشورى في ستة أنفس مع علمه أن بعضهم كان أفضل من بعض ويؤخذ هذا من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد حيث كان لا يراعي الفصل في الدين فقط بل يضمُّ إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فاستخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة ([15]).

    د- جمع عمر بين التعيين وعدمه:

    جمع عمر بين التعيين، كما فعل أبوبكر – أي تعيين المرشح – وبين عدم التعيين، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فعيّن ستة وطلب منهم التشاور في الأمر ([16]).

    ل- الشورى ليست بين الستة فقط:

    عرف عمر أن الشورى لن تكون بين الستة فقط، وإنما ستكون في أخذ رأي الناس في المدينة، فيمن يتولى الخلافة حيث جعل لهم أمد ثلاثة أيام فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة وكل من كل ساكناً في بلد غيرها كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه، فما زالت المدينة حتى سنة 23ﻫ مجمع الصحابة فيها، حيث استبقاهم عمر بجانبه ولم يأذن لهم بالهجرة إلى الأقاليم المفتوحة ([17]).

    ﻫ - أهل الشورى أعلى هيئة سياسية:

    إن عمر رضي الله عنه أناط بأهل الشورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحداً من الصحابة الآخرين لم يشر أي اعتراض عليه، ذلك ما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا، فنحن لا نعلم أن اقتراحاً آخر قد صدر عن أحد من الناس في ذلك العصر، أو أن معارضة شارت حول أمر عمر، خلال الساعات الأخيرة من حياته، أو بعد وفاته، وإنما رضى الناس كافة هذه التدابير، ورأوا فيه مصلحة لجماعة المسلمين، وفي وسعنا أن نقول إن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا، مهمتها انتخاب رئيس الدولة، أو الخليفة، وهذا التنظيم الدستوري الجديد، الذي أبدعته عبقرية عمر لا يتعارض مع المبادىء الأساسية التي أقّرها الإسلام، ولاسيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة للبيعة العامة التي تجري في المسجد الجامع وعلى هذا لا يتوجه السؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان هو: من أعطى عمر هذا الحق؟ ما هو مستند عمر في هذا التدبير؟ ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أقّرت هذا التدبير ورضيت به، ولم يسمع صوت اعتراض عليه، حتى يتأكد أن الإجماع – هو من مصادر التشريع – قد انعقد على صحته ونفاذه ([18])، ولا ننسى أن عمر خليفة، راشد، كما ينبغي أن نؤكد على هذا المبدأ – أهل الشورى أعلى هيئة سياسية – قد أقرّه نظام الحكم في الإسلام في العهد الراشدي، كما أن الهيئة التي سمّاها عمر، تمتعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين، وهذه المزايا منحت لها من الله، وبلغّها الرسول؛ فلا يمكن عند المؤمنين أن يبلغ أحد من المسلمين مبلغ هؤلاء العشرة من التقوى والأمانة ([19]) هكذا ختم عمر رضي الله عنه حياته ولم يشغله ما نزل به من البلاء ولا سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين، وأرسى نظاماً للشورى لم يسبقه إليه أحد، ولا يشك أن أصل الشورى مقرر في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة، وحصر عدد معين جعلها فيهم وهذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصديق رضي الله عنه بل أول من فعل ذلك عمر، ونعم ما فعل، فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت ([20])

    - منهج عبدالرحمن بن عوف في إدارة الشورى:

    أ- اجتماع الرهط للمشاورة:

    لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الاجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس، ليقضـوا في أعظـم قضية عرضت في حياة المسلمين – بعد وفاة عمر – وقد تكلم القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين ([21]).

    ب- عبدالرحمن يدعو إلى التنازل:

    عندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبدالرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: جعلت أمري إلى عليّ ([22])، وقال طلحة : جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد: جعلت امري إلى عبدالرحمن بن عوف. وأصبح المرشحون الثلاثة عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، فقال عبدالرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن بن عوف أفتجعلونه إليّ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكما قالاً: نعم ([23]).

    ت- تفويض ابن عوف بإدارة عملية الشورى:

    بدأ عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه اتصالاته ومشاوراته فور انتهاء اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الأحد واستمرت مشاوراته واتصالاته ثلاثة أيام كاملة، حتى فجر يوم الأربعاء الرابع من محرم، وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر، وبدأ عبدالرحمن بعلي بن أبي طالب فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ، فمن ترشح للخلافة؟ قال علي: عثمان بن عفان، وذهب عبدالرحمن إلى عثمان وقال له: إن لم أبايعك فمن ترشح للخلافة؟ فقال عثمان : علي بن أبي طالب ... وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة الآخرين واستشارهم، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرافهم ومن أمراء الأجناد، ومن يأتي للمدينة وشملت مشاورته النساء في خدورهن وقد أبدين رأيهن، كما شملت الصبيان والعبيد في المدينة وكانت نتيجة مشاورات عبدالرحمن بن عوف، أن معظم المسلمين كانوا يشيرون بعثمان بن عفان ومنهم من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي منتصف ليلة الأربعاء، ذهب عبدالرحمن بن عوف إلى بيت ابن أخته : المسور بن مخرمة، فطرق البيت، فوجد المسور ([24])نائماً، فضرب الباب حتى استيقظ فقال أراك نائماً فوالله ما أكتحلت هذه الليلة بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له: فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى إبهارّ ([25]) الليل ثم قام عليُّ من عنده .. ثم قال : ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح ([26]).

    ج- الاتفاق على بيعة عثمان:

    وبعد صلاة صبح يوم البيعة اليوم الأخير من شهر ذي الحجة 23/644م' وكان صهيب الرومي الإمام إذ أقبل عبدالرحمن بن عوف، وقد اعتم بالعمامة التي عمه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد منهم: معاوية أمير الشام، وعمر بن سعد أمير حمص، وعمرو بن العاص أمير مصر، وافوا تلك الحجَّة مع عمر وصاحبوّه إلى المدينة ([27]) وجاء في رواية البخاري : فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرَّهط عند المنبر، فأرسل إلى من كل حاضر من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلمّا اجتمعوا تشهد عبدالرحمن ثمّ قال: أمّا بعد يا عليُّ إني قد نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا فقال ([28]): أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن وبايعه الناس المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون ([29])، وجاء في رواية صاحب التمهيد والبيان أن علي بن أبي طالب أول من بايع بعبدالرحمن بن عوف ([30]).

    س- حكمة عبدالرحمن بن عوف في تنفيذ خطة الشورى:

    نفذ عبدالرحمن بن عوف خطة الشورى بما دل على شرف عقله، ونبل نفسه وإيثاره مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة ونفعه الفردي، وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمع إليه الإنسان في الدنيا، ليجمع كلمة المسلمين، وحقق أول مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلافة، ويسوس أمور المسلمين؛ فهو قد اصطنع من الإناة والصبر والحزم وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى وقد كانت الخطوات التي اتخذها كالآتي:

    - بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في دائرة الزمن الذي حدده لهم عمر؛ وبذلك أمكنه أن يحمل جميع أعضاء مجلس الشورى على أن يُدلوا برأيهم، فعرف مذهب كل واحد منهم ومرماه، فسار في طريقه على بينة من أمره.

    - وخلع نفسه وتنازل عن حقه في الخلافة ليدفع الظنون ويستمسك بعروة الثقة الوثقى.

    - أخذ في تعرف نهاية ما يصبوا إليه كل واحد من أصحابه وشركائه في الشورى، فلم يزل يقلب وجوه الرأي معهم حتى انتهى إلى شبه انتخاب جزئي، فاز فيه عثمان برأي سعد بن أبي وقاص، ورأى الزبير بن العوام، فلاحت له أغلبية آراء الحاضرين معه.

    - عمد إلى معرفة كل واحد من الإمامين : عثمان، وعلي في صاحبه بالنسبة لوزنه في سائر الرهط رشحهم عمر، فعرف من كل واحد منهما أنه لا يعدل صاحبه أحداً إذا فاته الأمر.

    - أخذ في تعرف رأي من وراء مجلس الشورى من خاصة الأمة وذوي رأيها، ثم من عامتها وضعفائها، فرأى أن معظم الناس لا يعدلون أحداً بعثمان، فبايع له وبايعه عامة الناس ([31]) لقد تمكن عبدالرحمن بن عوف بكياسته وأمانته واستقامته ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلافة والزهد بأعلى منصب في الدولة، أن يجتاز هذه المحنة وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد، مما يستحق أعظم التقدير ([32]).

    قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبدالرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان ولو كان محابياً فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاّها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص ([33]).

    وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في عهد الخلفاء الراشدين : وهي الاستخلاف عن طريق مجلس الشورى ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة، ثم البيعة العامة ([34]).
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:22



    2- أول قضية واجهت عثمان قضية قتل:

    أول قضية حكم فيها عثمان قضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غداً على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلاً نصرانياً يقال له جفينة بالسيف فقتله وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أبا لؤلؤة على قتل عمر فالله أعلم ([35])، وكان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله، فقال علي: ما من العدل تركه وأمر بقتله وقال بعض المهاجرين : أيقتل أبوه بالأمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك، قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك فودي ([36])عثمان أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، والإمام يرى الأصلح في ذلك وخلىّ سبيل عبيد الله ([37])، وقد جاءت رواية في الطبري تفيد بأن الهاذبان بن الهرمزان قد عفا عن عبيد الله ([38]).

    3- الشورى في فتح إفريقية:

    ولما استأذن عبدالله بن سعد الخليفة عثمان بن عفان في غزو إفريقية جمع الصحابة واستشارهم في ذلك فأشاروا عليه بفتحها، إلا أبو الأعور سعيد بن زيد، الذي خالفه متمسكاً برأي عمر بن الخطاب في ألا يغزو أفريقية أحد من المسلمين، ولما أجمع الصحابة على ذلك دعا عثمان للجهاد، واستعدت المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية لجمع المتطوعين وتجهيزهم، وترحيلهم إلى مصر، لغزو إفريقية تحت قيادة عبدالله بن سعد وقد ظهر الاهتمام بأمر تلك الغزوة جلياً، فهذا يتضح من الذين خرجوا إليها من كبار الصحابة، ومن خيار شباب آل البيت وأبناء المهاجرين الأوائل وكذلك الأنصار، فقد خرج في تلك الغزو، الحسن والحسين، وابن عباس وابن جعفر وغيرهم([39]).



    4- الشورى في جمع القرآن في عهد عثمان:

    إن السبب الحامل لعثمان على جمع القرآن مع أنه كان مجموعاً مرتباً في صحف أبي بكر الصديق، إنما هو اختلاف قراء المسلمين في القراءة اختلافاً أوشك أن يؤدي بهم إلى أخطر فتنة في كتاب الله تعالى، وهو أصل الشريعة، ودعامة الدين، وأساس بناء الأمة الاجتماعي والسياسي والخلقي، حتى إن بعضهم كان يقول لبعض: إن قراءتي خير من قراءتك فأفزع ذلك خليفة المسلمين وإمامهم، وطلب إليه أن يدرك الأمة قبل أن تختلف فيستشري بينهم الاختلاف ويتفاقم أمره، ويعظم خطبه، فيمس نص القرآن وتحّرف عن مواضعها كلماته وآياته ([40])، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وشاورهم في الأمر، وفيهم أعيان الأمة، وأعلام الأئمة، وعلماء الصحابة وفي طليعتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعرض عثمان هذه المعضلة على صفوة الأمة وقادتها الهادين المهديين ودارسهم ودارسوه، وناقشهم فيها وناقشوه، حتى عرف رأيهم وعرفوا رأيه، فأجابوه إلى رأيه في صراحة لا تجعل للريب إلى قلوب المؤمنين سبيلاً، وظهر للناس في أرجاء الأرض ما انعقد عليه إجماعهم، فلم يعرف قط يومئذ لهم مخالف، ولا عرف عند أحد نكير، وليس شأن القرآن الذي يخفي على آحاد الأمة فضلاً عن علمائها وأئمتها البارزين ([41]).

    لقد اتفق الصحابة على جمعه بما صح وثبت من القراءة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأيا سديداً موفقاً ([42]).

    وقال علي رضي الله عنه: لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان ([43]).

    لقد ظلت الصحف في رعاية الخليفة الأول أبي بكر الصديق، ثم انتقلت بعده إلى رعاية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ثم لما عرف عمر حضور أجله ولم يول عهده أحداً معيناً في خلافة المسلمين وإنما جعل شورى في الستة أوصى بحفظ الصحف، وعنها نقل مصحفه ' الرسمي' وأنه أمر أربعة من أشهر قراء الصحابة إتقانا لحفظ القرآن ووعياً لحروفه وأداء لقراءته وفهماً لإعرابه ولغته وهم زيد بن ثابت الأنصاري، وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشـام وهـؤلاء من قريش ([44]).

    وقال عثمان للرهّط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كُلَّ أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحُرق ([45]) والفرق بين جمع أبي بكر وعثمان أن جمع أبي بكر كان لخشيته أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم دفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة ([46]).



    5- الشورى في أحداث الفتنة:

    سمع بعض الصحابة الإشاعات التي بثها عبدالله بن سبأ في الأمصار دخل محمد بن مسلمة وطلحة بن عبيد الله وغيرهما على عثمان على عجل وقالوا يا أمير المؤمنين أياتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا: فإنا أتانا، وأخبروه بما تناهي لسمعهم عن الفتنة التي تموج بها الأمصار الإسلامية، وعن الهجوم الشرس على ولاته في كل صقع، وقال: أنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشـيروا علي ؟ قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بخبرهم ([47])، فقام عثمان بإجراء سديد عظيم، وتخيرَّ نفراً من الصحابة لا يختلف اثنان في صدقهم وتقواهم وورعهم، ونصحهم، اختار محمد بن مسلمة الذي كان عمر يأتمنه على محاسبة ولاته، والتفتيش عليهم في الأقاليم، وأسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حِبّه، وأمير الجيش الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإنفاذه في آخر عهده بالدنيا فقال: أنفذوا بعث أسامة، وعمار بن ياسر، السبّاق إلى الإسلام والمجاهد العظيم، وعبدالله بن عمر، التقي الفقيه الورع، فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأسامة إلى البصرة، وعماراً إلى مصر، وابن عمر إلى الشام، وكانوا على رأس جماعة، فأرسلهم إلى تلك الأمصار الكبيرة فمضوا جميعاً إلى عملهم الشاق المضني الخطير العظيم ثم عادوا جميعاً عدا عمار بن ياسر الذي استبطأ في مصر ثم عاد، وقدموا بين يدي أمير المؤمنين ما شاهدوه وسمعوه وسألوا الناس عنه ([48])، وكان ما جاء به هؤلاء واحداً في كل الأمصار، وقالوا: أيها الناس، ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكر المسلمون، إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم ([49]) وأما ما روي عن اتهام عمار بن ياسر رضي الله عنه بالتأليب على عثمان رضي الله عنه، أسانيد الروايات التي تتضمن هذه التهمة ضعيفة لا تخلوا من علة، كما أن في متونها نكارة ([50]).

    رجع مفتشو الأمصار واتضح بأنه ليس هناك ما يوجب على الخليفة أن يعزل واحداً من ولاته والناس في عافية وعدل وخير ورحمة وأطمئنان، وأمير المؤمنين يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، ويرعى حق الله وحقوق الرعية، وما يثار هو شكوك وأراجيف وأكاذيب يبثها الحاقدون في الظلمات لكي لا يعرف مصدرها، ولكن الخليفة البار الراشد العظيم لم يكتف بهذا، بل كتب إلى أهل الأمصار ([51]).

    أما بعد : فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع على شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قِبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إليَّ أهل المدينة أن أقواماً يُشتمون، وآخرون يضربون، فيا من ضرب سراً وشتم سراً من أدعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزى المتصدقين، فلما قرئ في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا : إن الأمة لتمخّص بشر ([52]).

    فهل تريد الدنيا أن تسمع بحِزم وعزم أعلى وأشمخ من هذا الحزم والعزم من رجل زاد سنُّه عن اثنتين وثمانين سنة، وهو في هذه الفورة والقوة من المتابعة والتنقيب عن المظالم ؟ أم هل يريد الناس أن يروا عدلاً أرفع وأسمى من هذا العدل، والإنصاف، حتى إن حق أمير المؤمنين الشخصي متروك لرعيته، ما دام حق الله قائماً وحدوده مرعيّة؟ نعم عند عثمان الذي لم يقف عند ذلك، ولم يكتف بأن أرسل أمناءه للتفتيش عن أحوال الناس، وكتابته من ثم إلى أهل الأمصار، بأن يأتوا موسم الحج ليرفعوا شكاتهم – إن كانت لهم – أمام جموع الحجيج، ولم يكتف عثمان بذلك كله، بل بعث إلى عمال الأمصار أنفسهم ليواجهوا الناس عندما يرفعون مظالمهم – إن وجدت – ثم ليسألهم أمير المؤمنين عما يتناقله الناس، ليشيروا عليه بالرأي الناصح السديد الرشيد ([53]).



    6- مشورة عثمان لولاة الأمصار:

    بعث عثمان رضي الله عنه إلى ولاة الأمصار واستدعاهم على عجل: عبدالله بن عامر، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبدالله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص وهم من الولاة السابقين وكانت جلسة مغلقة وخطيرة جرت فيها الأبحاث التالية التي تقرر خطة العمل الجديد على ضوء الأخبار المتناهية إلى المدينة عاصمة دولة الإسلام ([54])، قال عثمان : ويحكم ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن يكون مصدوقاً عليكم وما يعصب ([55]) هذا إلا بي فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء ؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنت لتأخذ به أحداً فيضمنك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا عليَّ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصُنع في السر فيُلقي به غير ذي معرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم، قال : فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبدالله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية : قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتها، قال: فما الرأي : قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم، وتراضيت عنهم وزدتهم عما كان يضع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبك فتشد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين : إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شراً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعاً اللين، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتهم به عليّ قد سمعت ولكل أمر باب يؤتي منه، إن هذا الأمر الذي يخُاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يُغلق عليه فيُكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدهما، فإن سده شيء فرفق، فذاك والله ليُفتحنَّ وليست لأحد على حجة حق وقد علم الله آني لم آل الناس خيراً، ولا نفسي والله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تُدِهنوا فيها ([56]).

    كان عثمان بن عفان رضي الله عنه واضحاً صريحاً فيما لا هوادة فيه، وهي حدود الله فلا مداهنة فيها وما غير ذلك فالرفق أولى والمغفرة أفضل ولابد من تأدية الحقوق كلها ([57]) وقد جاءت روايات بسند فيه ضعف ومجهولون تشوه العلاقة بين عمرو بن العاص وعثمان رضي الله عنهما، وساهمت روايات ساقطة في مسخ صورة عمرو بن العاص رضي الله عنه وتحويل علاقته بعثمان إلى علاقة فاتك خطط لقتل أميره، ثم عاد بانتهازية ليطالب بدمه ([58])، وهذه الرواية ضعيفة ومرفوضة عند أهل التاريخ وأهل الحديث ([59]).

    وقد جاء في رواية بسند فيه ضعفاء ومجهولون أيضاً بأن عمرو بن العاص قال: يا عثمان : إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وأمضىِ قدما ([60])وجاء في نفس الرواية أن عبدالله بن عامر قال: أرى لك أن تجمرهم ([61]) في هذه البعوث حتى يهم كل رجل منهم قمل فروة رأسه ودبر دابته وتشغلهم عن الإرجاف بك ([62]) إن عثمان رضي الله عنه منع الولاة من التنكيل بمثيري الشغب، حبسهم أو قتلهم، وقرّر أن يعاملهم بالحسن واللين([63])، وطلب من عماله أن يعودوا إلى أعمالهم، وفق ما أعلنه لهم من أسلوب مواجهة الفتنة التي كان كل بصير يرى أنها قادمة ([64]).



    7- الحوار المباشر مع المعارضين في عهد عثمان:

    وهنا تتجلى الشورى في أعظم معانيها في إعطاء المعارضين حق الحديث والتكلم بما يريدون أمام الناس، فقد دعا عثمان القوم السبئيين إلى عرض ما عندهم من شبهات وإظهار ما يرونه من أخطاء وتجاوزت ومخالفات، وقع هو فيها وكانت جلسة مصارحة ومكاشفة في المسجد على مرأى ومسمع من الصحابة والمسلمين، فتكلم السبئيون وعرضوا الأخطاء التي ارتكبها عثمان – على حذر عمهم – وقام عثمان رضي الله عنه بالبيان والإيضاح وقدّم حججه وأدلته فيما فعل، والمسلمون المنصفون يسمعون هذه المصارحة والمحاسبة والمكاشفة وأورد عثمان ما أخذوه عليه، ثم بين حقيقة الأمر ودافع عن حُسن فعله وأشهد معه الصحابة الجالسين في المسجد ([65]).

    أ- قال: قالوا : إني أتممت الصلاة في السفر، وما أتّمها قبلي رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر، لقد أتممت الصلاة لما سافرت من المدينة إلى مكة، ومكة بلد فيه أهلي، فأنا مقيم بين أهلي ولست مسافراً أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم.

    ب- وقالوا : إني حميت حمى، وضيَّقتُ على المسلمين، وجعلت أرضاً واسعة خاصة لرعي إبلي، ولقد كان الحمى قبلي، لإبل الصدقة والجهاد، حيث جعل الحمى كلّ من رسول الله وأبوبكر وعمر، وأنا زدت فيه لما كثرت إبل الصدقة والجهاد، ثم لم نمنع ما شية فقراء المسلمين من الرعي في ذلك الحمى، وما حميت لما شيتي؛ ولما وليت الخلافة كنت من أكثر المسلمين إبلاً وغنماً وقد انفقتها كلها، ومالي الآن ثاغية ولا راغية، ولم يبق لي إلا بعيرات، خصَّصتهما لحجّي؛ أليس كذلك؟ فقال الصحابة : اللهم نعم.

    ج- وقالوا : إني أبقيت نسخة واحدة من المصاحف، وحرّقت ما سواها، وجمعت الناس على مصحف واحد؟ ألا إن القرآن كلام الله من عند الله وهو واحد ولم أفعل سوى أن جمعت المسلمين على القرآن ونهيتهم عن الاختلاف فيه، وأنا في فعلي هذا تابع لما فعله أبوبكر، لما جمع القرآن! أليس كذلك ؟ فقال الصحابة: اللهم نعم.

    س- وقالوا: إني رددت الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، وقد كان رسول الله نفاه إلى الطائف، إنَّ الحكم بن العاص مكّي، وليس مدنياً، وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، وأعاده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعدما رَضِي عنه فالرسول صلى الله عليه وسلم سيّره إلى الطائف وهو الذي ردّه وأعاده أليس كذلك؟ فقال الصحابة : اللهم نعم وقالوا : إني استعملت الأحداث، ووليت الشباب صغار السن، ولم أولَّ إلا رجلاً فاضلاً محتملاً مرضياً، وهؤلاء الناس أهل عملهم، فسَلوهم عنهم، ولقد ولى الذين من قبلي من هم أحدث منهم وأصغر منهم سناً، ولقد ولىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وهو أصغر ممن وليته، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قالوا لي أليس كذلك ؟ قال الصحابة: اللهم نعم؛ إن هؤلاء الناس يعيبون للناس مالاً يفسَّرونه ولا يوضحونه.

    وقالوا : إني أعطيت عبدالله بن سعد بن أبي سرح ما أفاء الله به، وإنما أعطيته خُمس الخمس، وكان مئة ألف، لما فتح إفريقية، جزاء جهاده وقد قلت له: إن فتح الله عليك إفريقية فلك خمس الخمس من الغنيمة نقلاً، وقد فعلها قبلي أبوبكر وعمر رضي الله عنه ومع ذلك قال لي الجنود المجاهدون : إنا نكره أن تعطيه خمس الخمس – ولا يحق لهم الاعتراض والرفض – فأخذت خمس الخمس من ابن سعد ورددته على الجنود وبذلك لم يأخذ ابن سعد شيئاً، أليس كذلك؛ قال الصحابة: اللهم نعم.

    ٍوقالوا : إني أحبُّ أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبيّ لأهل بيتي، فإنه لم يحملني على أن أميل معهم إلى جور وظلم الآخرين، بل أحمل الحقوق عليهم وآخذ الحق منهم وإما إعطاؤهم فإني أعُطيهم من مالي الخاص، وليس من أموال المسلمين، لأني لا استحلُّ أموال المسلمين، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صُلب مالي، أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنه، وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفنى عمري، وجعلت مالي الذي لي لأهالي وأقاربي، قال الملحدون ما قالوا ؟ وإني والله ما أخذت من مصر من أمصار المسلمين مالاً ولا فضلاً، ولقد رددت على تلك الأمصار الأموال ولم يحُضروا إلى المدينة إلا الأخماس من الغنائم، ولقد تولى المسلمون تقسيم تلك الأخماس ووضعها في أهلها؛ ووالله ما أخذت من تلك الأخماس وغيرها فلساً فما فوقه، وإنني لا أكل إلا من مالي، ولا أعطي أهلي إلا من مالي.

    وقالوا: إني أعطيت الأرض المفتوحة لرجال معينين، وإن هذه الأرضين المفتوحة، قد اشترك في فتحها المهاجرون والأنصار وغيرهم من المجاهدين، ولما قسّمت هذه الأراضي على المجاهدين الفاتحين منهم من أقام بها واستقرَّ فيها، ومنهم من رجع إلى أهله في المدينة أو غيرها، وبقيت تلك الأرض ملكاً له، وقد باع بعضهم تلك الأراضي، وكان ثمنها في أيديهم وبذلك أورد عثمان رضي الله عنه أهم الاعتراضات التي أثيرت عليه، وتولىّ توضيحها وبيان وجه الحق فيها ([66]).

    وترى من ذلك الدفاع المحكم الذي دافع به عثمان بن عفان رضي الله وساجل الصحابة فيه وذاكرهم إياه صورة لما كان يجرى من النقد المّر العنيف له رضي الله عنه، وما كان يشيعه السبئيون من قالة السوء، وما يعملون على ترويجه من باطل مزيف، فقد أجمل رضي الله ذكر الاعتراضات التي كانوا يعترضون بها عليه، وبينَّ وجه الحق يريدون رشاداً، ولا يبغون سداداً، فمجادلته لهم مجادلة رجل مخلص مع آخر يتربص به الدوائر، ويتسقط هفواته لينفذ أغراضاً ويلقي في نفوس الناس عنه إعراضاً، ومن كان شأنه كذلك ولا تقنعه الحجة، ولا يهديه الدليل، ومن يضلل الله فلا هادي له ([67]).

    وقد سمع كلامه وتوضيحه زعماء أهل الفتنة الذين بجانب المنبر، كما سمعه الصحابة الكرام، ومن معهم من المسلمين الصالحين، وتأثَّر المسلمون بكلام عثمان وبيانه وتوضيحه وصدَّقوه فيما قال، وازدادوا له حباً، وأما السبئيون دعاة الفتنة والفرقة، فلم يتأثروا بذلك، ولم يتراجعوا، لأنهم لم يكونوا باحثين عن حق، ولا راغبين في خير، إنما كان هدفهم الفتنة، والكيد للإسلام والمسلمين، وقد أشار الصحابة والمسلمون على عثمان بقتل زعماء الفتنة بسبب ما ظهر من كذبهم وتزويرهم، وحقدهم، بل أصروا عليه في قتلهم، ليتخلصّ المسلمون من شرهم، وتستقر بلاد المسلمين، ويُقضى على الفتنة التي يثيرها هؤلاء، ولكن عثمان كان له رأي آخر، وتحليل مغاير، فآثر أن يتركهم، ورأى عدم قتلهم، محاولة منه لتأخير وقوع الفتنة ولم يتخذ عثمان ضد السبئيين القادمين من مصر والكوفة والبصرة أي إجراء مع علمه بما يخططون ويريدون، وتركهم يغادرون المدينة ويعودون إلى بلادهم ([68]).


    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني ص 161.

    ([2])أوليات الفاروق د. غالب القرشي ص 122.

    ([3])أوليات الفاروق د.غالب القرشي ص 124.

    ([4])البداية والنهاية (4/142).

    ([5])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 98.

    ([6])الخلافة والخلفاء الراشدون للبهنساوي ص 213.

    ([7])أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة ص 648 رفيق العظم.

    ([8])الطبقات لابن سعد (3/164).

    ([9])الطبقات لابن سعد (3/342).

    ([10])مسلم (3/1480).

    ([11])تاريخ الطبري (58/226).

    ([12])المصدر نفسه (5/325).

    ([13])تاريخ الطبري (5/225).

    ([14])المصدر نفسه (5/225).

    ([15])المدينة النبوية فجر الإسلام، محمد شّراب (2/97).

    ([16])المصدر نفسه.

    ([17])المصدر نفسه.

    ([18])نظام الحكم والتشريع ظافراً القاسمي (1/227).

    ([19])المصدر نفسه (1/229).

    ([20])أوليات الفاروق ص 127.

    ([21])عثمان بن عفان، صادق عرجون ص 62 ، 63.

    ([22])البخاري، ك فضائل أصحاب النبي رقم 3700.

    ([23])البخاري، ك فضائل أصحاب النبي رقم 3700.

    ([24])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 106 ، 107.

    ([25])إنهارّ : أي انتصف.

    ([26])البخاري، كتاب الأحكام رقم 7207.

    ([27])شهيد الدار عثمان بن عفان، أحمد الخروف ص37.

    ([28])قوله : فقال أي عبدالرحمن مخاطباً عثمان.

    ([29])البخاري، كتاب الأحكام رقم 7207.

    ([30])التمهيد والبيان ، محمد الملقي الأندلسي ص 26.

    ([31])عثمان بن عفان، صادق عرجون ص 70 ، 71.

    ([32])مجلة البحوث الإسلامية العدد 10 ص 278.

    ([33])سير أعلام النبلاء للذهبي (1/86).

    ([34])دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص 278.

    ([35])البداية والنهاية (7/154).

    ([36])ودى: دفع دية القتلى.

    ([37])البداية والنهاية (7/154).

    ([38])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 146.

    ([39])ليبيا من الفتح العربي د.صالح المزيني ص 49.

    ([40])عثمان بن عفان صادق عرجون ص 171.

    ([41])المصدر نفسه ص 230.

    ([42])الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/88).

    ([43])عثمان بن عفان صادق عرجون ص 178 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 231.

    ([44])البخاري رقم 4987.

    ([45])المصدر نفسه ص 4987.

    ([46])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 231.

    ([47])تاريخ الطبري (5/348).

    ([48])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 361.

    ([49])تاريخ الطبري (5/348).

    ([50])فتنة مقتل عثمان د. محمد الغبان (1/17).

    ([51])تاريخ الطبري (1/349).

    ([52])المصدر نفسه (1/349) عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 362.

    ([53])عثمان بن عفان، عبدالستار الشيخ ص 212.

    ([54])عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 362.

    ([55])يعصب بي : يناط بي.

    ([56])تاريخ الطبري (5/351).

    ([57])عمرو بن العاص الأمير المجاهد، منير الغضبان ص 447.

    ([58])المصدر نفسه ص 448 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي ص 364.

    ([59])عمرو بن العاص الأمير المجاهد، منير الغضبان ص 448.

    ([60])تاريخ الطبري (5/340) عثمان للصَّلاَّبي ص 364.

    ([61])تجمرهم : يبقوا في الثغور لفترة طويلة من الزمن.

    ([62])عثمان للصَّلاَّبي ص 364.

    ([63])خلافة عثمان للسُّلمي ص 77.

    ([64])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 151.

    ([65])المصدر نفسه.

    ([66])العواصم من القواصم لابن العرين ص 61-111) تاريخ الطبري (5/356).

    ([67])تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة ص 98 ، 99.

    ([68])الخلفاء الراشدون للخالدي ص 158 ، 159.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    سابعاً: الشورى في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:24

    سابعاً: الشورى في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    1- بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    تمت بيعة علي رضي الله عنه بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاؤوا من الآفاق، ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سباقة لهم، ولا أثر خير في الدين، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه زوراً وعدوانا، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ([1]).

    قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة عليّ رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يّدع الإمامة لنفسه أحد بسعد عثمان رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه، حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يّدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه، حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقى من الصحابة بالمدينة، وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم ([2])، فقد روى أبوبكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر قال : فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي رحمه الله: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال خلَّ لا أمّ لك، قال: فأتى علي الدار، وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحداً، أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحـد أحـق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس([3])، وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية : فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحداً أحق بها منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد، فإنه ينبغي ألا تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبدالله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشـغب عليه، وأبي هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرين والأنصار فبايعوا وبايع الناس ([4]).

    ومن هذه الآثار الصحيحة بعض الدروس والعبر والفوائد منها:

    أ- نصرة على بن أبي طالب رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه ودفاعه عنه، وهذا متواتر عن علي رضي الله عنه بل كان أكثر الناس دفاعاً عن عثمان رضي الله عنه، جاء بأسانيد كثيرة، وشهد بذلك مروان بن الحكم حيث قال: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني علياً عن عثمان ([5]).

    ب- زهد علي رضي الله عنه في الخلافة وعدم طلبه لها أو طمعه فيها، واعتزاله في بيته حتى جاءه الصحابة يطلبون البيعة.

    ج- إجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامة في المدينة على بيعته، ويدخل في هؤلاء أهل الحل والعقد، وهم الذين قصدوا عليَّاً وطلبوا منه أن يوافق على البيعة وألحوا عليه حتى قبلها، وليس للغوغاء وقتلة عثمان كما في بعض الروايات الضعيفة والموضوعة.

    ح- إن علياً كان أحق الناس بالخلافة يؤمئذ، ويدل على ذلك قصد الصحابة له، وإلحاحهم عليه، ليقبل البيعة، وتصريحهم بأنهم لا يعلمون أحق بالخلافة منه يؤمئذ.

    س- أهمية الخلافة، ولذلك رأينا أن الصحابة أسرعوا في تولية علي، وكان يقول: لولا الخشية على دين الله لم أجبهم ([6]).

    ش- إن الشبهة التي أدخلوها على بيعة علي، كون الخوارج الذين حاصروا عثمان وشارك بعضهم في قتله، كانوا في المدينة وأنهم أول من بدؤوا بالبيعة وأن طلحة والزبير بايعا مكرهين، وهذه أقاويل المؤرخين، لا تقوم على أساس وليس لها سند صحيح، والصحيح أنه لم يجد الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان، كالرابع قدراً وعلماً وتقى وديناً وجهاداً، فعزم عليه المهاجرين والأنصار، ورأى ذلك فرضاً عليه، فانقاد إليه، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي، لأدى ذلك إلى فتن واختلافات في جميع الأقطار الإسلامية، فكان من مصلحة المسلمين أن يقبل علي البيعة مهما كانت الظروف المحيطة بها، ولم يتخلف عن علي أحد من الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وقد خلط الناس بين تخلف الصحابة عن المسير معه إلى البصرة وبين البيعة: أما البيعة فلم يختلفوا عنها، وأما المسير معه فتخلفوا عنه لأنها كانت مسألة اجتهادية ([7])، كما أن علياً لم يلزمهم بالخروج معه وقبل عذر من اعتذر عن ذلك.

    ع- لابد من الحذر من مبالغات الإخباريين التي تزعم أن المدينة بقيت خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ([8])، وتزعم أن الغوغاء من مصر عرضت الأمر على علي فرفضه، وأن خوارج الكوفة عرضوا الخلافة على الزبير، فلا يجدونه، ومن جاء من البصرة عرضوا على طلحة البيعة، فهذا لا يثبت أمام الروايات الصحيحة ولا يصح إسناده([9])، كما أن المعروف تمكن الصحابة من المدينة وقدرتهم على القضاء على الغوغاء لولا طلب عثمان رضي الله عنه، بالكف عن استخدام القوة ضدهم وقد فصلت ذلك في كتابي : تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان، والصحيح أن بيعة على كانت عن طواعية واختيار من المسلمين وليس لأهل الفتنة دور في مبايعة علي، وإنما كل من كان من الصحابة في المدينة هم الذين اختاروا أمير المؤمنين علياًّ رضي الله عنه.

    ك- بلغت الروايات الصحيحة والشواهد في بيعة علي رضي الله عنه إحدى عشرة رواية ([10]).



    2- انعقاد الإجماع على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    كانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهما بعد ما كان ([11]).

    إن خلافة علي رضي الله عنـه محل إجماع على أحقيتها وصحتها في وقت زمانها، وذلك بعد قتل عثمان – رضي الله عنه حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه رضي الله عنه، فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها ([12]).

    اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي فقالوا:

    - أن أهل الشام – معاوية ومن معه – لم يبايعوه بل قاتلوه ([13]).

    والجواب: أن معاوية – رضي الله عنه – لم يقاتل علياً على الخلافة ولم ينكر إمامته، وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئاً في اجتهاده ذلك، فله أجر الاجتهاد فقط ([14])، وقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع علي – رضي الله عنه – كان في قتل قتلة عثمان ولم ينازعه في الخلافة، بل كان يقر له بذلك، فعن أبي مسلم الخولاني أنه جاء وأناس معه، إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع علياَّ، هل أنت مثله؟ فقال: لا والله، وإني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر منى، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً،وأنا ابن عمه والطالب بدمه؟ فأتوه فقولوا له: فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياًّ فكلموه فلم يدفعهم إليه([15]).

    ويروي ابن كثير من طرق بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة – رضي الله عنهما – أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له:، فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام([16]).

    والروايات معاوية لعلي – رضي الله عنهما – في الخلافة. ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها ([17])، يقول إمام الحرمين الجويني : إن معاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب وكان مخطئاً ([18]).

    وكان أمير المؤمنين علي موافقاً من حيث المبدأ على وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان رأيه أن يرجىْ الاقتصاص من هؤلاء إلى حين استقرار الأوضاع وهدوء الأمور واجتماع الكلمة ([19]).

    3- حقيقة الشورى في بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    إن البيعة للخليفة الرابع علي رضي الله عنه لم تختلف من حيث مبدأ الشورى عن مثيلتها السابقة بالرغم من الأزمة التي ألمت بالأمة، والأحوال، المدلهمة والمشكلات المتتابعة، فلم تتم البيعة على أساس عشائري، أو أسري، أو قبلي، أو على أساس عهد ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وجد شيء من هذا القبيل لما حصل هذا الحوار الطويل، ولما رفض أمير المؤمنين، ولكان أول من يطالب بحقه. بينما كان الناس هم الذين يدفعونه إلى البيعة دفعاً ويلحون عليه في الطلب إلحاحاً، وهو يروغ منهم متخلصاً لعله يحدث ما يمنعه من ذلك إلى أن قبل على كره منه، ولم يطالبوه بهذا على أساس وصية من رسول الله له – ولو وجدوا شيئاً من ذلك لما ترددوا في تنفيذه – ولا على أساس أنه من عبد مناف أو لأنه من قريش فحسب، بل لأنه من السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة، ولآنه الثاني بعد عثمان في اختيار الناس لهما عند تطبيق عملية الشورى بعد مقتل عمر بن الخطاب، فكان عبدالرحمن بن عوف لا يشير عليه أحد بتنصيب عثمان خليفة بعد عمر إلا سأله : ولو لم يكن عثمان موجوداً فمن تختار ؟ فيقول: علي رضي الله عنه ([20]).



    4- من أقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الشورى:

    كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حريصاً على التزام منهج الشورى في تصرفاته وأعماله وقراراته، فمن ذلك أنه حينما وصل إليه كتاب من قائده معقل بن قيس الرياحي المكلف بمحاربة الخريث بن راشد الخارجي جمع أصحابه وقرأ عليهم كتابه واستشارهم وطلب منهم الرأي حيث اجتمع رأي عامتهم على قول واحد وهو: نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس فيتبع أثر الفاسق فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس ([21])ومما روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في الشورى قوله: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه ([22]) وقوله نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد ([23]) وقوله: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام ([24])، ومما أوصى به أمير المؤمنين علي مالك بن الحارث الأشتر حين بعثه إلى مصر في الشورى قوله: ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً فيعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا فيضعفك عن الأمور، ولا حريصاً فيزين لك الشرة بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ([25])، وكان علي رضي الله عنه يعلم أن الحاكم إذا لم يكن له مستشارون فلا يعلم محاسن دولته ولا عيوبها وسوف يغيب عنه الكثير في شؤون الدولة وقضايا الحكم، وكان يعلم أن الشورى تعرفه ما يجهله، وتضع أصابعه على مالا يعرفه، وتزيل شكوكه في كل الأمور التي يقدم عليها، فها هو يقول للأشتر النخعي عندما ولاه مصر: انظر في أمور عمالك الذين تستعملهم، فليكن استعمالك إياهم اختياراً ولا يكن محاباة ولا إيثاراً، فإن الأثرة بالأعمال – أي الاستبداد بلا مشورة – والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله، وإدخال الضرر على الناس، وليست تصلح أمور الناس، ولا أمور الولاة إلا بالإصلاح من يستعينون به على أمورهم، ويختارونه لكفاية ما غاب غيهم، فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعفة والسياسة والصق بدوي التجربة والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة وأهل الدين والورع، فإنهم أكرم أخلاقاً وأشد لأنفسهم صوناً وإصلاحاً وأقل في المطامع إسرافاً، وأحسن في عواقب الأمور نظراً من غيرهم فليكونوا عمالك وأعوانك ([26]).


    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1])الطبقات لابن سعد(3/31).

    ([2])عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام، ناصر علي عايض حسن الشيخ (2/677).

    ([3])كتاب السنة لأبي بكر الخلال ص 415.

    ([4])كتاب السنة لأبي بكر الخلال ص 416.

    ([5])بيعة علي بن أبي طالب، مالك الخالدي ص 2 اسناده قوي.

    ([6])فتح الباري (13/75) اسناده صحيح.

    ([7])المدينة النبوية، محمد سّراب (2/311).

    ([8])تاريخ الطبري (4/432).

    ([9])استشهاد عثمان ووقعة الجمل د. خالد الغيث ص 126 - 140.

    ([10])بيعة علي بن أبي طالب ص 122.

    ([11])فتح الباري (7/72).

    ([12])عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة (2/693).

    ([13])المصدر نفسه (2/695).

    ([14])العواصم من القواصم ص 150 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 286.

    ([15])البداية والنهاية (7/265) تحقيق مواقف الصحابة (2/147).

    ([16])البداية والنهاية (7/270).

    ([17])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 186.

    ([18])المصدر نفسه ص 186.

    ([19])المصدر نفسه ص 293.

    ([20])علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 188.

    ([21])تاريخ الطبري (6/39).

    ([22])أدب الدنيا والدين للماوردي ص 89 ، علي بن أبي طالب ص 225.

    ([23])الإدارة العسكرية، آل كمال (1/279).

    ([24])علي بن أبي طالب ص 225.

    ([25])الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية (1/279).

    ([26])الشورى بين الأصالة والمعاصرة. عز الدين التميمي ص 102، علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 226.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    ثامناً: الشورى في عهد الحسن بن علي بن أبي طالب:

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:25


    ثامناً: الشورى في عهد الحسن بن علي بن أبي طالب:

    1 ـ بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه!

    كانت بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه في شهر رمضان من سنة 40 هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي[1]، وقد أختار الناس الحسن بعد والده ولم يعين أمير المؤمنين أحداً من بعده , فعن عبدالله بن سبع قال: سمعت علياً يقول: لتخضبن هذه من هذا فما ينتظر بي الأشقى[2], قالوا: يا أمير المؤمنين, فأخبرنا به نبير عترته[3], قال: إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي: قالوا فاستخلف علينا قال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته, قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك, ثم قبضتني إليك وأنت فيهم فإن شئت أصلحتهم, وإن شئت أفسدتهم,[4] وفي رواية أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك, ثم قبضتني وتركتك فيهم,[5] وبعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى عليه الحسن بن علي وكبر عليه أربع تكبيرات, ودفن بالكوفة, وكان أول ما بايعه قيس بن سعد: قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المُحلَّين, فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه, فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط: فبايعه وسكت, إنكم سامعون مطيعون, تسالمون من سالمت, وتحاربون من حاربت,[6]وفي رواية ابن سعد: إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين, بايعهم على الأمرة, وبايعهم على ان يدخلوا فيما دخل فيه, ويرضوا بما رضي به[7]

    2- بطلان قضية النص على خلافة الحسن:

    عند حديثنا عن بيعة الحسن رضي الله عنه تبرز أمامنا قضية يروج لها الشيعة الأمامية بقوة ألا وهي قضية النص على خلافة الحسن رضي الله عنه[8] وهذا الأمر يعد من المفتريات، حيث لم يصح النقل في ذلك شيئاً.

    إن الشيعة يعتقدون أن الأمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عز وجل, على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأنها مثلها لطف من الله عز وجل, ولا يجب أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى, وليس للبشر حق اختيار الأمام وتعيينه, بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي بعده, وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك, منها مانسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله ما هو إلا عهد من رسول الله رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها[9]

    ويعتقد الشيعة الإمامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص على الأئمة من بعده وعينهم بأسمائهم وهم اثنا عشر إماماً لا ينقصون ولا يزيدون:

    و أساس عقيدة الوصية هو ابن سبأ وكان ينتهي بأمر الوصية عند علي رضي الله عنه ولكن جاء فيمن بعده من عممها في مجموعة من أولاده وكانت الخلايا الشيعية الإمامية تعمل بصمت وسرية وكان أئمة أهل البيت ينفون ذلك نفياً قاطعاً, كما فعل جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ولذلك أخترع أولئك الأقوام من الشيعة على أهل البيت الأطهار ((عقيدة التقية)) حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس[10]

    إن من أخطر الأمور التي أبتدعها الشيعة الوصية وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة بعد وفاته مباشرة إلى علي رضي الله عنه أن من سبقه مغتصبين لحقه كما جاء في كتابهم ((الكافي)) : من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية, ولكن الاستقراء التاريخي لتاريخ الخلفاء الراشدين, لا نجد للوصية ذكراً في خلافة أبي بكر ولا في عمر رضي الله عنهما, وإنما لا نجد بداية ظهورها في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه, عند بزوغ قرن الفتنة, وقد استنكر الصحابة هذا القول, عندما وصل إلى أسماعهم, وبينوا كذبه, ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب, وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما, ثم نرى هذا القول يتبلور في فكرة موجهة, وعقيدة تدعو إلى الإيمان بها والدعوة إليها, وذلك في خلافة علي رضي الله عنه, وهذه الوصية التي تدعيها الشيعة فقد أثبت علماؤهم أنها من وضع عبدالله بن سبأ كما ذكر ذلك النوبختي و الكشي, وقد فصلت ذلك في كتابي (أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن طالب رضي الله عنه[11].
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    تاسعاً: الشورى في دولة عمر بن عبد العزيز:

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:25


    تاسعاً: الشورى في دولة عمر بن عبد العزيز:

    وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته, ومن أقواله في الشورى: إن المشورة و المناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا يضل معهما رأي, ولا يفقد معهما حزم[12], وكان أول قرار اتخذه عمر بعدما ولي أمر المدينة للوليد ابن عبد الملك, يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى وجعله أساساً في إمارته, حين دعا من فقهاء المدينة وكبار علمائها, وجعل منهم مجلساً استشارياً[13] دائماً.

    فعندما جاء الناس للسلام على الأمير الجديد بالمدينة وصلى دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة, و أبوبكر بن عبدالرحمن بن الحارث ابن هشام, و أبوبكر بن سليمان بن أبي خيثمة, وسليمان بن يسار, والقاسم بن محمد, وسالم ابن عبد الله بن عمر, و أخوه عبد الله بن عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عامر بن ربيعة, وخارجة بن زيد بن ثابت, فدخلوا عليه فجلسوا فحمدا الله وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه, وتكونون فيه أعواناً على الحق, إني لا أريد أن أقطع أمراُ إلا برايكم أو برأي من حضر منكم, فإن رأيتم أحداً يتعدى, أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فاحّرج الله على من بلغه ذلك إلا أبلغني[14] فقد أحدث عمر بن عبدالعزيز مجلساً, حدّد صلاحياته بأمرين:

    1ـ أنهم أصحاب الحق قي تقرير الرأي, وأنه لا يقطع أمراً إلا برأيهم, وبذلك يكون الأمير قد تخلى عن اختصاصاته إلى هذا المجلس, الذي نسميه مجلس العشرة.

    2-انه جعلهم مفتشين على العمل, ورقباء على تصرفاتهم فإذا مااتصل بعلمهم أو بعلم أحدهم أن عاملاً ارتكب ظلامة, فعليهم أن يبلغوه وإلا فقد استعدى الله على كاتم الحق

    ونلاحظ كذلك على هذا التدبير قد تضمن أمرين:

    1-أن الأمير عمر بن عبدالعزيز لم يخصص تعويضاً لمجلس العشرة لأنهم كانوا من أصحاب العطاء, وبما أنهم فقهاء, فما ندبهم إليه داخل في صلب اختصاصهم

    2- ان عمر افترض - غياب أحدهم عن الحضور لعذر من الاعذار ولهذا لم يشترط في تدبيره حضورهم كلهم, وإنما قال: أوبرأي من حضر منكم[15]

    إن هذا المجلس كان يستشار في جميع الأمور دون استثناء[16]

    ونستنتج من هذه القصة أهمية العلماء الربانيين وعلو مكانتهم وأنه يجب على صاحب القرار أن يدنيهم ويقربهم منه ويشاورهم في أمور الرعية, كما أنه على العلماء أن يلتفوا حول الصالح من أصحاب القرار من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن للمصالح وتقليل ما يمكن من المفاسد, كما أن عمر بن عبدالعزيز لم يختصر في شواره على هؤلاء فحسب, بل كان يستشير غيرهم من علماء المدينة, كسعيد بن المسيب, والزهري وغيرهم وكان لايقضي في قضاء حتى يسأل سعيد, وفي المدينة أظهر عمر بن عبدالعزيز إجلاله للعلماء وإكباره لهم.

    وقد حدث أن أرسل رحمه الله تعالى رسولا إلى سعيد بن المسيّب فأخذ سعيد نعليه وقام إليه في وقته, فلما رآه عمر قال له: عزمت عليك يا أبا محمد إلا رجعت إلى مجلسك حتى سألك رسولنا عن حاجتنا, فإنا لم نرسله ليدعوك, ولكنه أخطأ أنما أرسلناه ليسألك[17]

    وفي إمارته على المدينة المنورة وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه بأمر الوليد بن عبدالملك, حتى جعله مائتي ذراعاً في مائتي ذراع, ذخرفة بأمر الوليد بن عبد الملك مع أنه ـ رحمه الله ـ كان يكره ذخرفة المساجد ويتضح من موقف عمر بن العزيز هنا أنه قد يضطر الوالي للتجاوب مع قرارات ممن هو أعلى منه حتى وإن كان غير مقتنع بها إذا قدر أن المصلحة في ذلك من وجوه أخرى، وفي إمارته على المدينة في سنه 91هـ حج الخليفة الوليد بن عبدالملك فاستقبله عمر بن عبدالعزيز أحسن استقبال, وشاهد الوليد بأم عينيه الإصلاحات العظيمة التي حققها عمر بن عبدالعزيز في المدينة المنورة[18]



    * في خلافته:

    كان خطابه عندما تولي الخلافة كالآتي: أيها الناس, إني قد ابتليت بهذا الأمر, من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين, واني قد خلعت مافي أعناقكم من بيعتي ((فاختاروا لأنفسكم)) فصاح الناس صيحة واحدة, قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فول أمرنا باليمن والبركة[19]

    وبذلك خرج عمر من مبدا توريث الولاية الذي تبناه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب, ولم يكتف عمر باختياره ومبايعة الحاضرين, بل يهمه رأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم, فقال في خطبته الأولى-عقب توليه الخلافة-: .. وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم, وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ, ثم نزل[20].

    وقد كتب إلي الأمصار الأسلامية فبايعت كلها, وممن كتب لهم يزيد بن المهلب يطلب إليه البيعة بعد أن أوضح له إنه في الخلافة ليس براغب, فدعا يزيد الناس إلى البيعة فبايعوا,[21] وبذلك يتضج أنه لم يكتف بمشورة من حوله بل امتد الأمر إلى جميع أمصار المسلمين ونستنتج من موقف عمر هذا ما يلي :

    1- أن عمر كشف النقاب عن عدم موافقة الأصول الشرعية في تولي معظم الخلفاء الأمويين.

    2- حرص عمر على تطبيق الشورى في أمر يخصه هو, ألا وهو توليه الخلافة.

    3 ـ أن من طبق مبدأ الشورى في أمر مثل تولي الخلافة حري بتطبيقه فيما سواه.

    وكان عمر يستشير العلماء, ويطلب نصحهم في كثير من الأمور أمثال سالم بن عبدالله, ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة وغيرهم, فقال: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا[22] عليّ. كما كان يستشير ذوي العقول الراجحة من الرجال[23] وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لما تولى الخلافة, فقرب إلى مجلسه العلماء وأهل الصلاح, وأقصى عنه أهل المصالح الدنيوية والمنافع الخاصة, ولم يكتف رحمه الله بانتفاء بطانته, بل كان زيادة على ذلك يوصيهم ويحثهم على تقويمه , فقال لعمر بن مهاجر: اذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قل : يا عمر ما تصنع[24]؟, وقد كان لهذا المسلك أثر في تصحيح سياسته التجديدية ونجاحها , حيث كان لبطانته أثر في شد أزره , وسداد رأيه وصواب قراره[25], فمن أسباب نجاح عمر بن عبد العزيز تقريبه لأهل العلم والصلاح وانشراح صدره لهم ومشاركتهم معه لتحمل المسؤلية فنتج عن ذلك حصول الخير العميم للإسلام والمسلمين[26]
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    عاشراً: الشورى في عهد نور الدين زنكي:

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:26


    عاشراً: الشورى في عهد نور الدين زنكي:

    تولى حركة المقاومة الإسلامية ضد الصليبيين في عهد الحروب الصليبية بعد عماد الدين عام 541هـ ابنه نور الدين محمود زنكي وقد تميزت شخصيته بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق الحميدة التي ساعدته ـ بعد توفيق الله ـ على تحقيق انجازاته العظيمة والتي من أهمها : الجدية والذكاء المتوقد , والشعور بالمسؤولية , وقدرته على مواجهة المشاكل والأحداث , ونزعته للبناء والأعمار , وقوة الشخصية ومحبة المسلمين له , واللياقة البدانية العالية , وتجرده وزهده الكبير , وشجاعته الفائقة , ومفهومة للتوحيد وتضرعه ودعاؤه , ومحبته للجهاد والشهادة , وعبادته وانفاقه وكرمه واتخذ نور الدين محمود زنكي من سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله نموذجاً يقتدي به في دولته , فقد كتب الشيخ العلامة أبو حفص معين الدين عمر بن محمود الاربلي سيرة عمر بن عبد العزيز لكي يستفيد نور الدين منها في ادارة دولته ولقد آتت معالم الاصلاح والتجديد الراشدي في عهد عمر بن عبد العزيز ثمارها في الدولة الزنكية , فقد اقننع نور الدين بأهمية التجارب الاصلاحية فى تقوية واثراء المشروع النهضوي وأهميته في ايجاد وصياغة الرؤية اللازمة في نهوض الأمة وتسلمها القيادة , فللتجارب التاريخية دور كبير في تطوير الدول وتجديد معاني الايمان في الأمة وكانت أهم معالم التجديد والاصلاح التي قام بها نور الدين محمود , الحرص على تطبيق الشريعة ولقد تحققت في دولة نور الدين محمود آثار تحكيم شرع الله , من التمكين والأمن والاستقرار والنصر والفتح المبين والعز والشرف وبركة العيش ورغد الحياة في عهده وانتشار الفضائل وانزواء الرذائل .

    وكان نور الدين محمود قدوة في عدله , أسر القلوب وبهر العقول , فقد كانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس , وقد نجح في ذلك على صعيد الواقع والتطبيق نجاحاَ منقطع النظير , حتى اقترن اسمه بالعدل وسمي بالملك العادل , وكان من أسباب نصر الله لهذا الملك العادل على الباطنية والصليبيين اقامته للعدل في الرعية وايصال الحقوق الى أهلها , فالعدل في الرعية وانصاف المظلوم يبعث في الأمة العزة والكرامة ويولد جيلاَ محاربا وأمة تحررت ارادتها بدفع الظلم عنها , وقد سجل التاريخ بأن نور الدين محمود ساد العدل في دولته , وتم ايصال حقوق الناس اليهم فنشطوا الى الجهاد والدفاع عن دينهم وعقيدتهم وأوطانهم وأعراضهم ومن أبرز أعماله التجديدية اقامته للعدل , وقد أولى نور الدين المؤسسة القضائية اهتماماَ كبيراَ وجعلها قمة أجهزته الادارية وخول القضاة على اختلاف درجاتهم في سلم المناصب القضائية صلاحيات واسعة , ان لم نقل مطلقة ومنحهم استقلالاَ تاماَ , لكونهم الأداة التنفيذية لاقرار مبادى الحق والعدل , وتحويل قيم الشريعة ومبادائها الى واقع ملتزم , وتوجت جهوده باٍنشاء دار العدل التي كانت بمثابة محكمة عليا لمحاسبة كبار الموظفين , واٍرغامهم على سلوك المحجة البيضاء, أو طردهم واستبدالهم بغيرهم إن اقتضي الأمر ولم يترك نور الدين في بلد من بلاده ضريبة ولامكساً ولاعشراً إلاورفعها جميعها من بلاد الشام والجزيرة وديار مصر وغيرها مما كان تحت حكمه وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن نشط الناس للعمل, فأخرج التجار أموالهم ومضوا يتاجرون, وجاءت الجبايات الشرعية بأضعاف ما كان يجبى من وجوه الحرام, يقول ابن خلدون: العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم, وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها, وانقبضت أيديهم عن السعي في ذلك, وعلى قدر الاعتداء ونسبته, يكون انقباض أيديهم عن المكاسب, كسدت أسواق العمران وانتقصت الأحوال, ويقول: العدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم يفضي إلى الخلل والفساد دفعة, وتنتقض الدولة سريعاً[27].

    1- الشورى في القضايا العامة:

    اهتم الملك العادل نور الدين محمود زنكي بالشورى, فقد رأى أهميتها في حيوية الأمة وأمنها واستقرارها والأهم من ذلك كله أن الله أنزل فيها سورة في القرآن الكريم حملت اسمها, وهو مبدأ أرشد إليه القرآن الكريم, وهو يمثل أرقى أشكال التعاون قال تعالى: ' وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وأَمْرُهمُْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ' (الشورى, آية: 38).

    كما أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه بشكل لا يقبل التأويل في قوله تعالى ' وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ' ( ال عمران, اية: 159).



    قال الشاعر:

    إذا بـلـغ الرأي المـشورة فاستعـن

    برأي لبيب أو مشورة حازم



    ولا تجعل الشورى عليك غضاضة

    فـإن الحـوافـي قــوة للقــوادم[28]



    وكان نور الدين زنكي يرى أن الشورى واجبة على الحاكم في الشريعة الإسلامية, وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء والفقهاء, فلا يحل للحاكم أن يتركها, وأن ينفرد برأيه دون مشورة المسلمين من أهل الشورى, كما لا يحل للأمة الإسلامية أن تسكت على ذلك , وأن تتركه ينفرد بالرأي دونها ويستبد بالأمر دون أن يشركها[29] فيه فالأمة لاتنهض اٍلا اٍذا أخذت بفقه النهوض , والذي منه ممارسة الشورى في نطاقها الواسع , ولقد اعتمدها نور الدين محمود ولم ينفرد باتخاذ القرارات بل تبادل الآراء في كل أمور الدولة , فكان له مجلس فقهاء يتألف من ممثلي سائر المذاهب وأهل الاختصاص في شؤون الحياة يبحث معهم في أمور الادارة والنوازل والميزانية وثمة وثيقة قيمة يثبتها أبو شامة بنصها عن احدى المحاضر التي دونت بصدد عدد من قضايا الوقف والأملاك , كانت قد أدخلت ضمن أوقاف الجامع الأموي بدمشق وسعى نور الدين , الى فصلها واعادتها الى قطاع المنافع العامة وبخاصة مسائل الدفاع والأمن , وقد تمثلت في تلك الوثيقة بوضوح الرغبة الجادة لدى نور الدين الأسلوب الشوري الحر باعتباره الطريق الذي لا طريق غيره للوصول الى الحق[30], ففي تاسع عشر صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة أحضر نور الدين أعيان دمشق من القضاة ومشايخ العلم والرؤساء[31], وسألهم عن المضاف الى أوقاف الجامع بدمشق من المصالح ليفصلوها منها , وقال لهم: ليس العمل الا ماتتفقون عليه وتشهدون به , وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يجتمعون ويتشاورون في مصالح المسلمين , ولايجوز لأحد منكم أن يعلم من ذلك شيئاَ الا ويذكره ولاينكر شيئاَ مما يقوله غيره الا وينكره , والساكت منكم مصدق للناطق ومصوب له , فشكروه على ما قال ودعوا له , وفصلوا له المصالح من الوقف , فقال نور الدين: ان أهم المصالح سد ثغور المسلمين وبناء السور المحيط بدمشق والفضيل والخندق لصيانة المسلمين وحريمهم وأموالهم ثم سألهم عن فواضل الأوقاف هل يجوز صرفها في عمارة الأسوار وعمل الخندق للمصلحة المتوجهة للمسلمين[32], فأفتى شرف الدين المالكي بجواز ذلك ومنهم من روّى في مهلة النظر , وقال الشيخ ابن عصرون الشافعي: لا يجوز أن يصرف وقف مسجد الى غيره , ولا وقف معين الى جهة غير تلك الجهة وإذا لم يكن بد من ذلك فليس طريقه إلا أن يقترضه من إليه الأمر من بيت مال المسلمين فيصرفه في المصالح ويكون القضاء واجباَ من بيت المال , فوافقه الأئمة الحاضرون معه على ذلك , ثم سأل ابن ابي عصرون نور الدين: هل أنفق شئ قبل اليوم على سور دمشق وعلى بناء ((بعض)) العمارات المتعلقة بالجامع المعمور بغير إذن مولانا ؟ وهل كان إلا مبلغاَ للأمر في عمل ذلك ؟ فقال نور الدين لم ينفق ذلك ولاشئ منه إلا بإذني وأنا أمرت به[33].

    2- مجالس متخصصة:

    كان مجلسه ندوة كبيرة يجتمع إليها العلماء والفقهاء للبحث والنظر[34], ولم تكن المناظرات التي شهدتها مجالسه تزجية للوقت, وتخريجاً نظرياً للفروع على الأصول, ونزفاً فكرياً, إنما كانت نشاطا جاداً من أجل مجابهة المشاكل والتجارب المتجددة المتغيرة, بالحلول المستمدة من شريعة الإسلام وفقهها الواسع الكبير, مادام الرجل يسعى إلى إعادة صياغة الحياة في ميادينها كافة, وعلى مدى مساحاتها بما ينسجم وعقيدة الإسلام و رؤياه لموقع الإنسان في العالم ومن ثم فإن ندوات كهذه أشبه بمجالس أو ((لجان برلمانية)) متخصصة تجتمع بين الحين والحين لحلّ مشكلة ما, أو استعداد تشريع, أو إقرار قانون, ونحن نذكر هنا ذلك الاجتماع الموسّع الذي مرّ ذكره مع حشد من العلماء الذين اختيروا لكي يمثلوا المذاهب الفقهية كافة من أجل النظر في عدد من قضايا الوقت والمصالح العامة[35]، وقد شبه ابن الأثير مجلسه بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: مجلس حلم وحياء, لاتؤبن فيه الحرم ولايذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين, والمشورة في أمر الجهاد وقصد بلاد العدو ولا يتعدى هذا[36] .

    وقد بين ابن الأثير رواية أخرى تحدث فيها عن قيام نور الدين باستحضار عدد من الفقهاء واستفتائهم في أخذ ما يحلّ لهم من الغنيمة, ومن الأموال المرصده لمصالح المسلمين, فأخذ ما أفتوه بحلّه ولم يتعدّه إلى غيره البتة[37] فما يصدر عن ممثلي الشريعة الغراء يتوجب أن يكون ملزماً لكل إنسان سواء كان في القمة أم في القاعدة, وقولهم هو قول الفصل, لأن نور الدين – ما كان يريد أن يمارس الاستشارات القانونية المزدوجة يبرز للناس أنه لايقدم على عمل إلا بعد الاطلاع على رأي قادة فكرهم ومشرّعي قوانينهم, ويسعى في الخفاء إلى تنفيذ ما كان قد اعتزمه مسبقاً, مهما كانت درجة تناقضه مع طروحات اللجان الاستشارية والتشريعية والبرلمانية التي ستكون بمثابة الرداء الخارجي الذي يحمي في داخله مضامين وممارسات لا تمتد إلى لون الرداء ونسيجه في شئ[38], وكان يكاتب العلماء للاستشارة, فقد ذكر ابن الجوزي أن نور الدين كاتبه مراراً, وكان نور الدين يسأل العلماء والفقهاء عما يُشكل عليه من الأمور الغامضة وكان يقول لمستشاريه من العلماء والفقهاء: بالله انظروا أي شيء علمتموه من أبواب البر والخير دلوّنا عليه, وأشركونا في الثواب, فقال له شرف الدين بن أبي عصرون: والله ما ترك المولى شيئاً من أبواب البر إلا وقد فعله ولم يترك لأحد بعده فعل خير إلا وقد سبقه إليه[39] لقد مارس الملك العادل نور الدين محمود زنكي الشورى على أسس صحيحة في دولته وكانت له مجالس شورية يلتقي فيها القادة العسكريون والإداريون مع العلماء والفقهاء, فكل حاكم يريد لحكمه أن يستمر ولنظام دولته أن يستقر عليه أن يكون حريصاً على الإلمام بحقيقة الأوضاع ببلاده, والشورى خير سبيل لتحقيق هذه الغاية.

    ومع تطور أمور الحياة لاغنى لأمه تريد أن تنهض عن مبدأ الشورى, ولا مانع من ضبط ممارسة الشورى وفق نظام أو منشور أو قانون يعرف فيه ولي الأمر حدود ما ينبغي أن يشاور فيه ومتى وكيف؟ وتعرف الأمة حدود ما تستشار فيه ومتى؟ وكيف؟ لأن الشكل الذي تتم به الشورى ليس مصبوباً في قالب حديدي,[40] فأشكال الشورى وأساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها وإجراءاتها ليست من قبيل العقائد وليست من القواعد الشرعية المحكمة التي يجب التزامها بصورة واحدة في كل العصور والأزمنة, وإنما هي متروكة للتحري والاجتهاد والبحث والاختيار, أما أصل الشورى فإنه من قبيل المحكم الثابت الذي لا يجوز تجاهله أو إهماله لأن الشورى في جميع الأزمنة مفيدة ومجدية, والدكتاتورية أو حكم الفرد في جميع الأمكنة والأزمنة كريهة ومخربة[41].


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الطبقات (3/35 ـ 38) تحقيق د. إحسان عباس.

    [2] مجمع الفوائد (9/139) مسند أحمد (2/325) حسن لغيره

    [3] نبير عترته: نهلك أقرباءه لسان العرب (4/5) (4/538)

    [4] مسند أحمد (2/325) حسن لغيره الموسوعة الحديثة

    [5] كشف الاستتار عن فوائد البزار (3/24)

    [6] الطبقات تحقيق د.محمد السلمي (1/286 , 287)

    [7] الطبقات تحقيق السلمي ص172

    [8] فرق الشيعة النوبختي ص34

    [9] الإمامة والنص, فيصل نور ص8.

    [10] أصول الشيعة الإمامية للقفاري((/2/800)).

    [11] خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي بن أبي طالب ص 174.

    [12] أدب الدنيا والدين للماوردي ص 189.

    [13] النموذج الإعدادي المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز ص 283.

    [14] موسوعة فقه عمر بن عبدالعزيز, قلعجي ص 548.

    [15] نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (1/562).

    [16] نظام الحكم في الأسلام بين النظرية والتطبيق ص 391.

    [17] سيرة عمر بن عبدالعزيز ومناقبه ص 23 لابن عبدالحكم.

    [18] موسوعة عمر بن عبدالعزيز ص20.

    [19] سيرة مناقب عمر بن عبدالعزيز بن ص65.

    [20] البداية والنهاية (12/657).

    [21] والنموذج الأداري المستخلص من إدارة عمر ص 285.

    [22] سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز ص 16

    [23] الدولة الاموية للصَّلابي (2/125)

    [24] - أثر العلماء في الحياة السياسية ص 175 إلى 177 للخرعان.

    [25] - المصدر نفسه ص 178.

    [26] - الدولة الأموية (2\126) للصلابي.

    [27] -الدولة الزنكية للصلابي ص 635 , 636.

    [28] - فقة النصر والتمكين في القرآن الكريم الدولة.

    2- الزنكية ص 254 للصلابي..

    3- نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 80..

    4- نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 80.


    [32] - كتاب الروضتين نقلا عن نور الدين محمود ص 81.

    [33] - المصدر نفسه ص 82.

    [34] - الدولة الزنكية ص 255.

    [35] نورى الدين محمود الرجل والتجربة ص 133.

    [36] الباهر ص173

    [37] المصدر نفسه ص71,173.

    [38] نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 134.

    [39] المنتظم لابن الجوزي (10/249).

    [40] فقه النصر والتمكين للصِّلابي ص464.

    [41] الدولة الزنكية للصِّلاَّبي ص 257.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    المبحث الثاني: فوائد الشورى وأحكامها ومجالاتها.

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:27


    المبحث الثاني: فوائد الشورى وأحكامها ومجالاتها.


    أولاً: فوائد الشورى:


    إن التعريف الاصطلاحي للشورى: رجوع الحاكم أو القاضي أو آحاد المكلفين في أمر لم يُستَبن حكمه بنص قرآني أو سنة أو ثبوت إجماع إلى من يُرجى منهم معرفته بالدلائل الاجتهادية من العلماء المجتهدين ومن قد ينضم إليهم في ذلك من أولي الدراية والاختصاص[1].

    وهكذا فإن الشورى في الاصطلاح الذي يقضي به الإسلام يمكن أن تتسع لتُعبِّر عن: استخلاص الرأي الجامع من خلال الحوار الجامع, وهذا هو مطلوب الشورى, فإن لم يكن رأي جامع فرأي راجح لدى استصدار القرار, مما ينعقد عليه العمل الجامع لدى التطبيق والتنفيذ[2].

    ومن فوائد الأخذ بالشورى أمور كثيرة منها:

    1-إصابة الحق في الغالب, فإن الآراء إذا عرضت بحرية تامة وأدلى كلٌّ بحجته, وكانت النية صحيحة والهدف هو الوصول إلى الحق, وقدمت المصلحة العامة, وتجرد المتشاورون عن الأهواء والدوافع السيئة مع التوكل على الله تعالى فلا أشك أن النتائج تكون سليمة والعواقب حميدة والتسديد والتوفيق يتنزل من الله تعالى, وهذا واضح فيما وقع في عهد الصحابة رضوان الله عليهم[3].



    2- أن العمل بالشورى قربة وطاعة لله عز وجل, ففيه اجتماع الرأي في تحصيل الخير, وتهذيب رأي صاحب الأمر مع الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى, ومما ورد في شأن ذلك ما قاله: بشار بن برد:

    إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن

    بحزم نصيح أو نصيحة حازم[4]

    3 ـ من أعظم فوائد الشورى تلاقح الأفكار, وتكامل الثقة, وتبادل الخبرة والاطلاع على ما عند الآخرين, والاستفادة من الخبرات المتنوعة وبعبارة أخرى حصول التكامل بين أفراد المجتمع[5].


    4- الشورى تعطي قوة للمجتمع في أكثر من مجال إنساني فعلى سبيل المجال النفسي, فأن الشورى طريق للتخلص من الظواهر المرضية غير الصحية, مثل قلة الإخلاص وضعف الأداء الوظيفي, وإهدار الطاقات المفيدة.

    يقول الشعبي: الرجال ثلاثة, فرجل ونصف رجل ولاشيء فأما الرجل التام, فالذي له رأي وهو يستشير, وأما نصف الرجل, فالذي ليس له رأي , وهو يستشير وأما الذي لا شيء، فالذي ليس له رأي، ولا يستشير[6] .


    5-الشورى تشعر المشاركين بالمسؤولية وأنهم مع المسؤول يسعون إلى تحقيق المصالح العامة, ودرء المفاسد في عملية تكاملية.

    6-الشورى تولد الثقة بين الحاكم والمحكوم وتطيب القلوب, وتجعل من رأي الخليفة أو الحاكم رأى جميع المسلمين بعد التشاور.

    7- في الشورى وقاية من الاستبداد وتزود الدولة بالكفاءات والقدرات المتميزة وبها تنحصر عيوب التفرد بالقرار[7].

    8- تضيق هوة الخلاف بين الراعي ورعيته الخلاف جائز الوقوع, ولكل واحد قناعته, ولكن مع مناقشة الآراء وتداولها وظهور الحق يرجع بعض المخالفين عن رأيه وينصاع إلى الحق, وتتقارب وجهات النظر ويعذر بعضهم بعضاً, ويتعاونون على ما اتفقوا عليه, ويتنازل البعض ويقضي على وساوس الشيطان,[8] وتتآلف القلوب ويتوحد الرأي العام وتضعف حدة الخصوم والمنافسين[9].


    9- الشورى تفجر الطاقات الكامنة في أفراد الأمة, وتشجع ذوي الخبرات وتفسح المجال لكل من لديه خير للأمة أن يدلي برأيه وهو آمن فإن قبل فذاك, وإن رد فقد أدى ما عليه وأعذر ولا تمس كرامته ولا ينال منه[10].

    ولا غنى لولي الأمر عن المشاورة, فإن الله أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم وليقتدي به من بعده وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك, فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشاورة[11].

    وينبني على هذه الشورى, طاعة الأمة للحاكم فيما يصدر عنه من القرارات تهم الصالح العام[12].

    والشورى من قواعد الحكم في الإسلام وصفة من صفات المؤمنين سواء الحاكم أو المحكوم فقد وصف الله المؤمنين بقوله: 'وأمرهم شورى بينهم' وبهذا ينقص الأيمان عند الراعي لعدم امتثاله 'وشاورهم في الأمر' وعند الرعية كذلك, كما في تركها مجافاة للسنة والطريقة التي سار عليها أفضل الخلق والخلفاء الراشدين وأصحابه الميامين والقادة الفاتحين, وكبار المصلحين والعلماء الراسخين والدعاة المخلصين.

    10ـ مكافحه نزعات التطرف والعنف:

    أن محصلة الاجتهاد الجماعي تقود إلى قرارات معتدلة في الغالب, فالتشدد لا يصدر إلا من أفراد ذوي دوافع ومنازع وعقد تحدوهم وتنزع بهم إلى اتخاذ قرارات متطرفة أو متعسفة أو مفارقة لخطة الحكمة والحسنى, ولكن تبادل الآراء الصادرة من أفراد كثر وأصحاب دوافع متباينة يتجه بالقرار إلى الاعتدال والواقعية في إطار ((فن الممكن والمفيد)) هذا إذا لم يصل بالناس إلى غاية المراد, كما تفسح الشورى مجالا خصبا لمناقشة آراء أهل التطرف والعنف الذيين يتصورون دائماً أن آراءهم هي الآراء النهاية في الموضوع, أي موضوع, ويعزفون بطبعهم عن التعرف على آراء الآخرين,[13] ولكن بجرِّ هؤلاء إلى مجالات الشورى ومشاركة الآخرين لهم في الرأي تتضح لهم القيمة المرجوحة لأفكارهم التي يقدسونها ، ولذلك فإن الشورى هي أجدى علاج لحماقات التطرف وشططه فيجب إعطاء ((الكل)) متنفساً لإبداء الفكر والرأي, حتى يختفي التشنج والشعور بالحرمان والكبت والاضطهاد ولذا يحسن البحث عن هذه الطائفة من الناس على الدوام وإعطاؤها حق القول مهما كان معيباً, فإخراج آرائهم إلى الضوء هو المقدمة الأولى لدحضها وهزيمتها, فإنها لا تعيش ولا تنتعش إلا في سراديب الظلام[14].



    11- تسديد النظر إلى المشكلة من زوايا متباينة:

    إن إخضاع أي مشكلة للتداول الشوري الحر يمكّن أهل الشورى من رؤيتها من زوايا واتجاهات متباينة متقاطعة, وبذلك تنضاف الرؤى الجزئية بعضها إلى بعض, وتتضامُّ وتتكامل قدر الإمكان, وتتشكل في كُلِّ مرئي للجميع ثم تتنسق وتتوحد محاولات التحليل والتشخيص والإسهامات في اقتراح الحلول ولا يتاح ذلك إلا للجماعة المتوحدة لأن العقل الواحد مهما كان كبيراً نافذاً لا يستطيع أن يُلمَّ بجميع المعلومات المتعلقة بكل المشاكل التي يتعرض لها, ويفهمها, ويحللها ويشخصها, ويقترح الحلول المجدية في شأنها.

    ولعل هذا ما عبر عنه بلغة مختلفة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, إذا قال: الرأي كالخيط السحيل, والرأيان كالخيطين المبرمين والثلاثة مرار ولا يكاد ينتقض[15].

    وأورد الأمام الماوردي في هذا المعنى قوله: لم يزل أهل العقول يفزعون إلى الشورى في كل مايقع بينهم, ويمدحون فاعله, ويذمون المستبد برايه, والمرتكب لأهوائه, وقد قال فيه أحد الشعراء:

    خليلي ليس الرأي في صدر واحدٍ

    أشيرا عليَّ اليوم ما تريان[16]

    وقال ابن قتيبة: وقرأت في كتاب للهند أن ملكاً استشار وزراء ً له, فقال أحدهم: الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بموارده من الأنهار, وينال بالحزم والرأي مالا يناله بالقوة والجنود, والمستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير, فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسليط ضوءاً[17].


    12- تكامل المعرفة النظرية والعملية:

    في أحيان كثيرة يأتي امتياز الرأي من تماسِّه بالواقع المعاش، ويتفوق بتلك الميزة على الرأي النظري، وإن كان هذا الأخير صحيحاً في إطاره النظري، وحين يكتمل هذان الجانبان الركينان للعلم: الجانب النظري والجانب العملي، أو جانب فقه الأوراق وفقه الواقع، يأتي القرار أصوب ما يكون، وهنالك من أخبار الشورى في تاريخ الحضارة الإسلامية الكثيرة مما يكشف عن أن تكامل هذين الجانبين كان من أهم عوامل اتخاذ القرار الصحيح منها ـ على سبيل المثال ـ ما يرويه القلقشندي عن واقعة غزو المسلمين لصقلية فيقول: ان أحد أمرائها التجأ إلى دولة الأغالبة بتونس، وطلب منهم العون لرفع الحيف الذي لحق به من أمراء آخرين ببلاده، وجمع أمير بني الأغلب المسمى زيادة الله مجلس شوراه من فقهاء القيروان وقضاتها وأعيانها وبحثوا الأمر ملياً[18]، ومال بعض أهل الفقه بمن فيهم الإمام سحنون إلى عدم مهاجمة صقلية لبعدها ولأن بينها وبين المسلمين هدنة وعهداً، بينما مال آخرون من أهل القضاء وفيهم القاضي أسد بن الفرات لاستقصاء الواقع، كما هو شأن القضاة دائماً، فأمر باستدعاء بعض رسل الصقليين واستنطقهم إن كان لدى حكومة صقلية أسرى من المسلمين فأقروا بذلك،فاتخذت تلك حجة على الصقليين لأن شروط الهدنة نصت على أن تمكن حكومة صقلية أسرى المسلمين من الرجوع إلى بلادهم إن أرادوا، فاتخذ حينها قرار الغزو[19].

    فهذا يدل على الشورى هي التي مهدت إلى القرار الأصوب بجمعها بين الفقهين النظري والعملي على صعيد واحد، وهذا مجرد مثال من أمثلة كثيرة لتفعيل الشورى في فقه الرأي وفقه الواقع معاً في تاريخ حضارتنا الإسلامية التليدة[20].

    13 ـ تجاوز الخطوب التي تشل التفكير الفردي:

    وتتجلى فضائل الشورى في وقت الخطوب والكروب التي تلحق بالأمم، وتكاد تعصف بها عصفاً فيقف الناس منها ثلاث مواقف متباينة، فمن الناس من يهزمهم الخوف ويشل قدراتهم على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، إي قرار، ومنهم من يثير الخوف مشاعرهم باتجاه التحدي وإثبات الذات والاندفاع الأهوج في المواجهة، فيميلون إلى اتخاذ الحلول القصوى في ذلك الاتجاه، ومنهم من يدعوهم الخوف إلى التراجع والتهادن وربما الاستسلام فيقبلون بالدنية من دينهم ودنياهم معاً.

    فهذه أصناف ثلاث من المواقف تجلب خلل الرأي وتقود إلى أسوأ العواقب، ولكن اجتماع الناس بمختلف توجهاتهم على صعيد واحد في أوقات المحن والدواهي يؤدي إلى تعادل المواقف والوصول إلى الرأي الأصوب قدر الإمكان[21].

    هذه من أهم فوائد الشورى التي ذكرها العلماء.


    ثانياً: حكم الشورى:

    هناك اختلاف بين العلماء والباحثين حول الرأي الفقهي المتعلق بحكم الشورى، هل هي واجبة أم مندوب إليها، وأغلب الظن أن الحكم يتأرجح ما بين الوجوب والندب[22].

    1 ـ من رأى بوجوب الشورى وفرضيتها، وهم جمهور الفقهاء، منهم الحنفية والمالكية، والقول الصحيح من المذهب الشافعي، وينسب هذا القول أيضاً للنّوويّ وابن عطية وابن خويز منداد والرازي، وبعض المعاصرين كأمثال محمد عبده, محمد شلتوت و محمد أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف و عبد القادر عودة, نظراً للنصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن, وعلي ولي الأمر العمل بالشورى وما يصدر عنها من نتائج ورؤى, ويأثم إذا أعرض عنها, وترك العمل بها, بل يرى ابن عطية 541هـ أن: الشورى من قواعد الإسلام وعزائم الأحكام, من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب[23] و الأدلة على ذلك قوله تعالى: ' وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ' (ال عمران, اية: 159) ولأن الأصوليين يقولون أن صيغة الأمر تشير إلى الوجوب مالم تصرفه قرينة[24], ولا قرينة صارفة عن الوجوب . و ظاهر الأمر يدل على الوجوب, وإنما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة ليقتدي به المسلمون, فلا غنى لولي الأمر على المشاورة, فإن الله تعالى أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم[25].

    ومن الأحاديث ما يشير إلى وجوب الشورى في حياة المسلمين, ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه, أنه قال: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم[26].

    وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يقول: أشيروا علىَّ معشر المسلمين[27], والشورى في الإسلام نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن الشورى مبدأ أساسي, لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه[28].

    إن الشورى من لوازم الإيمان, حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين المميزة لهم عن غيرهم, فلا يكمل إيمان المسلمين إلا بوجود صفة الشورى فيهم, ولا يجوز لجماعة مسلمة أن تقيم أو ترضى إقامة أمرها على غير الشورى, و إلا كانت آثمة مضيعة لأمر الله[29].

    2ـ من رأى الندب في الشورى؟ وينسب هذا القول لقتادة وابن إسحاق والشّافعي والرّبيع وابن حزم وابن القيم, ورجحه ابن حجر, وقد ورد هذا ضمن كلام بعض السلف وقياساً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تجب عليه الشورى أو المشاورة وبالتالي يقاس عليه وضع الخليفة المسلم, إذ لا تجب عليه المشاورة, لأن السلطات الدينية والسياسية من صلاحياته له أن يتولاها بنفسه أو أن يفوض فيها البعض باختياره, من دون إلزام أو فرض عليه.

    3- الراجح:

    أن الشورى واجبة بالنظر إلى طبيعة الحكم في الإسلام, وأن قواعد السياسة الشرعية تستلزم عدم الانفراد بالرأي, لاسيما في أمور المسلمين العامة, أما ربط مقام الخليفة بمقام النبي صَلىَّ الله عليه وسلم, فالظاهر أنه ربط في غير موضعه, إذ أن مقام الرسول صلىّ الله عليه وسلم أوجه وأحكم من مقام الخليفة, فالرسول كان يجمع أكثر من وظيفة دينية ودنيوية في آن واحد, وليس من العجيب أن يكون الرسول: صلى الله عليه وسلم في بعض المواضيع مستغنيا عن آراء الناس وأحكامهم نظراً لقوة المصدر الذي يعود إليه, وهو الوحي, وفي مسائل الدنيا, كان من عادته صلى الله عليه وسلم التشاور مع أصحابه, وهذا واضح بلا منازع

    أما الخليفة – والحاكم – فهو غالباً ما يشكل رمزاً لهذه الأمة, وسلطاته تعود بالأساس إلى الأمة بعمومها, وسلطانها العام , - والحاكم- يستمد سلطانه من الأمة لا من ذاته ولعل المصلحة الشرعية التي تعود بالشورى والمشاورة أكثر من تلك التي تؤخذ من الانفراد والتحكم بالرأي, ولاغنى لولي الأمر عن المشاورة, فإن الله أمر بها نبيه صلىّ الله عليه وسلَّم, فقال تعالى .. 'وشاورهم في الأمر' وقد قيل: إن أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه, وليقتدي به من بعده وليستخرج بها منهم الرأي فيما ينزل فيه وحي من أمر الحروب, والأمور الجزئية, وغير ذلك, فغير صلى الله عليه وسلم (( أولى بالمشورة ))[30]

    فإذا كانت الشورى في حق رسول (( صلَّى الله عليه وسلم)) المعصوم الذي يوحى إليه, فهو شأن سائر أئمة المسلمين من باب أولى[31].

    ثم إن الشورى واجبة بناء على قواعد ودلالات الألفاظ في علم أصول الفقه, ففي قول الله تعالى: 'وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ' (آل عمران, أية : 195) , لفظة (( وشاورهم )) تشير إلى الوجوب، لأن حقيقة الأمر عند الاصوليين تنصرف إلى الوجوب ما لم تصرفها قرينة[32].

    وليس في القرآن أو السنة ما يشير خلاف ذلك, فمن الدلالات القرآنية إلى الأحاديث النبوية ما يشير إلى الوجوب والعمل بها ومنها ما يشير إلى الندب والمدح للعاملين بها, وهذه الأخيرة لا تخالف الأولى في الحكم , بل تعززها وبالتالي الذي نذهب إليه أن الشورى كحكم شرعي واجبة لاسيما وأنها كنظام إنساني أو آلية حكم واجبة بوجوب موضوعها ابتداءً وإنتهاءً[33].
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:28


    ثالثاً: الشورى المعلمة والشورى الملزمة:

    لا ريب أن هناك تسليماً تاماً بأهمية الشورى ومحوريتها في النظام السياسي الإسلامي، لكن تختلف آراء الفقهاء والمفكرين الإسلاميين حول ما يتبع الرأي الشوري من نتائج أي مدى إعلامية تلك النتائج وإلزاميتها للحاكم أو بمعنى آخر: هل يجوز للحاكم أن يستمع إلى آراء أعضاء مجلس الشورى ثم يرفض ما أجمعوا عليه أو اتفقوا عليه بالأغلبية البسيطة أو العظمى, أم أنه ملزم بقبول ذلك الرأي ولو اختلف مع رأيه الخاص[34].

    والذي أميل إليه وينسجم مع فطرتي, وموازين عقلي, ومحاكمة قلبي, وأعتقد أن الأدلة الشرعية تؤيده هو أن الشورى ملزمة للحاكم, لئن ذلك يمنعه من الاستبداد وفي قصة الشورى خلال غزوة الخندق و عرضه صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان على ثلث المدينة, واعتراض زعماء الأنصار عليه وقبول الرسول صلى الله عليه وسلم الاعتراض تدلنا هذه الحادثة على إلزامية الشورى للحاكم و تضع تقليداً دستورياً هاماً, وهو أن الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً يجب عليه ألا يستبد بأمر المسلمين ولا أن يقطع برأي في شأن هام , ولا أن يعقد معاهدة تلزم المسلمين بأي إلتزام دون مشورتهم وأخذ أرائهم, فإن فعل كان للأمة حق إلغاء كل ما استبد به من دونهم, و تمزيق كل معاهدة لم يكن لهم فيها رأي[35]. فهذا رأي واضح قاطع في تقرير إلزامية الشورى وممن يقولون بإلزامية الشورى الفقيه المعاصر:

    - الدكتور توفيق الشاوي, فبعد حديث له عن ظروف نزول آية (( آل عمران: 159)) علق على قوله تعالى:' وشاورهم في الأمر' قائلا: ومعنى ذلك أن الشورى واجبة و ملزمة, حتى لو كان هناك احتمال في أن يكون رأي الأغلبية خاطئاً أو ضاراً, لأن الضرر الناتج عن خطأ الأغلبية أخف من الضرر الناتج عن ترك الشورى واستبداد الحكام بالرأي دون الإلتزام برأي عامة الناس وجمهورهم[36], وهو رأي مستمد عن عبر التاريخ الطويل, حيث ترك الأمر للحكام ولم يبرهنوا على أنهم أرشد دائماً وأهدى من عامة الناس[37].

    - وقال الدكتور رحيل محمد غرابيه الأخذ بمبدأ إلزامية الشورى بناء على الحيثيات التالية:

    1- تعارفت الأمم والشعوب على مدار الأزمان بالميل نحو الأكثرية واعتبار الغالبية في معظم الأحوال دليل صواب .. وتواطأ الناس قديماً وحديثاً, مسلمين وغير مسلمين, على إقرار مبدأ رضى الأقلية برأي الأغلبية فيمكن الاستئناس بهذه التجربة العالمية على إقرار هذا المبدأ, من منطلق توجه العقل الإنساني العام بمجمله في هذا الاتجاه.

    2- يقتضي العقل والمنطق أن يكون رأي المجموعة أقوم وأصوب وأقرب إلى الحقيقة من رأي الواحد، مهما عظمت وطالت خبرته.

    3 ـ الإمام أو الخليفة هو فرد من الأمة، لا يتميز عن آحادها بشيء سوى أنه أثقل حملاً وأعظم مسؤولية، كما روي هذا عن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهذا يقتضي أن يكون اجتهاده مثل اجتهاد غيره من المجتهدين، وإذا كان هذا يصح إطلاقه على عمر والخلفاء الراشدين فهو أكثر صحة وأقوم بالنسبة إلى غيرهم.

    4 ـ إن إلزام الأمير ـ الحاكم ـ بإتباع رأي الأغلبية يعتبر ضمانة على عدم الاستبداد بالرأي ومنع التسلط الفردي الذي عانت منه الأمة فترات طويلة.

    5 ـ إن الإلتزام برأي الأغلبية أكثر تحقيقاً لمبدأ سلطة الأمة والذي هو محل اتفاق ولا نزاع فيه، وإن تفرد الأمير برأيه، وعدم نزوله على رأي أهل الشورى أنما هو نقض لسلطة الأمة، واعتداء على حقها الممنوح لها شرعاً.

    6 ـ إن الالتزام برأي الأغلبية أكثر انسجاماً مع روح الشريعة وأكثر تحقيقاً لمقاصد النصوص التي جاءت تأمر بالشورى وتحض عليها.

    7 ـ تقتضي ظروف العصر أن لا يبقى الأمر بالشورى عاماً غائماً، بل لا بد من تحويله إلى مبدأ دستوري وقاعدة تشريعية قابلة للتطبيق الإجرائي الواضح المحدد الحاسم عند الاختلاف[38].

    ولا مناص من أن نقرر أن الالتزام بالشورى العاصم البشري الممكن من خيانة الأمانة وإتباع الهوى وغفوة وازع الإيمان[39].

    * الدكتور أكرم ضياء العمري:

    وبعد أن ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري آيتي سورة الشورى ((38)) وآل عمران ((159)) استدل على وجوب الشورى بقوله: إن الخبر إذ أريد به الإنشاء الطلبي فهو أقوى من الأمر، وأما الآية الثانية فهي بصيغة الأمر، وليس في القرآن قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب فلم يبق إلا أن نفتش في السنة ولم أجد – حسب جهدي – في أحداث السيرة النبوية نصاً صحيحاً يدل على صرف الأمر بالشورى عن الوجوب إلى الندب[40]. وقال الدكتور العمري مؤكداً: لم أقف على مايدل على عدم إلزامية الشورى[41]. فهو قد أكد رأيه بأدلة من أصول الفقه عزز بها رأيه في وجوب الشورى وإلزاميتها في الوقت نفسه[42].

    إن موضوع الشورى تحديداً مثار بحث وقراءة في الفكر السياسي الإسلامي منذ أن كان الخلاف بين المسلمين على موضع الإمامة والخلافة ولضبط العلاقة مابين الحاكم والمحكوم في تحصيل المصالح ودرء المفاسد عنهما , وتنظيم طبيعة العلاقة بينهما , كان لابد من وسيلة فعالة أو إجراءات مناسبة لذلك , وهذا لايتحقق إلا بالشورى لأن فيها ضمانة لمقاصد الشريعة في الحكم والسياسة , توفير المزيد من المقاصد الاجتماعية كحرية الرأي والمساواة بين المواطنين , مما يعني ترسيخ مبدأ الحوار وتعميق مضمون التنمية في البلاد ولعل من مرجحات كون الشورى إلزامية أنها حاجزة لحالات التسلط في الحكم والقمع للرأي الآخر , وإذا خول الحاكم في الاعتداد برايه دائماً , كان ذلك وبالاً عليه وعلى الأمة وعلى طريقة الحكم , بل قد يصل به الأمر إلى الدخول في العقائد والتشريعات برأيه وفكره , كما قال فرعون لقومه ' مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ' (غافر , آية:29) لذا كانت النتيجة قوله تعالى: ' وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ' (طه , آية:79).

    بل في الظن الغالب على الرأي، أن لولم تكن من مرجحات القول بلزوم الشورى للحاكم أو الرئيس سوى منع حالات الاستبداد بالرأي وقمع الخصوم لكفى وأقنع، إذ لا قداسة لرأي[43], سيما في بعض تجارب الحكم في تاريخنا الإسلامي القديم والمعاصر، إذ أن هناك نماذج وتطبيقات يستحيل معها أن نوصي بعدم لزوم نتيجة الشورى للحاكم .

    وتزداد أهمية ذلك في نوعية القرار الصادر عن مجلس الشورى، خصوصاً إذا كان متعلقا بمصالح المسلمين العامة، فأمر العامة لايربط برأي الفرد، وإن كان له من الصفات القيادية الشئ الكثير .

    ولاعتبار تقني أكثر منه شرعي , فإن علم الشورى علم إداري سياسي قائم في جميع مجلات الحياة، بل ويعتبر الجانب السلوكي في عمل الحاكم أو المسؤول عملية تعليمية، وتدريبية للآخرين، بل هو على حد تعبير أحدهم بالمعلم الكبير[44].

    وهذا يتم من خلال تحفيز المرؤوسين والمحكومين بمعرفة احتياجاتهم ورفع روحهم المعنوية، أو جعل القيادة لهم بالمبادأة والقدوة الحسنة، واختيار الأساليب الفعالة، أو بالاتصال بهم، وإعطاء التوجيهات والتعليمات لآرائهم، على أن شخصية الحاكم أو الرئيس، تلزمه أن يجمع مابين الكفاءة والكاريزما وهي بلا شك ضرورية في تفعيل العمل المؤسسي عند الرعية[45]. فالإسلام ينشئ الأمة ويربيها، ويعدها للقيادة الراشدة ولوكان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى , ويمنع تدريب الأمة عليها تدريباً عملياً واقعياً في أخطر الشؤون، لكان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى ولكن ومع وجود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي الإلهي، لم يلغ هذا الحق[46].

    هذا النهج الشورى , سيشكل بلا شك موظفين متخصصين في عملهم , يساعدون الحاكم أو – الرئيس – في تقديم الاستشارات والرؤى حول المواضيع المتعلقة بتحقيق مصلحة المجتمع أو الدولة، وهذا مايجعلنا نؤكد على أن الحاكم لا يحكم الناس , بل المهمة قيادة [47] الناس .

    من هذا النهج الشورى , سيتحقق في أفراد المجتمع مبدأ إداري مهم , وهو مبدأ إرساء قاعدة التميز بين صفوف النخب السياسية والاجتماعية وهنا يلزم البيان بأن طبيعة المؤسسة الحاكمة في الإسلام أن ترفض الفردية أو المركزية في اتخاذ القرارات , لاسيما السلطة المركزية النابعة من فردية الحاكم أو دعم بطانته لقراراته وكما هو متبع في علم الإدارة فإن هناك مزايا للعمل المؤسسي أو الشوري , من أهمها:

    - أن وضع سلطة اتخاذ القرارات سيكون قريباً من القواعد مما يعني سلامة القرارات المتخذة .

    - تخفيض أعباء القيادات نظراً لتفويض السلطة وتخلق روابط وثيقة , ويزيد التعاون والتنسيق .

    - تساعد على سرعة اتخاذ القرارات , وسهولة تحديد مناطق الضعف , وسرعة علاجها[48]، كما لا يستطيع الشخص الواحد إدارة عمل متميز , أو على أبعد تقدير إحداث تغييرات على مستوى المؤسسة بدون فريق عمل متميز، لأن خلق منظمة مبدعة[49]، بحاجة إلى عمل جماعي متناسق , أي أن علم الإدارة الحديث في الحكم والقيادة يدعم بضرورة دعم الشورى وآلياتها واعتبارها مصدر قوة للحاكم والمحكوم , لكن مع تأكيدنا على ضرورة احترام قرار الشورى المؤسسي من أهل الحل والعقد، نرى بضرورة احترام رأي الحاكم، أو احترام حقه في الاعتراض على رأي مجلس الشورى، لا سيما إذا كان له وجاهة وإصابة , بحيث يثبت رأيه ويقنع غيره به , ويقرر بالمصلحة العامة[50].

    إن القول بإلزامية الشورى هو ما ندين الله به ونرى ضرورته وجدواه , وبدونه لا يمكن تفعيل الشورى على المستوى الدستوري للأمة , فالدولة الإسلامية دولة مدنية، تؤمن بالمؤسسات، وترى فصل السلطات، وأن تكون مرجعيتها الإسلام فهي ليست دولة أسرار ثيوقراطية مغلقة يديرها رجال الدين , وإنما دولة لشعب يسعى بذمته أدناه من مواطنيه، ولذا لا بد أن يتاح للكل أن يسهم في أمر النصح والشورى وأن يلتزم ولاة الأمور بحكم الأغلبية كشورى ملزمة، فهذا الأمر من الأهمية بمكان , ولا بد من أن يستبين تماما قبل الشروع في أي محاولة جدية لتطبيق الشورى في النظام السياسي الإسلامي[51].


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الشورى, احمد الأمام ص13.

    [2] المصدر نفسه ص13.

    [3] فقه الشورى للغامدي ص212.

    [4] الشورى د.سامي محمد الصلاحات ص51.

    [5] فقه الشورى للغامدي ص 212.

    [6] سنن البهمقي الكبرى, ك آواب القاضي (10/188).

    [7] الشور د. سامي الصلاحات ص52.

    [8] فقه الشورى للغامدي ص212.

    [9] الشورى د. سامي الصلاحات ص52.

    [10] فقه الشورى ص 213.

    [11] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 157.

    [12] الشورى د. سامي ص 53.

    [13] الشورى د. محمد وقيع الله ص55.

    [14] المصدر نفسه ص 56.

    [15] عيون الأخبار (1/31) لابن قتيبة .

    [16] الشورى د. محمد وقيع ص 52.

    [17]عيون الأخبار (1/29-30).

    [18] نهاية الأدب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي صـ 427 ، 428.

    [19] رياض النفوس لأبي عبد الله المالكي (1/186).

    [20] الشورى د. الصلاحات صـ 54.

    [21] المصدر صـ54.

    [22] تفسير الطبري (3/192).

    [23] الجامع لأحكام القرآن للقرطي (4/249)

    [24] الموافقات للشاطي (4/115)

    [25] المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم د.عبدالكريم زيدان(4/327)

    [26] سنن البيهقي, ك أداب القاضي(10/186)

    [27] تفسير ابن كثير(2/192)

    [28] في ظلال القران (1/501) سيد قطب.

    [29] الإسلام وأوضاعنا السياسية عبدالقادر عقوده ص 91.

    [30] السياسة الشرعية لابن تميمة ص 157.

    [31] من أصول الفكر السياسي الإسلامي محمد عثمان ص156.

    [32] الموافقات (4/115) للشاطبي.

    [33] خصائص التشريع الإسلامي فتحي الدريني صـ477.

    [34] الشورى ومعاودة اخراج الأمة و محمد وقيع الله ص 87.

    [35] من توجيهات الإسلام, محمود شلتوت ص (522/523)

    [36] قصه الشورى و الاستشارة, توفيق الشاوي ص52

    [37] الشورى ومعاودة اخراج الأمة ص99

    [38] الحقوق والحريات في الشريعة الإسلامية صـ328.

    [39] النظام السياسي للدولة الإسلامية محمد الغواص 211.

    [40] - الشورى ومعاودة إخراج الأمة ص 102 .

    [41] - المصدر بنفسه ص 102.

    [42] - المصدر نفسه ص 102.

    [43] - الإسلام والاستبداد السياسي محمد الغزالي ص 137.

    [44] - أصول الادارة والتنظيم , عمر الجوهري ص 18.

    [45] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 138.

    [46] - في ظلال القرآن (1\502) سيد قطب.

    [47] - الشورى , د. سامي الصلاحات ص 138.

    [48] - المصدر نفسه ص 139 .

    [49] -الشورى , سامي الصلاحات ص 139 .

    [50] - المصدر نفسه ص 140 .

    [51] -الشورى ومعاودة إخراج الأمة ص 108 .
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:28


    رابعاً: مجالات الشورى:

    تتعدد مجلات تطبيق الشورى , فيما لم ينزل فيه حكم شرعي بالوحي , وذلك بين الشورى الجماعية والشورى الخاصة وذلك على النحو التالي:

    1ـ المجال السياسي الدينوي: هذا هو المجال المعروف للعمل بالشورى , ويقترن ذكره بذكرها قال الحافظ ابن حجر وقد اختلف في متعلق المشاورة : فقيل في كل شئ ليس فيه نص وقيل في الأمر الدنيوي فقط وقال الداودي : إنما كان يشاورهم في أمر الحرب مما ليس فيه حكم , لأن معرفة الحكم إنما تلتمس منه[1]

    وقال القاضي ابن عطية: ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحروب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع[2].

    وعلى العموم فإن من أبرز المجالات الشورية التي يكثر ذكرها وذكر أمثلتها مجالين اثنين هما: المجال السياسي والمجال العسكري أو الحربي , ويمكن جمعها معاً تحت اسم التدبير السياسي , بشقيه المدني والعسكري ويدخل في ذلك التشاور لاختيار الخليفة أو الحكام عموماً , ثم تشاور الحكام والقادة السياسيين والعسكريين مع مستشاريهم ومساعديهم في رسم الخطط وتنفيذها , واتخاذ القرارات في مختلف الإشكالات والنوازل السياسية والحربية بما في ذلك عقد السلم , أو إعلان الحرب , أو إجراء الصلح[3].

    2ـ الشورى في القضاء: القاضي يظل يحكم فى الأموال والدماء والفروج وغيرها من المصالح والتظلمات والنزاعات ويحكم على الافراد والجماعات وربما على الدول والحكومات وإذا كان الفقيه أو المفتي يجتهد لاستنباط الحكم من أدلته فإن القاضي يفعل هذا , ثم يجتهد مرة أخرى في النازلة المعروضة عليه وفي أدلة كل طرف من أطرافها , وحقيقة خفاياها وملابساتها , فهو يجتهد مرتين , ولهذا فحاجته إلى المشاورة في حكمه , هي أشد وآكد من حاجة الفقيه في فتواه وخاصة في القضايا المعقدة والنوازل الكبيرة , فما يروى من الاحاديث والآثار في المشاورة للنوازل التي ليس فيها كتاب ولا سنة , منطبق بالضرورة وبالدرجة الأولى على النوازل التي كانت ترد على الخلفاء وغيرهم من الصحابة للفصل فيها بين المتنازعين وهو ما ينطبق على جميع المنتصبين للحكم والقضاء بين الناس[4], وعن عمر بن عبدالعزيز قال: لاينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال عفيف، حالم، عالم بما كان قبله , يستشير ذوي الرأي , لا يبالي بملامة الناس[5], وفي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عروة: كتبت إلي تسألني عن القضاء بين الناس وإن رأس القضاء اتباع مافي كتاب الله ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بحكم أئمة الهدى , ثم استشارة ذوي العلم والرأي[6]، وإذا كان بعض الفقهاء قد جعلوا المشاورة للقاضي على الندب لا على الوجوب , فهذا يمكن أن يقبل في القضايا البسيطة , الواضحة والمتكررة , أما القضايا المعقدة والملتبسة والجسيمة فلا يصح فيها الا القول بالوجوب وهو قول جمهور الفقهاء.

    وهكذا يظهر جليا أن اشتراط صفة المشاورة في القضاة وإلزامهم بها ليس شيئاً عارضاً أو طارئا , أو دخيلاً[7].

    3- الشورى في تنزيل الأحكام القطعية:

    على أن الحكم الشرعي القطعي – رغم ذلك – يبقى محلاً للشورى من حيث التنزيل والتنفيذ وما يتصل بذلك من شروط وكيفيات وآجال وعوائق أو موانع , فيمكن التشاور بشأنه من هذه النواحي لا من حيث المبدأ وهذا مانبه عليه أبو عبدلله بن الأرزق في النوع الثاني مما يستشار فيه بقوله: المستشار فيه أي ماتقع فيه المشاورة نوعان:

    -: ماهو من أمور الدنيا وخفي وجه الصواب فيه فيطلب العثور عليه بالمشورة.

    -: ماهو من مقاصد الدين , ولم يتعين في الحال , أو أشكل فيه التلبس بالعمل به باعتبار أمر خارج عن ذاته[8].

    ويمكن أن نجد أنفسنا بحاجة إلى الاجتهاد والتشاور في مسائل تتعلق بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وبعض أحكام الحج والصيام ومصارف الزكاة وإقامة الحدود... مع أن هذه كلها أحكام منصوصه قطعية ولكنها – وغيرها – قد تعتري تطبيقها ملابسات واشكالات وموانع ومستجدات , تحتاج إلى نظر وتناظر , وموازنه وحسن تدبير[9].

    4- الشورى في الأحكام الاجتهادية والخلافية:

    ومما يحتاج إلى نظر وتناظر وتشاور – وهو غير بعيد عما سبق – الأحكام الشرعية القائمة أصلاً على الاستنباط , والترجيح بين مقتضيات الأدلة ودلالاتها ويدخل كذلك في مجالات الشورى ـ ومن باب أولى ـ الاجتهاد في أحكام ما ليس فيه نص , مما سبيله القياس والاستحسان والاستصلاح فهذه كلها مجلات دينية شرعية , ومع ذلك فالشورى فيها بين أهل العلم والنظر والاجتهاد هي سنة الصحابة والخلفاء الراشدين , بل هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية[10]. إن الذين يقصرون الشورى ـ أو يركزون فيهاـ على الشؤون السياسية والدنيوية ويتركون شؤون الدين وأحكامه لآحاد الفقهاء والمفتين والولاة والقضاة، إنما هم في النهاية يعظمون الأولى ويهونون أمر الثانية، فالأمر الذي يسند النظر فيه إلى جماعة يتباحثون ويتناظرون ويتشاورون قبل البث فيه يكونون ـ بدون شك ـ أكثر حرمة وأعلى منزلة وأحظى بالسداد والرشاد من الذي يوكل للأفراد واجتهادهم الفردي[11].

    3 ـ الشورى في تنظيم الشورى: من القضايا التي أصبحت جلية ومسلمة، كون الإسلام أرسى مبدأ الشورى وأمر به وحث عليه، ونوّه بفضله وأهميته، ثم ترك تنزيله وتنظيمه مرسلاً مفوضاً للاجتهاد والتدبير والتكييف، بما يناسب كل زمان أو مكان أو مجال، أو ظرف، وبهذا نستطيع أن نقول إن التفاصيل والكيفيات التطبيقية للشورى هي نفسها مجال من مجالات الشورى ومثلها كافة الشؤون التنظيمية والإدارية للدولة والمجتمع والجماعات، فهي داخلة في قوله تعالى: 'وأمرهم شورى بينهم'، فهي كلها من أمورنا التي يجب أن نبثّ فيها وننظمها ونعدِّلها ونلائمها شورى بيننا، وإجمالاً فإن كل ما يتطرق إليه الاحتمال والاستشكال، ويدخله الاجتهاد البشرى وكل ما يثير عادة الخلاف والتنازع، وكل ما سكت عنه الوحي وكل ما هو مشترك بين الناس من واجبات وحقوق ومصالح، ففيه مجال للشورى، وجوباً أو ندباً حسب أهمية كل مسألة وحجم انعكاساتها على الناس في دينهم ودنياهم وعلاقاتهم[12].

    خامساً: المرأة والشورى:


    ومما يدل على جواز مشاركة المرأة في الشأن العام قوله تعالى: ' وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ' (التوبة ، آية : 71).

    ويرى العلامة الأستاذ علال الفاسي أن الآية الكريمة: قد أثبتت الولاية المطلقة للمؤمنات كما أثبتتها للمؤمنين، وتدخل فيها ولاية النصرة، كما يدخل فيها الحضور في المساجد والمشاهد ومعارك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أضاف رحمه الله: وقد نص القرآن على التشاور بين الرجل وزوجته في شؤون الزوجية فقال: ' فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ' (البقرة، آية : 233).

    وإذا كانت الشورى مطلوبة لهذا الحد في أمر الأسرة، فما بالك بأمر الأسر الكبرى وهي الأمة والدولة، وكما أن الشارع لم يحرم نصف الأسرة ـ الذي هو المرأة ـ من حق الشورى[13].

    وفي قوله تعالى ' وأَمْرُهمُْ شُورَى بَيْنَهُمْ ' (الشورى، آية : 38) فقوله أمرهم، شاملة الرجال والنساء معاً، ولا مجال لحصر ذلك على الرجال دون النساء[14].

    وقوله صلى الله عليه وسلم: 'إنما النساء شقائق الرجال'[15].

    فالرجل والمرأة في الحقوق تجاه المجتمع والدولة على السواء، فكما يحق للرجل الترشيح لعضوية مجلس الشورى يحق للمرأة كذلك الترشيح ودخول مجلس الشورى، ولا اعتبار أن المشاركة السياسية التي تقوم بها المرأة هي أفعال قانونية وشرعية تهدف للتأثير على الآخرين أو أفعالهم[16]. والأدلة التي تشير إلى دخول المرأة واجهة العمل السياسي وإبداء رأيها في الأمور العامة كثيرة منها ما رواه البخاري، عن استفادة النبي صلى الله عليه وسلم من رأي زوجته أم سلمة في مصلحة عامة، ففي صلح الحديبية حيث جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: 'قوموا فانحروا، ثم أحلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها من لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك، أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غما[17].

    وفيه دليل على جواز أن يستشير المرأة الفاضلة العالمة الحكيمة، وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قريبة تسمى الشفا بنت عبد الله العدوية يستشيرها وقد كلفها بالإشراف على السوق[18].

    وكانت المرأة تقف في وجه الخلفاء وتعترض على آرائهم ويقبل الخلفاء لهذه المشاركة السياسية من ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ' وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناًً' (النساء، آية : 20)، فقد خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق إثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أليس الله سبحانه وتعالى يقول: 'وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً' فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ[19].

    ـ وقد ورد في حق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان يستشير النساء في الأمر، حتى أنه كان يستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء، يستحسنه فيأخذ به[20].

    وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، تفتي بأمور النساء، بل في أمور الدين والدنيا، وكان لها آراء في المصالح العامة، حتى قال ابن حزم 456هـ أنه يمكن أن يجمع من فتوى عائشة سفر ضخم، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وكانت ذا رأي قوي في الشؤون العامة[21].

    ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل آراء الناس، من رجال ونساء معاً، فهذه المرأة التي جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: تقول له: ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزل قوله تعالى: 'إنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسلِماتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِقِينَ وَالمُتَصَدّقَاتِ وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أعَدَّ الله لهُم مَّغْفِرةً وأجْراً عَظِيماً' (الأحزاب، آية : 35). إلا دليل على مدى الحرية التي امتازت بها المرأة في عهد النبوة في إبداء رأيها أمام رئيس الدولة[22]

    ويرى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن المصلحة الاجتماعية تقتضي مشاركة المرأة في أعمال هذه المجالس، وأن القوامة قررت في الحياة الزوجية وحديث أبي بكرة قوله صلى الله عليه وسلم: 'لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة[23]، في الولاية العامة، أي رئاسة الدولة، أما بعض الأمر فلا مانع لذلك كالقضاء والفتوى، وقد أجاز ذلك بعض الفقهاء مثل ابن حزم مع ظاهريته، وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء إلا لتمسك به ابن حزم وجمد عليه، وقاتل دونه كعادته[24] .

    ـ ومما قصه علينا القرآن الكريم: حالة المرأة وهي تستشير غيرها، وحالة المرأة وهي تشير على غيرها وكل ذلك في سياق التنويه والإقرار والرضى[25].

    فأما الحالة الأولى: ففي قوله تعالى عن ملكة سبأ 'قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ' (النمل ، آية : 29 ـ 35).

    وأما الحالة الثانية: فقول إحدى المرأتين الأختين لأبيهما عن موسى عليه السلام: 'قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ' (القصص ، آية : 26)، وقد نجم عن هذه المشورة السديدة خير كثير[26].,

    إن الأصل في استخلاف الإنسان، أنه يشمل الرجال والنساء معاً، والعمل السياسي هو بذاته عمل صالح إذا كانت النية خالصة في هذا، وكان فيه فائدة المسلمين وللبشرية بصورة عامة لقوله تعالى: ' فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ' (آل عمران ، آية : 195).

    ـ وقال تعالى: ' مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ

    أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ' (النحل ، آية : 97).

    بل إن النص القرآني واضح في أن المرأة مطلوب منها العمل على جلب المعروف في نفسها ومجتمعها، فقد قال تعالى: 'يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ' (الممتحنة ، آية : 12).

    والشورى من العمل السياسي، بل هي من صميمه والمرأة مطالبة به، كما أن الرجل مطالب به، فقوله: 'وأمرهم شورى بينهم' والنص يشمل مدح الرجال والنساء معاً، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله يؤيد هذا الحق العام للنساء[27]، فقوله أشيروا علي أيها الناس، والنساء كالرجال تدخل لفظة الناس وفعله في استشارة زوجته أم المؤمنين أم سلمة لدليل قوي على ذلك، وفي رواية أخرى ما يشير إلى ذلك بقوة، فعن أم سلمة: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، فقلت للجارية إستأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت إني من الناس[28] .
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:29


    سادساً: الشورى والأقليات:

    لقد كان شأن الإسلام إكرام الأقليات وحفظ حقوقها وإشراكها في الشأن العام فيما يخصها ويخص مصائر الوطن الإسلامي، ففي أول قراءة لهذا الشأن ما ورد في الدستور السياسي الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أعطى حق المواطنة لليهود وأن ليهود بني عوف أمة من المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم والأحاديث في حرمة التعرض لهم أو الانتقاص من حقهم واقع في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: 'ألا من ظلم معاهداً وإنتقصه وكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة[29]. إن غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية الحاضرة وإن كانوا في الحقيقة من الأقليات، إلا أنهم يمكن أن يعدوا مواطنين مثلهم مثل المسلمين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ولكن لا يعني ذلك بحال أن لغير المسلمين أي حق في أن يعطلوا إرادة الأغلبية المسلمة، أو أن يعترضوا على مبدأ إقامة دولة مدنية حديثة مرجعيتها الإسلام، وإنفاذ التشريعات الإسلامية، وإنما عليهم أن يقبلوا بخيار الأغلبية، وليس في ذلك قهر أو إرغام لهم على قبول الإسلام كدين ولا التنازل عن معتقداتهم السابقة وفي الوقت نفسه فليس على المسلمين أن يتخلوا عن معتقداتهم وقوانينهم في سبيل إرضاء الأقليات غير الإسلامية[30].

    إن قيمة الشورى تتسع لسائر المواطنين، في كل شأن عام يمس المصلحة العامة، فلا يتدخل المواطنون المسلمون فيما يجريه المواطنون غير المسلمين من شورى في شؤون عقيدتهم ولا يتدخل المواطنون غير المسلمين فيما يمارسه المسلمون من شورى في شؤون عقيدتهم، اللهم إلا ما كان أدخل في القواعد المشتركة بينهما من قيم إنسانية، وقواعد أخلاقية وشؤون فنية وإدارية.

    والدولة التي مرجعيتها الإسلام حصن حصين للأقليات التي تعيش في كنفها وبين مواطنيها، لاسيما حين تكون هذه الأقليات أهل كتاب أو أهل ذمة، كما يسميهم الإسلام، وأهل الذمة من غير المسلمين هم من كانت حقوقهم مصانة في ذمة المسلمين، والمسلمون مأمورون بحماية الحرية الدينية والدفاع عنها لأنفسهم ولغيرهم، وهو أمر منصوص عليه فيما يقرءونه في كتاب الله تعالى قال عز وجل: ' أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ' (الحج ، آية : 39 ـ 40)[31].

    وهذا عهد عمر بن الخطاب لنصارى المدائن وفارس: أما بعد، فإني أعطيتكم عهد الله وميثاقه على أنفسكم وأموالكم وعيالكم ورجالكم، وأعطيتكم أماني من كل أذى، وألزمت نفسي أن أكون من ورائكم ذآباً عنكم كل عدو يريدني بسوء وإياكم , وأن أعزل عنكم كل أذى , ولا يغير أسقف من أساقفتكم ولا رئيس من رؤسائكم ولا يهدم بيت من بيوت صلواتكم ولا يدخل شئ من بنائكم إلى بناء المساجد ولا إلى منازل المسلمين , ولا تكلفوا الخروج مع المسلمين إلى عدوهم لملاقاة الحرب , ولا يجبر أحد من النصارى على الإسلام عملاً بما أنزل الله في كتابه قال تعالى ' لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ' ( البقرة , آية: 256).

    ولي شرط عليهم: ألا يكون أحد منهم عيناً لأهل الحرب على أحد من المسلمين في سر ولا علانية , ولا يؤوا في منازلهم عدواً للمسلمين , ولا يدلوا أحداً من الأعداء ولايكاتبوه[32] .


    دورهم السياسي والاستشاري في الدولة:

    اختلف الفقهاء حول مدى مشروعية مشاركة غير المسلمين في أعمال السياسة المتعلقة بالمسلمين , لا سيما في أعمال الشورى ومجالسها داخل الدولة والذي أميل إليه جواز استشارتهم ودخولهم مجالس الشورى وينسب القول بالجواز للحنفية وبعض المالكية وللعديد من الباحثين المعاصرين وما دام أنهم قد أقروا بشرعية السلطة الإسلامية الحاكمة , وبالدستور الإسلامي , والقيم الإسلامية العليا في المجتمع , فإنه لا مانع من مشاركتهم سياسية , فلهم أن يمارسوا حقوقهم السياسية في ظل هذه السلطة وأن يعبروا عن آرائهم وطروحاتهم ضمن نسق هذه السلطة التي جعلوها لهم مرجحاً , بل ولهم المشاركة في إبداء صوتهم في التصويت والانتخاب للحاكم ولهذا أجاز الفقهاء الإنكار والاحتساب على أهل الذمة أو غير المسلمين في الدولة الإسلامية إذا وجد منهم مخالفات لطبيعة دين الدولة أو معتقدها , لاعتبار أنهم إن أقاموا مع المسلمين في – بلد – واحد فإنه يحتسب عليهم في كل مايحتسب فيه على المسلمين , ولكن لا يتعرض لهم فيما لا يظهرونه في كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه , ونكاح ذوات المحارم فلا تعرض لهم فيما التزمنا تركه , وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم , ويمنعون من إظهار مايحرم على المسلمين[33].

    وأما الآيات الواردة في النهي عن موالاة اليهود والنصارى , كقوله تعالى:' َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ' (المائدة , آية: 51).

    فهي واردة ضمن حالة الحرب والعداوة الظاهرة[34], وليس ضمن حالة السلم والتعايش الأهلي ما بين الناس جميعاً , وإلا لكان من النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المدينة وإقامة دولته فيها , أن يبدأ بقتال اليهود وطردهم من بيوتهم وهذا مالم يحدث البتة , وإنما قام النبي صلى الله عليه وسلم: بجعل الدستور السياسي الذي يشمل جميع المواطنين هو الحكم , ومن ثم لما اتضح له خيانة اليهود وعذرهم المعتاد قام , بإجلاء بعضهم , وقتل البعض الآخر.

    ومما يؤيد جواز استشارتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل الشورى بين جميع أصحابه , حتى من علم منهم نفاقه وكيده للإسلام والمسلمين , كإبن سلول واستشارهم في مواضع عديدة منها الخروج يوم أحد , يقول العلامة ابن عاشور التونسي في شأن مشاورة الرسول للمنافقين: ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه , فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم لعلهم أن يخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقاً وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل[35]. فإذا كان هذا حال الرسول مع أعدائه المواطنين , الذين يسكنون معه , ويقيمون بين ظهرانيه فكيف الحال مع أهل الذمة , الذين أسلموا أمرهم في احترام قيم الدولة الإسلامية[36].

    وإذا أجاز بعض الفقهاء , منهم الحنفية والحنابلة في الصحيح من المذهب والشافعية ما عدا ابن المنذر , وابن حبيب من المالكية[37], إلى جواز الاستعانة بأهل الكتاب في القتال عند الحاجة , فمن باب أولى أن يستعان بهم في الاستشارة المدنية المتعلقة بمصالح العامة من المواطنين أو الرعية وهنا يجدر التنبيه , على أن المجلس الأعلى للدولة , وهو مايعرف اليوم بمجلس الأمن القومي الذي يتبع كل دولة , فالأصل فيه أن ينحصر في المسلمين خاصة , إذ به أسرار الدولة المتعلقة بالسلم والحرب , ومخططات الدولة , فهنا نميل إلى قصره على المواطنين المسلمين لدواع الأمن والاستقرار ويحظر على هؤلاء المواطنين تسلم مواقع قيادية أو سيادية داخل الدولة الإسلامية[38] , وممن قرروا في غير مواربة منح الأقليات حق الشورى الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال: وإن كان غير المسلمين من أهل دار الإسلام وبالتعبير الحديث ((المواطنون)) في الدولة الإسلامية , فلا يوجد مانع شرعي لتمكينهم من دخول هذه المجالس ليُمثلوا فيها بنسبة معينة , مادام المجلس في أكثريته الغالبة من المسلمين.. وإن القرآن الكريم قال :' لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ' (الممتحنة , آية: 8).

    ومن برهم والإقساط إليهم: أن يُمثلوا في هذه المجالس حتى يعُبروا عن مطالب جماعتهم , وألا يشعروا بالعزلة عن بني وطنهم , ويستغل ذلك أعداء الإسلام والمسلمين ليغرسوا في قلوبهم العداوة والبغضاء للمسلمين , وفي هذا ما فيه من ضرر وخطر على مجموع الأمة مسلمين وغير مسلمين[39].

    ومن الفقهاء الذين لم يتحفظوا في إباحة الاشتراك في الشورى لأهل الكتاب الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال: أما انتخاب ممثليهم في مجلس الأمة وترشيح أنفسهم لعضويته فنرى جواز ذلك لهم أيضاً , لأن العضوية في مجلس الأمة تعتبر من قبيل إبداء الرأي وتقديم النصح للحكومة وعرض مشاكل الناخبين ونحو ذلك وهذه أمور لا مانع من قيام الذميين بها ومساهمتهم فيها[40].
    -------------------------------------------------------------------------------

    [1] - فتح الباري (15\184).

    [2] - المحرر الوجيز (3\398) .

    [3] - الشورى في معركة البناء ص 25.

    [4] - الشورى في معركة البناء ص 32.

    [5] - فتح الباري (15\50).

    [6] - جامع بيان العلم لابن عبد البر (2\30).

    [7] - المصدر نفسه (2\101).

    [8] - بدائع السلك في طبائع (1\316-317).

    [9] - الشورى في معركة البناء ص 28.

    [10] - المصدر نفسه ص 28.

    [11] - الشورى في معركة البناء ص 32.

    [12] - المصدر نفسه ص 34.

    [13] - مدخل في النظرية العامة لدراسة الفقة الإسلامي ص 101.

    [14] - الشورى , د. سامي الصلاحات ص 81.

    [15] - صحيح سنن الترمزي الألبالي (1\80).

    [16] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 81.

    [17] - فتح الباري شرح صحيح البخاري , ك الشروط (5\403).

    [18] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 82.

    [19] - الجامع لأحكام القرآن للقرطي (5\99).

    [20] - سنن البيهقي , ك آداب القاضي (10\193).

    [21] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 83.

    [22] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 83.

    [23] - صحيح سنن الترمذي للألبالي (2\506).

    [24] - تحرير المرأة في عصر الرسالة , عبد الحليم ابو شقه (2\449).

    [25] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 83.

    [26] - الشورى في معركة البناء ص 60.

    [27] - الشورى , د. سامي الصلاحات ص 85.

    [28] - شرح صحيح مسلم للنووي (1\47).

    [29] - سنن أبي داود , ك الخراج والإمارة (3\222).

    [30] - الشورى ومعاوده إخراج الأمة ص 188.

    [31] - الشورى مراجعات في الفقة والسياسة والثقافة د. احمد الإمام ص 130.

    [32] - مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة , د. محمد حميد الله ص 488.

    [33] - الشورى د.الصلاحات ص 107.

    [34] - الجامع لأحكام القرآن للقرطي (6\216).

    [35] - تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور (3\150).

    [36] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 108.

    [37] - المصدر نفسه ص 109.

    [38] - المصدر نفسه ص 109.

    [39] - ترشيح غير المسلمين للمجالس النيابية , مجلة الإصلاح العدد 366 تاريخ 30\9\997م ص 45.

    [40] - أحكام الذميين والمستأمنين ص 84 الشورى ومعاودة اخراج الأمة ص 194.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:31


    سابعاً: أهل الشورى صفاتهم وطريقة اختيارهم:




    1- أهل الشورى وصفاتهم:

    توارد عند الفقهاء وعلماء السياسة الشرعية مفهوم أهل الشورى أو أهل الاختيار أو أهل الحل والعقد وإن كانت الأخيرة أكثر تداولاً واستعمالا عندهم ولكن عند التدقيق نرى أن كل هذه المفاهيم تستعمل في وظيفة واحدة وهي الدعامة الأساسية لولاة الأمور[1].

    إن أهل الشورى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والراشدين فيما بعد هم كبار الصحابة الذين كانوا يمثلون أقوامهم ويُحظون بثقتهم وهؤلاء كانوا يكونون مايشبه مجلساً للشورى , وقد شمل هذا المجلس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كبار السابقين الأولين من الذين امتحنوا وجُربوا فحازوا الثقة العامة , ثم بعد الهجرة أضيف إليهم زعماء الأنصار , ثم برز في عهد الراشدين عنصران آخران , وهما عنصر من الذين قاموا بأعمال جليلة في الشؤون العامة وفي الدعوة إلى الدين , وعنصر من الذين نالوا شهرة عظيمة بين الناس من حيث علم القرآن والفقة في الدين وهؤلاء كانوا يستشارون في المسائل العامة , ولكن إلى جانب هذا كان هناك بعض المسائل التي تهم الناس مباشرة، وهذه لا بد من معرفة رأي جمهور الحاضرين وقت المشاورة، وهناك مسائل أكثر عمومية تعرض على جمهور الأمة كافة ونستطيع أن نميز في هذه المرحلة ثلاث درجات من الشورى.

    ـ مسائل فنية خالصة، يؤخذ فيها برأي الفنيين.

    ـ مسائل تشريعية عامة، يؤخذ فيها برأي أهل الشورى المكون من كبار القوم الممثلين لهم، وهؤلاء هم الذين يسمون أهل الشورى.

    ـ مسائل أكثر عمومية وشمولاً، كاختيار الحاكم وإعلان الحرب وغير ذلك من القضايا العامة التي تحتاج إلى معرفة رأي الناس جميعاً، وهذه لا بد فيها من معرفة رأي الكافة عن طريق استفتاء عام[2].

    إن المراد بأهل الشورى الآن، من تجب استشارتهم، ويكونون مؤهلين بصفاتهم وشروطهم، أو معينين بأشخاصهم وأسمائهم، أي الذين يجب أن يستشيرهم المسؤولون وولاة الشؤون العامة وأبرز ما يتبادر إلى الذهن في هذا المقام هو ((مجلس الشورى)) الذي يكون بجانب رئيس الدولة وحكومته، أي ما يعرف في تراثنا الإسلامي بأهل الحل والعقد، ويدخل في هذا الباب كل الهيئات الشورية العليا،التي تحتاج إلى مستشارين كبار، وبغض النظر عن اختلاف الأسماء وتفاوت الصلاحيات لهذه المجالس من بلد لآخر، ومن مجلس، لآخر، فقد أصبحت هذه المجالس من المؤسسات الرئيسية القائمة في معظم دول العالم، وأيضاً قي معظم الدول الإسلامية.

    وبجانب هذه المجالس الرئيسية العامة لا تستغنى دولة عن مجالس ومؤسسات شورية تقريرية أخرى، تكون أضيق مجالاً وأكثر اختصاصاً وربما تكون أسرع انعقاداً أو حسماً في الأمور[3].

    فمن هم هؤلاء المستشارون الكبار الذين يحق لهم أن يكونوا في مثل هذه المجالس؟ وما هي صفاتهم وشروطهم؟ ومما لا شك فيه أن هذه المسألة متروكة للنظر والتقدير وضبط المعايير بحسب الحالات والظروف، وطبيعة المجالس والاختصاصات المنوطة بها، غير أن هذا لا ينفي وجود صفات وشروط عامة لا بد من توفرها ومراعاتها فيمن يتولون النظر والتشاور والبث في القضايا العامة للأمة والمجتمع[4].



    ومن هذه الصفات المحبذة في مثل هذه المواضع، الفطنة والذكاء والأمانة والصدق والابتعاد عن التحاسد والتنافس، وإزالة العداوة والشحناء مع الناس، وألا يكونوا من أهل الأهواء وأن يكونوا من رجال الدولة المشهود لهم بالصلاح والخير والحكمة[5]، وقد فصل علماء السياسة الشرعية وفقهاء الإسلام في صفات وشروط أهل الشورى بطريقة التدقيق والاستقصاء والتشعيب إلا أن العلامة المقاصدي الكبير الدكتور أحمد الريسوني أرجع هذه الشروط وغيرها إلى أصول جامعة أهمها: العلم والأمانة والخبرة.



    أ ـ فالعلم يدخل فيه أولاً العلم بالدين، باعتباره الإطار المرجعي للمسلم في كل ما يصدر عنه من فكر ورأي، ومن تقدير وتدبير، ومن ترجيح واختيار كما يدخل فيه الرصيد العلمي والمعرفي العام، فالمستشار أو المتشاور كلما ازداد رصيده العلمي، واتسع أفقه المعرفي، كان ذلك أنفع وأرشد له ولغيره ممن يستشيرونه أو يتشاورون معه.



    ب ـ الأمانة: فيدخل فيها الدين، وخلوص النصيحة والبراءة من الهوى والغرض، والسلامة من غائلة الحسد أو مراعاة مصلحة القريب والحبيب وكتمان السر والإنسان إذا فقد الأمانة يمكن أن يضر بعلمه أكثر مما ينفع، ويمكن أن يقدم التدليس والتضليل في ثوب النصح والنفع، كما في نصيحة إبليس لآدم وزوجه' فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ' (الأعراف ، آية : 20 ـ 22).



    ج ـ الخبرة:، فأعني بها المعرفة الميدانية، معرفة الواقع ومعرفة الوقائع وحقائقها، ومعرفة الناس وأحوالهم ومعرفة المشاكل وحلولها، ومعرفة الأدواء وأدويتها وهذا ما يعرف عند العلماء بالعقل الكامل بطول التجربة مع الفطنة والذكاء، فالشورى إنما تكون في الواقع ونوازله ومشاكله ومتطلباته، فهي ليست نقاشاً فكرياً أو بحثاً عملياً ولذلك فالعلم النظري وحده لا يكفي ما لم يتنزل على فهم صحيح ودقيق للواقع والوقائع، فالأصل في المستشار أن يكون جامعاً بين العلم النظري والخبرة العملية وخاصة حينما يتعلق الأمر بالمستشار الفرد ولكن بما أن الشرط الأول ((العلم)) والشرط الثالث ((الخبرة)) يتداخلان ويتكاملان فلا بأس إن كان في المجلس من أصحاب العلم من لهم نقص في بعض الخبرات، ومن أصحاب الخبرة من لهم نقص في بعض جوانب العلم، فإن الصنفين يتكاملان، ويأخذ هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء[6]،ومن هذا الباب دعا المفكر خير الدين التونسي إلى ضرورة الاختلاط والتعاون والتكامل بين أهل العلم وأهل السياسة , إذ لا تستقيم الأمور لأحد الطرفين دون الآخر قال: وأنت إذا أحطت بما قررناه , علمت مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور ((تحقيق مصالح الأمة)) , من أهم الواجبات شرعاً .. وبيان ذلك أن إدارة أحكام الشريعة كما تتوقف على العلم بالنصوص تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص , فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة , فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها[7].



    فهذه الصفات الثلاثة ((العلم والأمانة والخبرة)) هي الشروط الأساسية اللازمة لمن يتولون النظر والمشاورة في الشؤون العامة الدينية والدنيوية وقد جمعها الإمام البخاري بقوله: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم[8]. على اساس أن أهل العلم يومئذ هم أيضاً أهل ممارسة عملية وخبرة ميدانية وهي الأوصاف المضمنة كذلك في قول ابن جماعة: وكذلك ينبغي للسلطان مشاورة العلماء العاملين , الناصحين لله ورسوله والمؤمنين[9].



    2- اختيار أهل الشورى:

    لا مناص من قيام الأمة بانتخاب من يمثلونها وينوبون عنها في مباشرة هذا الانتخاب , ومن تنتخبهم الأمة لهذه المهمة يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل الحل والعقد لمشايعة الأمة لهم ومتابعتها لهم ورضاها بنيابتهم وعلى الدولة أن تضع النظام اللازم لإجراء هذا الانتخاب وضمان سلامته وأن تعين في هذا النظام الشروط الواجب توفرها – في ضوء ماذكره الفقهاء – في من تنتخبهم الأمة لتكوين جماعة أهل الحل والعقد ومثل هذا الانتخاب ضرورى ولازم لإيجاد أهل الحل والعقد وإثبات وكالتهم عن الأمة بالتوكيل الصريح , لأن التوكيل الضمني يتعذر حصوله في الوقت الحاضر لكثرة أفراد الأمة ولأن إجازة مثل هذا التوكيل الضمني يفتح باباً خطراً على الأمة ويؤذن بفوضى وشر مستطير , إذ يستطيع كل عاطل عن شروط أهل الحل والعقد أن يجعل نفسه منهم وينصب نفسه ممثلاً عن الأمة بحجة أنها ترضى بنيابته عنها ضمناً وهذا مالا تجوزه الشريعة ولا يستسيغه عقل[10].

    ولضمان سلامة انتخاب مجلس الشورى , انتخاب الأكفاء المخلصين لعضويته لا يكفي وضع نظام لهذا الانتخاب , بل لابد من إشاعة المفاهيم الإسلامية , ورفع المستوى الأخلاقي في الأمة , وتربية الأفراد على مخافة الله وتقواه حتى لا ينتخبوا إلا الأصلح وليقوم من تنتخبه الأمة بواجبه كما يأمر الإسلام[11].

    إن طريقة الانتخاب المباشر هي الأكثر اعتمادأ في السيرة النبوية وفي سيرة الخلفاء الراشدين , ففي هذه الحقبة النموذجية كان الزعماء والوجهاء والمستشارون والمقدمون هم الذين ينبثقون ويقدمون في أقوامهم وعشائرهم ومدنهم وقراهم بشكل طبيعي طوعي , وهم الذين يحظون بالتقدير التلقائي والاختياري لعموم الناس , فيكون جمهور الناس هو الذي انتخبهم ورضي بهم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الزعماء والوجهاء والنقباء الذين اختارهم أقوامهم وتبوؤوا مكانتهم تلك برضاهم بهم وتقديمهم إياهم[12].

    ففي بيعة العقبة الثانية قال عليه الصلاة والسلام للأوس والخزرج: اخرجوا لي اثني عشر نقيباً منكم يكونون على قومهم , فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس[13].

    - ونلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين النقباء , إنما ترك طريق اختيارهم إلى الذين بايعوا فإنهم سيكونون عليهم مسؤولين وكفلاء، والأولى أن يختار الإنسان من يكفله ويقوم بأمره، وهذا أمر شوري، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمارسوا الشورى عمليا من خلال اختيارهم نقبائهم.

    - التمثيل النسبي في الاختيار , فمن المعلوم أن الذين حضروا البيعة من الخزرج , أكثر من الذين حضروا البيعة من الأوس , ثلاثة أضعاف من الأوس , بل يزيدون ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس , وتسعة من الخزرج[14] .

    وفي غزوة حنين حينما أراد عليه الصلاة والسلام أن يمن على قبيلة هوازن , ويرد عليهم سبيهم، دعا أصحابه المقاتلين معه وعرض عليهم الأمر قائلاً: أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين , وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم , فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يضئ الله علينا فليفعل فقال الناس: قد طبنا بذلك يارسول الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن , فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم . فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا[15].

    والذي يعنينا – في هذا المقام – هو أن هؤلاء النقباء والعرفاء كانوا نتيجة انتخاب اجتماعي تلقائي , ناجم عن مكانتهم وأهليتهم من جهة وعن رضى الناس بهم من جهة أخرى فلم يكن أحد يرسلهم إليهم أو يفرضهم عليهم , بل كانوا هم الذين يخرجونهم منهم وجاءت سنة الخلفاء الراشدين وفقاً للسنة النبوية , فكان الخلفاء إذا أرادوا أن يستشيروا في أمر ديني أو دنيوي جمعوا وجوه الناس ورؤوسهم[16].

    على أن تفضيل هذه الطريقة واعتمادها طريقة أصلية , لا ينبغي أن يكون مانعاً من اعتماد طريقة التعيين على سبيل الاستدراك وسد النقص , فهذه الطريقة أيضاً يمكن العمل بها وفق حدود وضوابط تحقق فائدتها دون أن تتحول طريقاً للاستبداد والتحكم , كما أن طريقة التعيين قد تكون في بعض الحالات هي الطريقة السليمة والمثلي كما في اختيار خواص المستشارين, وأعضاء بعض المجالس – أو اللجان – الاستشارية المتخصصة في شؤون أمنية أو عسكرية أو اقتصاديه .. أو نحو ذلك من الاختصاصات الصرفة[17].

    إن شؤون الحياة متعددة , ولكل شأن منها أناس هم المختصون فيه وهم أهل معرفته , ومعرفة مايجب أن يكون عليه , ففي الأمة جانب القوة وفي الأمة جانب القضاء وفض المنازعات وحسم الخصومات , وفيها جانب المال والاقتصاد , وفيها جانب السياسية وتدبير الشؤون الداخلية والخارجية , وفيها جانب الفنون الإدارية وفيها جانب التعليم والتربية , وفيها جانب الهندسة , وفيها جانب العلوم والمعارف الإنسانية وفيها غير ذلك من الجوانب ولكل جانب أناس عرفوا فيه بنضح الآراء وعظيم الآثار وطول الخبرة , والمران هؤلاء هم أهل الشورى في الشؤون المختلفة وهم الذين يجب على الأمة أن تعرفهم بآثارهم وتمنحها ثقتها , وتنيبهم عنها في الرأي وهم الذين يرجع إليهم الحاكم لأخذ رأيهم واستشارتهم , وهم الوسيلة الدائمة في نظر الإسلام لمعرفة ما تسوس به الأمة أمورها , مما لم يرد في المصادر الشرعية ويحتاج إلى اجتهاد[18] , ولذلك ينبغي أن يعتمد في الشورى على أصحاب الاختصاص والخبرة في المسائل المعروضة التي تحتاج إلى نوع من المعرفة ففي شؤون الدين والأحكام يستشار علماء الدين وفي شؤون العمران والهندسة يستشار المهندسون , وفي شؤون الصناعة يستشار خبراء الصناعة , وفي شؤون التجارة يستشار خبراء التجارة , وفي شؤون الزراعة يستشار خبراء الزراعة وهكذا وهنا لابد من توجيه الأنظار إلى أنه من الضروري أن يكون علماء الدين قاسماً مشتركاً في هذه الشؤون , حتى لا يخرج المستشارون من تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة.



    3- نموذج للمشورة وللمستشير والمستشار:



    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة , فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس , وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه: ياابن أخي , لك وجه عند هذا الأمير , فاستأذن لي عليه , قال فأستأذن لك عليه: قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة , فأذن له عمر , فلما دخل عليه قال: هِيْ ياابن الخطاب , فو الله ماتعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل , فغضب عمر حتى هم به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين , إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم 'خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ' وإن هذا من الجاهلين والله ماجاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافاً عند كتاب الله[19].



    من العبر والدروس والفوائد من هذا النص:

    أ‌- بعض صفات أهل الشورى , كالعلم والحلم , والنصح والتنبيه لولي الأمر.

    ب-أن المستشار – وغيره من أهل البطانة – يكون في خدمة عامة الناس , ويكون همزة وصل – لاهمزة قطع – بينهم وبين ولاتهم.

    ج- ومنها أن المستشار يلتمس الأعذار والمخارج للناس من إساءتهم وسوء أدبهم ويدفع الأمير إلى التجاوز والعفو عنهم , بدل دفعه إلى معاقبتهم والانتقام منهم.

    س- ومنها أن هذا العفو وعدم الزجر ولا العقوبة , يشجع عامة الناس على الكلام , وعلى تقديم شكاويهم وملاحظاتهم وانتقاداتهم ونصائحهم دون رعب أو خوف , مع العلم أن سوء الأدب سيزول إذ قُوبل بحسن الأدب قال تعالى:'إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ' ( هود , آية: 114).

    وتشجيع الناس على الحرية والصراحة – ولو مع قلة أدب أحياناً – أولى من تشجيعهم على التملق والنفاق .

    ش- ومنها أن عمر رضي الله عنه كانت له مجالس للشورى , وكان أهلها وأعضاؤها من أهل العلم كهولا وشباباً.

    ك- ومنها أن عمر كان يختار بطانته من الناصحين المخلصين ويُدنيهم ويحيط نفسه بهم.

    ل- ومنها أن الأمير يقبل من مستشاره وناصحه , بلا تردد ولا تمنع ولا تكبر , خاصة إذا كانت نصيحته له ونابعة من كتاب الله[20].

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 55.

    [2] الشورى وأثرها في الديمقراطية، عبد الحميد الأنصاري صـ 226 ـ 227.

    [3] الشورى في معركة البناء صـ 66.

    [4] المصدر نفسه صـ 66 إلى 68.

    [5]

    [6] الشورى في معركة البناء صـ 69.

    [7] - أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ص 175 , 176.

    [8] - البخاري , ك الاعتصام , باب وأمرهم شورى بينهم.

    [9] - تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ص 72.

    [10] - حقوق الفراد في دار الإسلام عبد الكريم زيدان ص14.

    [11] - المصدر نفسه ص 21.

    [12] - الشورى في معركة البناء ص 72.

    [13] - السيرة النبوية للصلابي(1\426).

    [14] - المصدر نفسه (1\430,431).

    [15] - الشورى في المعركة البناء ص 72.

    [16] - المصدر نفسه ص 73.

    [17] - المصدر نفسه ص 74.

    [18] - الدولة الزنكية للصلابي ص 258.

    [19] - البخاري , ك التفسير باب خذ العفو وأمر بالمعروف.

    [20] - الشورى للريسولي ص 176 , 177.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:31


    ثامناً: الشورى ومأسستها:


    إن اعادة الاعتبار للشورى وبناء قضايا الشورى وقواعدها على نحو متكامل فعال واستكمال مايلزم من ذلك من أجل مواجهة التطورات ومتطلباتها , كل ذلك يجد أسسه المرجعيه ومادته البنائية في الرصيد النظري والتطبيقي للمرحلة التأسيسية – النبوة والخلافة الراشدة – وفي قواعد الشرع ومقاصده وفي النظم والخطط التى عمل بها المسلمون عبر تاريخهم وفي مختلف دولهم ونقطة الانطلاق في تأسيس الشورى هو النظر إليها على أنها دين ووحي وشرع من الله تعالى , فهي جزء من الشريعة , بل قاعدة كبرى من قواعدها , فتطبيقها تطبيق للشريعة , وتعطيلها هو تعطيل للشريعة , ثم بعد ذلك هي الأداة الرئيسية – بعد الوحي – لتحقيق الهداية والسداد والرشاد في التصرفات الفردية والجماعية , فالمسلمون يهتدون ويترشدون بالوحي أولاً , وبالشورى ثانيا وفي ثناياهما وبعدهما أو معهما يأتي مطلق العلم والعقل وتأتي التجربة والاجتهاد وسواء تعلق الأمر بمقتضيات الوحي أوبمقتضيات الشورى فيما ليس وحياً , فإن المؤمنين موصوفون بأنهم ' يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ' (الزمر , آية:18) تماماً مثلما هم موصوفون بأنهم 'وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وأَمْرُهمُْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ' (الشورى , آية: 38).

    إن مشاورة المسلمين في أمورهم العامة ومصالحهم المشتركة هو حق لهم لا يجوز غصبه منهم وإذا كان إشراك الناس أو من يقوم مقامهم في الشورى وفي تدبير أمورهم , هو حق من حقوقهم , فلا شك أن غصبهم هذا الحق وإسقاطه وتعطيله هو ظلم لهم وهذا الظلم يتفاقم ويتفاحش بعدد أصحاب الحق، وبقدر استمرار هذا الغصب وسيئ آثاره[1] المتراكمة ' فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ' (الحشر , آية : 2).

    يقول ابن خلدون: ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب , كما في المشهور , بل الظلم أعم من ذلك وكل من أخذ من ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أوفرض عليه حق لم يفرض الشرع فقد ظلمه ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران[2]. فالشورى المصدر الثاني لهداية الناس ورشدهم وصلاح أمورهم , بعد الوحي , وعلى أنها حق من حقوق المسلمين وأن غصبه وتعطيله هو من أعظم المظالم والمفاسد التي حاقت بالمسلمين , وأن تصحيح هذا الوضع وإعادة الشورى إلى نصابها هو أحد الشروط الضرورية وأحد المسالك الأساسية لكل إصلاح ونهوض ديني ودنيوي.

    1- الفراغ التنظيمي والفقهي في إدارة الشورى:[/SIZE]

    إن الفراغ التنظيمي والفقهي في مسألة إدارة الشورى , وإدارة الاختلافات السياسية قد شكل على الدوام سبباً لتحكم منطق القوة والغلبة بكل مايعنيه ذلك من فتن وصراعات وتصفيات دموية وقد وردت أحاديث وآثار صحيحة كانت تقتضي المبادرة إلى وضع قواعد مضبوطة ومتعارف عليها لفض النزاعات وتجاوزها وصد الفتن وتجنبها بدل السقوط فيها ومعالجتها بالسيوف[3].

    أ- عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية , حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلاً , ثم إنصرف إلينا , فقال صلى الله عليه وسلم , سألت ربي ثلاثاً , فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة , سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها[4].
    نلاحظ أن الطلبين الأول والثاني يتعلقان بأسباب قدرية صرفة ليس للأمة مسؤولية فيها وليس من كسبها ولا من صنع يدها , ولا يمكن أن يدفعها من هلاكها إلا قدر الله تعالى.

    وأما الطلب الثالث فمتعلق بعمل الناس واجتراحهم واجتنابه أو علاجهم بأيديهم وقد أرشدهم إلى أسباب الأخوة والوحدة وحذرهم من أسباب العداوة والفرقة فلن يكون بأسهم بينهم إلا بمخالفة أحكام دينهم وتفريطهم فيما فرض عليهم , فليس أمامهم إلا أن يحلوا مشاكلهم الناجمة عن أفعالهم بأنفسهم , وأن يحتاطوا ويسدوا أبواب الفتن والصراعات وإلا فليتحملوا نتائج الإخلال والتفريط ونتائج التعدي لحدود الله.

    ومن التحصينات الإسلامية ضد التصارع والتفرق والفتنة , أن فرض على المسلمين أن يكون ' وأَمْرُهمُ شُورَى بَيْنَهُمْ'.

    والشورى تفضي إلى تحكيم الشرع , وتحكيم العقل , وتحكيم المنطق , وتحكيم المصلحة , والشورى حوار وتفاهم وتوافق حيث يأخذ كل ذي حق حقه , والشورى استدلال واحتجاج وإقناع وفي الجهة الأخرى يوجد الاستبداد والأنانية والمغالبة بكل وسائلها , من مكر وسيف وبأس وتآمر[5] وقوله صلى الله عليه وسلم: وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها , ليس معناه أن ((بأسهم بينهم)) مفروض عليهم , ولا محيد عنه ولا مخرج منه , بل معناه فقط أن هذا الطلب غير مجاب وغير مضمون لهم , وأنه متروك لتصرفهم وتدبيرهم وسلوكهم , وأن عليهم أن يحتاطوا لأنفسهم بأنفسهم ومن الاحتياطات التي يلزم تحقيقها تجنباً للفتن والصراعات اعتماد الشورى، وتنظيم إدارة الشورى، وتنظيم الشورى في مواطن النزاع ومظان الصراع , بصفة خاصة , وفي هذا المعنى يقول العلامة الفقيه محمد الحجوي الثعالبي: ولعدم الشورى المنظمة في الإسلام وقع ماوقع من الفتن والحروب بعد عمر , ليقضي الله أمره . ولا أزال أقوال: إنه كان يجول في فكر عمر شئ من ذلك , بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة[6] .

    ب- الفتنة التي تموج كموج البحر:

    سأل عمر بن الخطاب بعض الصحابة عن حديث الفتنة التي تموج كموج البحر , فقال له حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين , لا بأس عليك منها , إن بينك وبينها بابا مغلقاً قال: أفيكسر الباب أم يفتح ؟ قال: قلت: لا بل يكسر قال ذلك أحرى أن لا يغلق .

    وللدكتور أحمد الريسوني تعليق جميل على هذا الحديث , حيث يقول: فنحن أمام إخبار نبوي عن فتنة آتية , تموج كموج البحر , وأن هذه الفتنه دونها باب مغلق إلى حين وأنها ستدخل على المسلمين عند زوال ذلك الباب , وهنا سأل عمر , بحنكته وبصيرته وبعد نظره , أفيكسر الباب أم يفتح ؟ فيأتي جواب حذيفة لا بل يكسر , فيقول عمر ذلك أحرى أن لا يغلق, فالباب المغلق إذا تم فتحه بكيفية طبيعية , يمكن إعادة غلقه بكيفية طبيعية , ولكن إذا كسر وحطم , بقي مشرعاً , على الأقل إلى حين , أي إلى أن يعاد الباب إلى وضعه السوي وإلى إغلاقه المعتاد وأما أن كان كسره وتحطيمه نتيجة خصام وتنازع فقد لا يتأتى إصلاحه وإعادته إلا بعد إنهاء الخصومة والنزاع ومعالجه أسبابهما[7].

    والمخرج هو إعادة بناء الأبواب, وإغلاقها في وجه الفتن وأصحاب الفتن, فحين تكون عندنا أبوب وتكون عندنا مداخل ومخارج ويكون عندنا حراس وبوابون, وعندنا مفاتيح, لكل باب مفتاحه, ويكون عندنا قواعد ((أو قوانين )) للدخول والخروج والفتح والإغلاق, حينئذ لا خوف من الفتن, حتى لو أطلت أو تسللت أو تسربت.
    إن هذا بعض ما أعنيه بتنظيم الشورى ومأسسة الشورى وتنظيم إدارة الشورى, أي لابد من مؤسسات للشورى ولابد من قوانين تنظيمية للشورى[8], والإسلام أعطانا مجالاً واسعاً لتنظيم مؤسسة الشورى وجعل ذلك اجتهاداً منوطاً بأهل الاختصاص في هذه الأمة وهذا من مراعاته للمجالات المتحركة والمتغيرة, فهو مثلاً قد أمر بالعلم والتعليم والتعلم, ولم يضع لذلك تنظيماً محدداً وهو قد أمر بالحكم والقضاء بين الناس وأن يكون ذلك بالعدل وبما أنزل الله ولكنه لم يضع لنا نظاماً قضائياً وأمر بالجهاد, ولم يضع لنا تنظيماً لذلك وكلفنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يفرض نظاماً أو طريقة مفصلة لذلك وحث على الوقف والتحبيس ولم يرسم لنا نظاماً لتسيير الأوقاف المتراكمة عبر العصور[9].

    فالإجراءات والقوانين والوسائل التنظيمية, هي بمثابة الملابس ضرورية ولا غنى عنها ولكنها تفصل بحسب الأجسام وتفاوتها في الأحجام والزمان وبحسب أحوال الطقس من برد وحر واعتدال وبحسب حالة الجسم من صحة واعتلال, وبحسب طبيعة الأعمال والممارسات المختلفة ولتوضيح المسألة أكثر, أصنع أمام القارى الكريم نموذجاً واحداً للوظائف والتكاليف الشرعية التي أخذت مايلزم من التنظيم والتقنين والمأسسة وهو العلم والتعليم للمقارنة مع الشورى ومآلها, ففي العلم والتعليم – كما في الشورى – وردت آيات وأحاديث تحث وترغب وتأمر وتشجع, ثم في الأمرين معاً نجد ممارسة تطبيقية, تتسم بكامل الجدية والفاعلية أيضاً تتسم – من حيث تنظيمها – بالبساطة والعفوية والمرونة, ولم يختلف الأمر كثيراً على عهد الخلفاء الراشدين بعد ذلك دخلت المسألة العلمية والتعليمية في مسار متواصل من التنظيم والضبط والمأسسة والتوسيع والتفريع, حتى انتهى الأمر سريعاً إلى المدارس والجامعات النظامية ذات البنيات الإدارية, والبنايات العمرانية والموارد المالية, فضلاً عن نظمها التعليمية بموادها وبرامجها ومستوياتها وأساليبها وأصبحناً أمام مدارس وجامعات, أهلية لاتعد ولا تحصى ورسمية حكومية لاتعد ولاتحصى وكل هذه النظم والمؤسسات والمناهج والتخصصات والشواهد والإجازات والموارد والميزانيات, لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمر بها، ومع ذلك بادر إليها المسلمون وتنافس فيها العلماء والأمراء والأغنياء والفقراء ولو لا ذلك لبقيت الحركة العلمية ضئيلة وبدائية ولما أمكنها الاستجابة للمتطلبات والتحديات الجديدة للمجتمعات الإسلامية, وللدعوة الإسلامية, وللدولة الإسلامية, ولبقيت هي نفسها عرضة للتلاشي والإندثار[10].

    وإذا كانت هذه التدابير التنظيمية ليس لها وضع شرعي محدد, وليست منصوصاً عليها ولا مأموراً بها على وجه التفصيل والتعيين, فإن الشرع قد تضمن عدداً من القواعد العامة الحاكمة والموجهة في كل مجال وفي كل وظيفة شرعية ففي الممارسة الشورية هنالك عدد من المبادئ والقواعد المؤسسة والهادية للممارسة الشورية وهي مستوحاة من القرآن والسنة ومن التجربة العلمية للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين[11].

    إن الشورى تستوجب وضع القواعد المنظمة لممارستها وكذلك تبرز الحاجة إلى الأطر المؤسسية والإجرائية التي تواكب متغيرات العصر وتحافظ على مقتضيات الأصل, وهي مما يدخل في دائرة الاجتهادات المشروعة التي تتصل بتطوير الوسائل نحو بلوغ الغايات ولابد من عناية بها, لأن تنظيم شكل ممارسة الشورى يضمن لها الفعالية, وغياب هذا التنظيم قد يحولها إما إلى شورى صورية لاحقيقة لها, وإما إلى فوضى في الرأي لا غنى لها.
    والتنظيم المقصود للشورى يرتكز على أن الإقرار بحق الفرد في الشورى يجب أن يقابله الالتزام بواجب الفرد في الالتزام أولاً بممارستها في محلها وأخيراً بما تسفر عنه من رأي إن كان مخالفاً لما هو عليه من رأي. والدرس الشورى المستفاد من العمل برأي الأكثرية أن تتحمل نتائج تبعة العمل واتخاذ القرار ولحسم التردد بعد اتخاذ القرار[12].

    ويجيء الأمر بالتزام الشورى كمنهج مهما كانت النتائج والمراد تربية الأمة على الشورى.

    إن مكتبتنا في هذا الجانب فقيرة إلى كتاب أصلى لتنظيم إجراءات الاجتماع والتداول وإبداء الرأي, كما أن قوانيننا التي تنظم مجالات القول والتعبير وإبداء الرأي فقيرة أيضاً إلى مرجعية تأصيلية تراعي مقتضيات الممارسة الحرة المسؤولة ولكننا هنا نشير إلى جوامع من الأفكار التي يمكن أن تُترجم إلى قوانين حاكمة في المجالات المشار إليها آنفاً.

    وهكذا لابد للشورى – في كل عصر ومصر أو بحسب الظروف المكانية والزمانية – من مؤسسات وإجراءات تناسبها من حيث هي مناهج لتحقيق المقاصد مع احتفاظ الشورى بجوهرها في كونها ممارسة حرة لإبداء الرأي وتبادله بغية الوصول لإجماع أو ما يقاربه وهذه الوسائل من الاجتهادات المشروعة في إعمال أحكام الشورى على متغيرات العصر, ويمكن استخلاص الاجتهاد في استحداث مجالس الشورى التشريعية والرقابية[13] من الآية الكريمة قال تعالى: 'وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وأَمْرُهمُْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ' (الشورى , آية: 38) وذلك على النحو التالي:

    أ‌- يؤخذ من لفظ ((وأمرهم)), أي: الأمر الموكول إلى الناس , وليس أمر الله الذي نزل به الوحي الثابت النص والدلالة , اللهم إلا ما كان من الشورى حول وسائل تنفيذ هذا الأمر الإلهي.

    ب- كما يؤخذ من لفظ ((بينهم)), أي بين العامة والخاصة وذلك حول اختيار إمام المسلمين من خلال البيعة الخاصة ثم البيعة العامة, وربما كان كما أسلفنا بمثلها في هذا العصر الانتخابات الرئاسية علاوة على الشورى في الأمور العامة بين ممثلي الأمة, مما يقتضي اختيار مجالس الشورى بالانتخاب العام, وهي مجالس للتشريع والرقابة تحول دون استبداد الحكم الفردي .

    ج- ويمكن أن يُتوخى في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الإجماع, وإلا فالرأي العام الغالب والراجح وكذلك الأمر في مجالس الشورى التشريعية والتنفيذية لقوله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسواد الأعظم[14].
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:32




    2- صلاحيات مجلس الشورى ووظائفه:

    - الرقابة على شرعية النظم والأحكام ودستورية القوانين وشرعيتها وهي مهمة العلماء وأهل الاختصاص.

    - المحاسبة وأداء واجب النصيحة وفقاً للمشروعية وممارسة حق الرقابة.

    - إظهار عدم الرضا عن المعاونين والولاة.

    - حق حصر المرشحين للرئاسة وغيرها من المناصب.

    وأما وظائف الشورى:

    كما يستفاد من العرض السابق كله فإن للشورى وظائف أساسية نستطيع إجمالها فيما يلي:

    - اختيار من يلي أمور البلاد والعباد ولاية ((الرئاسة)) ومن يقوم مقامه في مستويات أدنى.

    - اختيار مجلس التشريع والرقابة العامة على كل المستويات ((المستوى الوطني , والمستوى المحلي)).

    - إقرار أو تعديل عقد الحكم العام ((الدستور)).

    - التوصل إلى قرار في القضايا المصيرية للبلاد وهذه الأمور الأربعة تفرض للشورى العامة.

    - الوصول إلى قرار داخل جميع الأجهزة[15].

    3- من قواعد الشورى المؤسسية:

    أ- التزام الأقلية برأي الأغلبية في التخطيط والتنفيذ اتباعاً للسنة النبوية وسنة الخلافة الراشدة.

    ب- ثم إن الحاكم مسؤول عن أخطائه يحاسب عليها[16].

    4- من المؤسسات الشورية المعاصرة:

    أما الأطر المؤسسية التي تقتضي ممارسة الشورى:

    أ- المجلس التشريعي الرقابي الوطني مهما كان اسمه ثم المجالس المحلية وهذه هي المحال الأساسية للشورى في الشأن العام.

    - والمجالس التنفيذية من حيث التداول والنظر وتبادل الآراء يجب أن تكون محكومة بأدب الشورى ومنهجها.

    - مجلس الخبراء التي تجتمع – أو يجب أن يكون الشأن جمعها – للتداول حول أمر من أمور السياسات العامة صفته التخصص , ولكن آراء الخبراء وأهل الدراية فيه مختلفة, وهذه شورى علماء لا تلجأ إلى عد الأصوات ولكنها تؤدي إلى التمهيد لتبني سياسة عامة في الدولة أو المجتمع.

    - المؤتمرات التي تُدعى لشؤون التخطيط والسياسة.

    - الجمعيات, سياسة كانت أو اجتماعية, أحزابا أو مؤسسات للنفع العام, أو تجمعات مفتوحة للراغبين من أهل فن معين أو هم مشترك.

    ومما يتضح أن هنالك أطراً للشورى على الدولة إنشاؤها وإعمارها بالعضوية بشكل منتظم, وإلزامها بالتشاور وأن يلتزم أولو الأمر من بعد نشرها[17].


    5- النظم الإجرائية لعملية الشورى:

    هنالك نظم إجرائية تجعل عملية الشورى ميسورة وفعالة, منها مايلي:

    - إتاحة الفرصة كاملة لرأي الأقلية ليجد حظه من النظر والنقاش.

    - جعل الإجراءات في خدمة الرأي, تمهد له العرض السليم والنقاش المفيد لا سيّدة عليه تمنعه إذا شاءت أو تتحايل على حجبه متى شاءت.

    - إبطال هيمنة القيد الزمني على حق إبداء الرأي, وذلك بإتاحه الفرصة كاملة للأعضاء للتعرف على المعروض عليهم من قضايا, يهيأ لها قبل وقت كاف من لحظة اتخاذ القرار.

    - ترشيد المؤسسات الممهدة للشورى ,وأهمها الصحافة حتى تكون عوناً للأداء الشورى السليم, بأدائها للدور التمهيدي المنوط بها من تعريف بالآراء والقضايا, بدون تزييف أو تضليل, أو إخفاء وإبداء حسب المصلحة.

    - الابتعاد فيما يوضح من لوائح من أية بنود أو مواد لإعلاء كفة الرؤساء وأهل النفوذ المؤسسي على سائر الأعضاء إلا الصوت المرجح وإلا بالفرصة الأرحب في العرض.

    - إتاحة ما من شأنه أن يعين العضو على الجهر برأيه الخاص ويجنبه التسليم برأي العصبية, من شاكلة سرية التصويت, أو علنيته وعدم إفضاء أية محاسبة أو عقوبة تترتب على محض إبداء الرأي.

    - إقامة دوائر الشورى الممهدة للتداول الشوري القويم[18].

    6- الأصول والقواعد الشرعية تؤيد تطوير المؤسسة الشورية:

    إن الأصول والقواعد الشرعية تؤيد تطوير المؤسسة الشورية ومن هذه القواعد.

    أ- تُحدَثُ للناس أقضية بقدرما أحدثوا من فجور:

    هذه القاعدة وإن كانت بهذه الصيغة منسوبة للخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه, فإنها قاعدة معمول بها قبله وبعده عند الفقهاء والولاة والقضاة[19].

    وإذا انتقلنا بهذه القاعدة إلى موضوع الشورى, فإن أفضل مثال أبدأ به هو ماذهب إليه عمر رضي الله عنه حين بلغه أن هناك من يتحين فرصة وفاته ليبادر إلى بيعة من يريد ويضع المسلمين أمام الأمر الواقع وأمام هذا التطلع الخطير لم يكتف عمر بالبيان والتحذير, ولا بالحكم ببطلان هذه البيعة, إذا تمت بغير مشورة من المسلمين بل هدد بالقتل لمن يبادر إليها ولمن يقبلها لنفسه, وهذا حكم لا وجود له ولا نظير له في الكتاب ولا في السنة, ومع ذلك لم ينكره أحد من الصحابة على عمر ولم يعترض عليه – فيما أعلم – أحد من العلماء إلى الآن فما سند هذا الحكم من عمر؟ إنها هذه القاعدة الجليلة تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور, وأي فجور أكبر من هذا التهور والاستخفاف والتلاعب بحق الأمة ومصيرها؟ فهذا أمر لا بد فيه من حكم رادع ومكافئ والعبرة التي نأخذها ليومنا وغدنا هي أن كل تطور في الناس وحياتهم ومجتمعهم وخاصة التطور السلبي, يحتاج إلى الاجتهاد المناسب والأحكام الملائمة وفق الأدلة الشرعية, ووفق قواعد التشريع ومقاصده لكي يتخذ من التدابير ومن النتظيمات ومن المؤسسات كل مايحفظ على المسلمين دينهم ومصالحهم, وما يمنع أو يدفع الفتن والانحرافات عنهم[20].

    ب- قاعدة سد الذرائع:

    وفي موضوع الشورى, نجد عمر أيضاً أول من استعمل سد الذرائع وذلك حين رفض استخلاف ولده عبد الله, وحتى حين أدخله للحضور مع الستة أصحاب الشورى اشترط ألا يكون له من الأمر شيء وإنما لمجرد الرأي والترجيح عند الاقتضاء وكذلك استبعد من هذا الأمر ابن عمه سعيد بن زيد رغم أنه من المبشرين بالجنة مثل الستة أصحاب الشورى, فعمر رضي الله عنه, كان يخشى إن يتولى بعده أحد قرابته, رغم أهليته أن يتخذ ذلك ذريعة لتوريث الخلافة, وجعلها دولة بين الآباء والأبناء والأجداد والأحفاد ومع هذا فإن المحذور حصل ولو بعد حين, ولو أن قاعدة سد الذرائع قد أعملت في مجال النظام السياسي ومؤسساته وتدبير شؤونه, لأغلقت الباب على كثير مما أصاب الممارسة السياسية في تاريخنا من التلاعب والتعطيل والتضليل والإفساد والاستبداد[21].

    ج- المصالح المرسلة: وهذا أصل كبير من أصول التشريع الإسلامي, وهو يقوم على أساس أن الشريعة وأحكامها, إنما هي لمصلحة العباد في دينهم ودنياهم وأن مدار أحكامها على جلب ما فيه مصلحة حقيقية لهم ودرء ما فيه مفسدة حقيقية لهم, عاجلة أو آجلة[22], كما يقول ابن القيم: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدل كلها, ورحمه كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها, فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور, وعن الرحمة إلى ضدها, وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث, فليست من الشريعة, وإن أدخلت فيها بالتأويل[23].

    ويمكننا اعتماد جميع التدابير والأحكام التي تحقق وتخدم الشورى, ومصلحة ممارسة الشورى, ومصلحة إقامة حياة شورية وعلاقات شورية, فكل ما يدخل في هذا الباب فهو واجب أو مندوب لأنه مصلحة مرسلة, فتحديد المستشارين, وتحديد شروطهم بدقة, ومراجعة هذا وذاك على فترات زمنية محددة, وتحديد مواعيد دورية للشورى, وتأسيس هيئات شورية متعددة, علمية وقضائية وسياسية وعسكرية ومالية والتحديد المسبق لمن يختارون الإمام.

    وطريقة تشاورهم واختيارهم له وكذلك كيفية عزله وشروط ذلك, وجعل رواتب لأهل الشورى, إذا شغلهم ذلك عن مكاسبهم كل هذه وأشياء غيرها, تدخل في باب المصالح المرسلة التي يتعين الأخذ بها كلما دعت الحاجة إلى ذلك[24].

    س: الاقتباس لما فيه مصلحة وخير:
    كان المسلمون يقتبسون من غيرهم كل ما ينفعهم ويصلح لهم مما لا يتعارض مع دينهم, بل إن القرآن الكريم يعلمنا أن نقتبس ونستفيد حتى من غير الإنسان, فقد استفاد نبي الله سليمان عليه السلام من الهدهد وكان في ذلك فتح مبين وخير عميم قال تعالى: ' فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ' ( النمل , آية: 22) وكانت عاقبة هذا النبأ اليقين, هي إعلان الملكة بلقيس إيمانها وإسلامها مع كل ما يستتبع ذلك من تحول تاريخي في ملكها ومملكتها قال تعالى: ' قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ' ( النمل . آية: 44) .
    كما قص علينا القرآن الكريم استفادة ولد آدم من الغراب ولومه لنفسه لأنه لم يهتد إلى ما اهتدى إليه الغراب قال تعالى: ' فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ' ( المائدة , آية: 30-31). فإذا كان هذا مع الهدهد والغراب , فكيف بنا مع الإنسان بكل ما وهبه الله من قدرات عقلية وفكرية, ومن قدرة على تطوير التجارب والخبرات, وبما هو مثبوت فيه وفي تاريخه من تراث الأنبياء وآثارهم ومن حكمة الحكماء وآرائهم[25].

    - حفر الخندق:

    وفي السيرة النبوية , لما اجتمعت الأحزاب – في غزوة الخندق على غزو المسلمين واستئصالهم , جاءت فكرة حفر الخندق حول المدينة , لمنع الجيوش الغازية من دخولها وهذا أسلوب كان يستعمله الفرس , وكان الذي أشار بذلك سلمان – فيما ذكر أصحاب المغازي – فقد قال لرسول الله صلى عليه وسلم: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا , فأمر النبي صلي الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة , وعمل فيه بنفسه[26].

    ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعونا من فارس , ودعونا من أساليب المجوس المشركين[27].

    وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب إلى ملوك زمانه (( قيصر , وكسرى والنجاشي )) قيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم , فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً حلقته فضة ونقش فيه (( محمد رسول الله))[28].

    وفي صحيح مسلم , من نماذج هذا التوجه والانفتاح الحضاري والاستفادة من الشعوب الأخرى .

    ما قاله المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس , فقال له عمرو: أبصر ما تقول: قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لئن قلت ذلك , فإن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة , وأسرعهم إفاقة عند مصيبة , وأُوشكهم كرة بعد فره , وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف , وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك[29] وكلها صفات مدح وثناء والدعوة إلى الاقتداء , وأقربها إلى دراستنا هذه الصفة الخامسة (( وأمنعهم من ظلم الملوك )) فالنهج الإسلامي الصحيح, جواز التأسي بكل من أحسن في إحسانه , وكل من أجاد في إجادته وكل من أصاب في إصابته , والميزان هو: ما يوافق الإسلام ويخدمه وما ينفع المسلمين ويخدم مصالحهم.

    وعلى هذا الأساس صار الصحابة والخلفاء الراشدون , فاقتبسوا واستفادوا , بلا تحرج ولا تنطع والأمثلة كثيرة في هذا المجال[30].


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] - الشورى في معركة البناء ص 132,133.

    [2] - تاريخ ابن خلدون المجلد الاول المقدمة ص 510.

    [3] - الشورى في معركة البناء ص 136.

    [4] - مسلم ك واشراط الساعة,

    [5] - الشورى في معركة البناء ص 137.

    [6] - الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي (1\239) لمحمد الحجوى .

    [7] - الشورى في معركة البناء ص 138.

    [8] - الشورى في معركة البناء ص 139.

    [9] - المصدر نفسه ص 140.

    [10] - الشورى في معركة البناء ص 140.

    [11] - الشورى في المعركة البناء ص 141.

    [12] - الشورى مراجعات في الفقة والسياسة والثقافة د. احمد الإمام ص 123.

    [13] - الشورى , د. أحمد الإمام ص 124.

    [14] - مسند أحمد رقم 17722 الشورى ص 125.

    [15] - الشورى , د. احمد الإمام ص 126.

    [16] - المصدر نفسه ص 132.

    [17] - الشورى , د. احمد الإمام ص 121.

    [18] - الشورى , د. احمد الإمام ص 123.

    [19] - الشورى في معركة البناء ص 141.

    [20] - الشورى في معركة البناء ص 443 , 144.

    [21] - الشورى في معركة البناء ص 146.

    [22] - المصدر نفسه ص 147.

    [23] - أعلام الموقعين (3\3).

    [24] - الشورى في معركة البناء ص 149.

    [25] - المصدر نفسه ص 150.

    [26] - فتح الباري (8\148).

    [27] -الشورى للريسوني ص 151.

    [28] -مسلم والبخاري.

    [29] - مسلم ,ك الفتن وأشراط الساعة.

    [30] - الشورى للريسوني ص 153.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: الشورى في الإسلام

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:33


    لقد عرف العصر الحديث تطورات هائلة وتجارب غنية من النظم السياسية والإدارية وخاصة في مجال تشكيل المؤسسات المكلفة بتدبير الشؤون العامة وتسييرها ومجمل هذه التطورات والتجارب والأنماط التنظيمية يمكن دراستها والاستفادة منها وننظر في جدواها ونتائجها , ثم نأخذ منها كثيراً أو قليلاً واسوا سمي ذلك ديمقراطية أو أساليب ديمقراطية , أو اقتباساً ديمقراطياً , أو نهجاً ديمقراطياً , فالعبرة بالمسميات , لا بالأسماء وبالمعاني لا بالألفاظ وبالمحتويات لا بالمصطلحات , وبالمقاصد والجواهر لا بالوسائل والمظاهر , كما يقول ابن القيم: فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال[1] .

    - هل نستفيد من الديمقراطية:

    إن الوسائل والموازين والطرق إنما تكتسب مشروعيتها وأهميتها ومكانتها من خلال ما تحققه وتفضي إليه.

    قال ابن القيم: فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط , وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق , وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان , فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته أماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط , فأي طريق استخرج به الحق ومعرفة العدل , وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا تُرد لذواتها وإنما المراد غاياتها[2].

    إن الأخذ من النظم الديمقراطية، أو الأخذ بالديمقراطية مع تهذيبها وترشيدها، وإنما هو من باب طلب الحكمة أنى وجدت وهو من باب السياسة الشرعية الرشيدة والسياسة الشرعية , كما يقول ابن عقيل – هي ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي[3].

    وحينما نقرر الاستفادة من التجارب والنظم الديمقراطية , فليس لأحد أن يقول لنا خذوا الديمقراطية جملة أو دعوها أو اقبلوا الديمقراطية على علاَّتها أو ((خذوا هذا النموذج بحذافيره)). أو ((خذوا الديمقراطية الغربية بحلوها ومرّها[4] لئن الديمقراطية عند أهلها إنما هي تجربة إنسانية قابلة للنقد والأخذ والعطاء وهم معترفون بأن فيها عيوب ونقائص وآفات[5].

    * من آفات الديمقراطية:

    فمن أكبر الآفات التي تعاني منها الديمقراطية اليوم، سيطرة أرباب المال على مقاليدها, بدءاً من السيطرة على المؤسسة السياسية بما يتبعها من مؤسسات متحكمة وموجهة ثم التحكم في تأسيس الأحزاب الكبرى وتمويلها ثم تمويل الحملات الانتخابية الباهظة التكاليف، بطرق قانونية وغير قانونية، ثم امتلاك وسائل الإعلام الكبرى والتحكم فيها وتوجيهها لصالح من يريدون، وضد من يريدون، وهكذا نصل في النهاية إلى أغلبية برلمانية تابعة للأقلية، أو نصل إلى حكومة الأقلية المسماة بحكومة الأغلبية[6].

    7 ـ من الفروق بين الشورى والديمقراطية:

    إذا اعتبرنا الديمقراطية مذهباً اجتماعياً قائماً بذاته فليس لنا أن نقول إنها من الإسلام، أو أن الإسلام يقبلها ويستسيغها ويتضمنها، إذ هما مذهبان مختلفان في أصولهما وجذورهما، أو فلسفتهما، ونتائج تطبيقها ولكننا إذا نظرنا إليها على أنها اتجاه يحارب الفردية،والاستبداد والاستئثار، والتمييز، ويسعى في سبيل جمهرة الشعب ويشركه في الحكم، وفي مراقبة الحكام، وسؤالهم عن أعمالهم ومحاسبتهم عليها، فالإسلام ذو نزعة ديمقراطية بهذا المعنى بلا جدال، أو أن للإسلام ديمقراطيته الخاصة به أي نظامه يمنع استبداد الحكام واستئثارهم، ويمكّن الشعب من مراقبتهم ومحاسبتهم[7].

    يقول الدكتور محمد ضياء الريس: إن ثمة أوجهاً للاتفاق كثيرة ما بين الإسلام والديمقراطية، لكن أوجه الاختلاف أكبر، وعليه سنحصر الخلاف في أهم النقاط المركزية , علماً أن البعض أوصلها إلى أكثر من خمس وعشرين نقطة وجعل منها حاجزاَ للفصل مابين الشورى والديمقراطية , لاعتبار أنه مهما يكن من التقاء في بعض الإجراءات , فإن هذا الفارق الضخم يصعب تجاهله[8].

    أ‌ - أن الديمقراطية غالباَ ما كانت تمارس في أنظمة سياسية لادينية , لاسيما في الغرب , لأن الاعتقاد كان سائداَ أن الحكم الديني ينتج طبقة كهنوتية ويجعل الحاكم مقدساَ , وبالتالي حصر العلاقة ويصادر الرأي المخالف , ويتم إصدار أحكام الكفر والزندقة ضد المعارضين , كما حدث في أزمة الكنيسة والعلم في أوروبا[9].

    في حين أن الشورى تنبع عن مجتمع يؤمن بأن الإسلام لا يحكم بعيداَ عن معاني الإيمان المرتبطة بالحياة بكافة أشكالها وصورها ويجعل الدين منهاجاَ للحياة , ولا يحصر العبادة في طائفة أو فرقة وإن كانت حاكمة أو عالمة[10].

    ب‌ - إذا تم حصر أهداف الديمقراطية في القضايا المادية البحتة , أوعزلها بالسياسة والحكم , فهذا تجميد لمعناها وقدرتها على الانسجام مع تطور المجتمعات , في حين أن الشورى تسعى الى بحث كل المسائل والقضايا ذات صلة المادية أو الروحية , فالشورى تبدأ من النطاق الأسري الصغير إلى دائرة القبيلة والعشيرة والمجتمع والدولة , وبالتالي تتحقق المشاركة الشعبية فضلاَ عن مشاركة النخب السياسية في إدارة الدولة والحكم[11].

    ج - أن مفهوم الأمة لايتحدد في الإسلام بجنس أو عرق أو أرض , بل بمفهوم الأمة الأوسع وبالتالي روح العقيدة الإسلامية ومفهوم الوحدة بين المسلمين هي الأصل , في ظل وجود مفارقات سياسية , في حين أن النظام الديمقراطي يحدد ذلك في قطر معين , مع وجود المشاحنات والتنافر بين أبناء القطر الواحد .

    س- في النظام الديمقراطي يكون الشعب هو مصدر التشريع وبالتحديد في إيكال أمر التمثيل إلى فئة تمثلهم في البرلمان أو المجلس النيابي , علما ان أرادة الشعب تتمثل غالباَ في الأغلبية أو الأكثرية , كما أن النظام النيابي أو البرلماني الديمقراطي يعوزه نوع من الدقة في مسألة التمثيل النسبي وهو أن ينال كل حزب سياسي نصيباَ من مقاعد الهيئة التشريعية , يتناسب مع ماناله من مجمل الأصوات التي أدلي بها في الانتخابات وهو يتيح أيضاَ فرصاَ لمرشحي أحزاب الأقلية في الانتخابات للحصول على مقاعد فى المجلس , إلى ضبابية البرامج الانتخابية والدعائية , أي أن الذين يمثلون الشعب ليس بالتأكيد هم الشرعية وإن كانوا حاصلين على تفويض بناءَ على إجراءات النظام البرلماني .

    في حين أن في نظام الشورى يكون التشريع فيه لله , عز وجل وحده والحاكمية له سبحانه، وحتى في المسائل الاجتهادية أو الخلافية، الأصل أن لاتخرج عن مقررات الشريعة وهذا مايوازيه في النظام الديمقراطي السيادة في الفكر الغربي , بيد أن سلطة الشعب في ظل النظام الإسلامي ليس مطلقة , بل هي مقيدة بمقرارات الشريعة وأحكامها أو بصورة أوضح , أن الديمقراطية تتجاهل المبادئ العليا والشرائع السماوية , بل قد تكون في بعض الأحيان في حال رفض وازدراء لكل المعتقدات السماوية[12].

    ج- أن الشورى مرتبطة بالنظام الإسلامي الذي يجمع مابين الأخلاق والتشريع والعمل السياسي الإسلامي، لا يخرج عن إطار العمل الأخلاقي، لأن الغاية من هذا النظام هو العمل على كسب الدنيا والآخرة معاَ، من خلال تحقيق مصالح الأفراد والدولة بصورة فيها صلاح وعمران لمفهوم الاستخلاف في الأرض .

    في حين أن الديمقراطية تخضع غالباَ في الفكر الغربي إلى تحصيل المنافع والقيم النسبية , حسب رأي الأغلبية , لاسيما إذا كانت الأغلبية مطلقة وعليه قد تقع الحيل والمخادعات وسياسات مكيا فيللي،' الغاية تبرر الوسيلة'، مما يوقع الفساد الأخلاقي والإصلاحي بإسم الديمقراطية .

    سيما إذا كان الدستور والقيم تنحصر في هذه الأغلبية , فمن الممكن أن تنحصر القيم التي تحكم الإجراءات الديمقراطية , وأن يقرر الناخبون القانون والقيمة , بدون أي مرجعية أخلاقية أو معرفية , كما فعل هتلر بعد حصوله على الأغلبية من خلال العملية الديمقراطية فقام بتصفية الأقليات العرقية والدينية بموافقة الأغلبية الألمانية , وهذا النوع من الديمقراطية هو الممارس في الغرب، إذ بهذا النظام القائم على تحصيل المنفعة واللذة يمكن إجازة الزواج المثلي، أو السحاق أو الإجهاض، وغير ذلك من الأفعال المخالفة للقيم الإنسانية بحجج تحصيل الأغلبية من النواب , إذ يكون بعضهم مرشحاَ من قبل هذه الجمعيات الشاذة أخلاقيا وهذا مايجعلنا نؤكد على أن الأنظمة الغربية تقوم على منظومة قيم تختلف جذريا عن تلك القائمة عند المسلمين وليس المشكلة في النظام السياسي فقط , بل إجراءات تحصيل المصلحة للشعوب وهذا يعود بالأساس إلى فلسفة القيم والخلق[13].


    أن قيمة الشورى كمفهوم شرعي لها من الدلالات والمعاني الإيمانية ما هو أشمل وأوسع استخداماً واستعمالاً من المقيدات والمحددات في العملية الديمقراطية, إذ أن المواطن في الدولة الإسلامية يستشعر مدى المسؤولية الشرعية أمام الله في إنكار المنكر, وفي حمل الغير على ذلك, أي أن المسؤولية الشرعية أقوى من المسؤولية القانونية في النظام الديمقراطي[14]، عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إن أول مادخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل, فيقول ياهذا اتق الله ودع ماتصنع, فإنه لا يحل لك, ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده, فلما فعلوا ذلك, ضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ثم قال ' لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ' (المائدة, اية:78ـ 81 ). ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, ولتأخذن على يدي الظالم, ولتأطرنه على الحق أطرا, ولتقصرنه على الحق قصراً[15]. بل أجمع الفقهاء على وجوب طاعة الأئمة والولاة في غير معصية, وعلى تحريمها من المعصية[16].


    8-أوجه الاتفاق بين الشورى والديمقراطية:

    أـ أن المساواة وحرية الفكر والعقيدة والعدالة الاجتماعية في الشورى والديمقراطية لا تنحصر بالنظام السياسي والحكم, بقدر ماتؤكد على البعد الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد لاسيما وأن : يعيش الشعب في ظل كيان إنساني متعاون, وفي إطار من راحة العيش[17]

    والتكافل الاجتماعي من خلال فرض الزكاة والصدقات فرض الخراج على الأغنياء إذا احتاجت الدولة للمال من أجل الدفاع عن البلاد وكفاية الفقراء والمحتاجين والمساكين, كما قال تعالى:' وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ' ( المائدة, آية : 2)

    وقضية العدالة بصورة عامة تدخل في كل شؤون الدين وتفاصيله, كما يقول ابن عبدالسلام: العدالة شرط في معظم الولايات, لتكون وازعة عن الخيانة والتقصير[18].

    وينطبق هذا أيضاً على الحرية الاقتصادية كما روى جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: دعوا الناس يرزق[19] الله بعضهم من بعض, فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه وقد أكد الدكتور وهبة الزحيلي: أن الديمقراطية الاجتماعية في الإسلام كانت أبعد مدى بكثير في حياة المسلمين الأوائل منها في الديمقراطيات الحديثة, كما كانت الديمقراطية السياسية في الإسلام أكثر عناية وتحقيقاً لأهداف الديمقراطية منها بأساليب وشكليات تلك الديمقراطية[20]

    فهما يتفقان على تمكن الفرد من المشاركة في القرارات المصيرية التي تهمه, وتهم المجتمع كله, كما أن الفرد يحصل على نصيب عادل من ثروة بلاده.

    ب-أن الأمة أو الشعب هي التي تختار ممثليها أو حكامها فالشورى والديمقراطية تدعوان لتوسيع مشاركة الناس في مجال العمل السياسي, أو بصورة أخرى بناء الأمة سياسياً ويعد هذا واجباً وطنياً, وهناك اتفاق على رفض أي نوع من الاستبداد والانفراد بالرأي[21].

    لعل في تنبيهات الصديق (( رضي الله عنه))عند تسلمه الحكم ما يشير إلى أس الديمقراطية والشورى, عندما قال: أيها الناس: إني وُليت عليكم ولست بخيركم, إن أحسنت فأعينوني, وإن أسأت فقوموني, أطيعوني ما أطلعت الله ورسوله, فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم[22]

    هذا المفهوم الأصيل الذي ذكره الصديق يوضح مدى غرابة وبشاعة الاستبداد والمستبدين عن واقع المنهج الرباني, بل كان من أهداف بعث الأنبياء والرسل محاربة الاستبداد في واقع الأقوام والجماعات سواء أكانت على نطاق الأفراد فرعون نمرود قارون .. أو على نطاق الجماعات. قوم نوح, قوم هود, مشركي قريش, هذا الاستبداد لون واحد ولكنه بشكل متعدد[23].

    وعلى توصيف الكواكبي ت 1320هـ أن (( المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم, ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي, فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق, والتداعي بمطالبته[24] , فالمستبد لا يمكن أن يكون رجل دولة, ورجل سياسة , فقط رجل لتلبية الملذات التي تعتريه[25].

    ج- عدم جواز مخالفة مصالح الأمة التي تعقد في الشورى أو الديمقراطية, لأن هذه المصالح تصدر عن طريق الموافقة الجماعية وليس عن طريق الأهواء أو الانفراد بالرأي[26].

    س: هناك مقاربة فيما يسمى في الأنظمة الديمقراطية بحكم الأغلبية, أي أكثر من نصف الأصوات التي أدلى بها, وبها يتم انتخاب الهيئات التشريعية بطريقة التمثيل النسبي حيث يعطى التمثيل النسبي الحزب السياسي نسبة مئوية من مقاعد الهيئة التشريعية, تتناسب مع نصبيه من جملة الأصوات التي أدلى بها في الانتخابات, أي أن النظام يوجب أن توافق الأغلبية على القرار البرلماني حتى يعتمد, ويصبح القرار نافذ المفعول[27].

    في حين أن مبدأ الأغلبية أو الأكثرية معمول به , لو تجاوزنا بعض الملاحظات على استعمال مصطلح الأغلبية في نظام الديمقراطية , وإن كان أمر الأقلية معتبراً[28].

    ولقد اعتمد فقهاء السياسة الشريعة هذا المبدأ, وهو العمل بالأكثرية ومصطلح الأكثرية أو الكثرة معمول به في مباحث التعارض والترجيح ومن ذلك قول الآمدي 631هـ: إن الكثرة يحصل بها الترجيح[29] , ثم انتقل للعمل به في مسالك الحكم والسياسة , كما يرى ذلك العلماء منهم الغزالي 505هـ وابن تميمة 728هـ وعلى لسان الماوردى 450هـ قوله : ويكون أهل المسجد أحق بالاختيار, وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرين[30]

    وكذلك يُعمل به في مبدأ الشورى, كما يرى ذلك الأستاذ عبد القادر عودة 1383هـ والواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية , ووجوب الشورى على الأمة يقضي التزام رأي الأكثرية[31].

    والملاحظة لأقوال الفقهاء واختلافهم أن استعمالهم عبارة ما ذهب إليه الجمهور وهم يعنون به: الأكثرية من الفقهاء سواء تعلق الأمر بالفقه أو السياسة.

    والمشكلة التي يلتفت إليها هنا, هو اعتبار الأغلبية فوق القانون, كما كان يحكم الفلاسفة وأن غالبية الشعب هي الحاكمة لا القانون[32], فهنا لا نستطيع أن نجعل هذا وجه اتفاق لكن وجه اختلاف أساسي مابين الديمقراطية والشورى, بيد أن تعويلاً على أن الأغلبية الواقعة هنا أغلبية اجتهادية في المصالح العامة، لا أغلبية في أحكام التشريع والقانون.

    ش- أن عضوية المجلس النيابة تقارب عضوية مجالس الشورى في العديد من الأشكال والصور، فالعضوية تشترط أن يكون العضو قد بلغ سناً معينة, وأن لا يكون أقترف جرماً يخل بالشرف, وأن يكون حسن السيرة والسلوك, في حين أن المجالس الشورية تشترط ما هو أقرب إلى هذا, وأحكم بالشرع , حيث تشترط أن يكون العضو ملتزماً بدين وأخلاق الإسلام, ذوي خبرة وممارسة وحنكة وأن يكون أهلاً للمسؤولية[33].

    9- الديمقراطية كمنهج إجرائي:

    يمكن الاستفادة من الخبرات المتعلقة بالنظم الديمقراطية, كمنهج إجرائي وليست كعقيدة, بمعنى أنها منهج القرارات العامة المتعلق بمصالح أفراد المجتمع منهج يشير إلى ضرورة التعايش مابين الأفراد ولو اختلفوا في الدين والعرق واللون, وأن يركزوا على فوائد الديمقراطية, كمنهج وآلية لفرز الصالح وطرح الفاسد والمتسلط والأناني لا أن ننظر إلى ما طرحه ميكا فيللي حيث أشار إلى أن الحكومات يجب ألا تكون تحت القيود الأخلاقية مثل الأفراد, لأنها لا تستطيع ذلك, أو دعوى أن الوسيلة تبرر الغاية, وجعل الذرائعية المتلخصة في قيمة الفكرة مدخلاً لقبول كل شيء[34], ولا شك أن الدول الإسلامية ملزمة دينياً, أن تنص على أن كل ما يتناقض مع الإسلام فهو باطل وغير دستوري, وغير قابل للتنفيذ ففي أي مجتمع إسلامي يتكون من أفراد مسلمين, لا يتصور أن ينعقد بالأغلبية أو الأكثرية على تحريمهم ما أحل الله, أو تحليلهم ما حرم الله, ولو حدث هذا فلن ينعقد كدليل أو إثبات شرعي وذلك لسببين, هما:

    - أن الأصل في التحريم والتحليل أنه حق خالص لله عز وجل وبالتالي لا يملك أحد من المسلمين جماعة أو فرداً أن يتولى هذا الحق.

    - ولو حدث هذا فرضاً في مجتمع مسلم, فالقول الشرعي أن هذا الاجتماع أو الحصول على أغلبية الأصوات في حكم يخالف الشريعة لا يُعتد به لأمرين:

    - أن الأحكام الشرعية لا تعقد في مثل هذه المجالس إذ أن الأصل في مناقشات الأحكام الشرعية أن تؤخذ من أصحابها وليس من النواب أو البرلمانيين أو أعضاء المجالس النيابية, فهم رُشحوا أو اختيروا من أجل إصلاح أوضاع الناس السياسية والاقتصادية, لا العمل على تغير الأحكام الشرعية.

    - ولو حدثت هذه الأغلبية فرضاُ في مجتمع مسلم باسم الديمقراطية, فهذا لا يتعدى أن يكون إجماعاً سياسياً أو استفتاء الرأي العام الشعبي, لا إجماعاً شرعياً والفرق بينهما كبير.

    ولو كانت الأغلبية البرلمانية تريد أن تغير من أحكام الشريعة فإنها كذلك لا تستطيع, لأن, أغلبية لا تستطيع في ظل الحكومة الإسلامية أن تتعدى حكماً شرعياً, على حين أنه لاتوجد حدود شرعية في الحكومة غير الإسلامية لدرجة إباحة الزنا بل الشذوذ وهو ما لا يُطرح أساساً للبحث في إطار الدولة الإسلامية مادام هناك نص[35].

    وبالتالي فالخوف من تغير الأحكام القطعية في الشرائع أو المعتقدات لا يكون, لأن ذلك سيخالف الدستور المجمع عليه عند كافة الفئات والأحزاب في الدولة, ولاعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات, وبما أن الشعب اتفق على هذا الدستور وأقره, فالأصل أن لا يخرج عنه قيد أنملة, وإلا لم تكن هذه الديمقراطية ما يبحث عنها الفرد في مجتمعه, إذا كانت تخالف دينه ومعتقداته وتراثه وأعرافه, ولأن الشورى بذاتها وأصولها عند علماء المسلمين, لم تكن مطلقه العنان بل كانت مقيدة بضوابط وأصول من أهمها قول الله تعالى:' فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ' (النساء, آية: 59).

    فإذا كان هذا حال الشورى, فمن باب أولى أن تكون الديمقراطية التي يريد المسلمون تطبيقها مقيده بدستور وأصول تعاملية وهذا لن يتحقق إلا بشرطين:

    أ‌- قبول مجتمعي لمبدأ المساواة السياسية بين المواطنين فلا سيادة لفرد أو عائلة أو حزب على الناس, كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً[36], وهذا يتحقق لكافة المواطنين داخل الدولة الإسلامية أو خارجها , للمسلمين أو لغير المسلمين، وهذا ما يعبر عنه بالمواطنة، أي لكل مواطن حقوق وواجبات، وهي حقوق وواجبات متساوية أمام القانون، وتعتبر المساواة في الحقوق والواجبات حصانه من انفلات شعبي ضد السلطة، أو قيام حرب أهلية أو تناحر فئوي داخل المجتمع الواحد في حال ضياع حقوق فئة دون أخرى , أو جماعة دون أختها , وبهذا الشرط يمكننا حصر الاختلاف الطائفي والعرقي داخل المجتمع الواحد[37].

    ب‌- التواصل إلى صيغة دستور ديمقراطي يُراعي اعتبارات مختلف الجماعات وشروط انخراطها في الممارسة الديمقراطية وبهذا الدستور يمكن التحكم برغبات وتحكمات الأفراد والأحزاب داخل الدولة بناءً على هذا الدستور المتفق عليه, بل ستكون كل القرارات والقوانين الصادرة عن السلطات في الدولة خاضعة له, وهو الذي يضمن حقوق وحريات كافة المواطنين, مع وضع قيود دستورية لكل ممارسات السلطة, لابد أن يحوي الدستور الديمقراطي مبادئ منها:

    - سيطرة أحكام الشريعة الإسلامية.

    - لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب.

    - عدم الجمع بين السلطات.

    - ضمان الحقوق والحريات العامة.

    - تداول السلطة.

    وبهذا نضمن الحقوق والحريات لكافة المواطنين بكافة أنواعها ومجالاتها الحياتية ضمن إطار الشريعة الإسلامية[38] العظيمة.

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] - أعلام الموقعين(3\181).

    [2] - أعلام الموقعين (4\373) الطرق الحكمية ص 21.

    [3] - أعلام الموقعين (4\372).

    [4] - الشورى للريسوني ص 167.

    [5] - المصدر نفسه ص 167.

    [6] - الشورى ومعاودة أخراج الأمة ص 242.

    [7] - المصدر نفسه ص 276.

    [8] - الشورى , د.سامي الصلاحات ص 318.

    [9] - مذاهب فكرية معاصرة , محمد قطب ص 9 – 70.

    [10] - الشورى , د.سامي الصلاحات ص 318.

    [11] - المصدر نفسه ص 319.

    [12] - فقه الشورى والإستشارة , توفيق الواعي ص 86.

    [13] - الشورى د.سامي الصلاحات ص 321.

    [14] - الشورى تنمية مؤسسية ونهوض حضاري ص 321.

    [15] - سنن أبي داود , ك الملاحم (4\160).

    [16] - الشورى تنمية مؤسسية ص 322.

    [17] - الإسلام دين الشورى والديمقراطية للزحيلي ص 96.

    [18] - قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (1\109) .

    [19] - سنن البيهقي ,ك البيوع (5\568) .

    [20] - الإسلام دين الشورى والديمقراطية ص 103.

    [21] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 315 .

    [22] - ابو بكر الصديق للصَّلابي ص 150.

    [23] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 315.

    [24] - طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص 33.

    [25] - الشورى د .سامي الصلاحات ص 315.

    [26] - المصدر نفسه ص 315.

    [27] - الشورى د.سامي الصلاحات ص 316.

    [28] - المصدر نفس ص 316 .

    [29] - المصدر نفس ص 316 .

    [30] - الأحكام السلطانية ص 182 .

    [31] - الشورى د.سامي الصلاحات ص 317 .

    [32] - الشورى وأثرها في الديمقراطية , الأنصاري ص 33.

    [33] - الشورى , د.سامي صلاحات ص 317.

    [34] - المصدر نفسه ص 322.

    [35] - الشورى , د.سامي الصلاحات ص 324.

    [36] - الشورى د.سامي الصلاحات ص 325.

    [37] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 325.

    [38] - المصدر نفسه ص 325.
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    القيم الإنسانية في الشورى:

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 10 2011, 10:35



    10 ـ القيم الإنسانية في الشورى:

    أن شريعة الإسلام قرّرت الشورى الإنسانية في أبهى حلة عرفها بني البشر من حيث الشكل والمضمون فقد ركز الدين الإسلامي علي أهمية الموازنة بين حقوق المواطن السياسية والاقتصادية , وجعل الأمر وسطا , فأكد على حق الإنسان في الحياة , واعتبر المجتمع مسؤولاً عن توفير الحاجات الضرورية لأفراده , كما ركز على حرية الإنسان وكرامته , واعتبره مسؤولاً عن أفعاله أمام الله وأمام الشرع مستهدفاً بذلك حماية النفس والمال والعرض والكرامة الإنسانية بشكل متوازن[1].

    وإن كانت لفظة الحرية لم ترد في القرآن الكريم ولكن وردت على اشتقاقات متعددة مثل تحرير, كقوله تعالى: ' وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ' (النساء , آية: 92) ولفظة محرراً' إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ' ( ال عمران , آية: 35).

    ولهذا جاء الإسلام محارباً كل أشكال التمييز والتفرقة بين الناس, وقد حارب الإسلام الرق (( التمييز العنصري)) السائد آنذاك بحكمه[2].

    والحرية أنواع تشمل الفرد والجماعة في النظام السياسي الإسلامي من أبرزها.

    - الحرية الشخصية: وهي إمكانية الفرد فعل ما يريد بشرط أن لا يضر بالآخرين وقد كفل الإسلام حرية الأفراد في الاعتقاد والفكر قال تعالى:' لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ' ( البقرة , آية: 256).

    ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سياسياً محنكاً في إعطاء الحرية للمسلمين وغير المسلمين من خلال دستور جامع لكل المواطنين عندما أراد استيعاب اليهود كسكان للمدينة المنورة تحت رايته وحكمه, ولم ينشأ صلى الله عليه وسلم اتخاذ سياسة الاستئصال أو التطهير الديني ضد غير المسلمين, بل كان نهجه إعطاء هامش أوسع للحريات الدينية[3] دلت الصحيفة بوضوح, وجلاء على عبقرية الرّسول صلى الله علية وسلم في صياغة موادِّها وتحديد علاقات الأطراف بعضها ببعض , فقد كانت موادُّها مترابطة , وشاملة وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة آنذاك، وفيها من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة المطلقة، والمساواة التامة بين البشر, وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم، ولغاتهم، وأديانهم، بالحقوق والحّريات بأنواعها[4].

    ولا تزال المبادئ التي تضمنَّها الدستور- في جملتها – معمولا بها والأغلب أنًّها ستظل كذلك في مختلف نُظم الحكم المعروفة إلى اليوم... وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها , في أول وثيقة سياسيَّة دوّنها الرّسول صلى الله عليه وسلم[5] فقد أعلنت الصَّحيفة: أن الحريات مصونة , كحرية العقيدة والعبادة , وحق الأمن... الخ, فحرية الدين مكفولة: للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم وقد أنذرت الصَّحيفة بإنزال الوعيد، وإهلاك من يخالف هذا المبدأ، أو يكسر هذه القاعدة , وقد نصَّت الوثيقة على تحقيق العدالة بين الناس وعلى تحقيق مبدأ المساواة[6].

    إن الدولة الإسلامية واجب عليها أن تقيم العدل بين الناس, وتفسح المجال وتيسِّر السبل أمام كلِّ إنسان – يطلب حقه – أن يصل إلى حقه بأيسر السبل وأسرعها , دون أن يكلفه ذلك جهداً , أو مالا[7] , وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل , التي من شأنها أن تعوق صاحب الحقِّ من الوصول إلى حقه , لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم , أو أحوالهم الاجتماعية, فهو يحكم بين المتخاصمين ويحكم بالحقِّ ولا يهمّه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أغنياء، أو فقراء، عمالاً أو أصحاب عمل قال تعالى:' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ' (المائدة , آية:Cool والمعنى : لا يحملنكم بُغض قوم على ظلمهم , ومقتضى هذا أنه لا يحملنكم حبُّ قوم على محاباتهم والميل إليهم[8].

    وقال تعالى:' فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ' (الشورى, آية:15) : يعني أنني مأمور بالأنصاف دون عداوة, فليس من شأني أن أتعصَّب لأحد أو ضَّد أحد , وعلاقتي بالناس كلِّهم سواء , وهي علاقة العدل، والأنصاف فأنا نصير من كان الحق في جانبه وخصيم من كان الحق ضده وليس في ديني أيُّ امتيازات لأيِّ فرد كائناً من كان وليس لأقاربي حقوق , وللغرباء حقوق أخرى , ولا للأكابر عندي ممِّيزات لا يحصل عليها الأصاغر, والشرفاء والوضعاء عندي سواء، فالحقُّ حق للجميع والذنب والجرم ذنب للجميع , والحرام حرام على الكلّ ِ, والحلالٍ حلال للكلِّ والفرض فرض على الكلِّ , حتى أنا لست مستثنى من سلطة القانون الإلهي[9]. وقال تعالى:' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ' ( النساء , أية: 135).



    إن في فقه أهل الذمة عند علماء الشريعة والسياسة الشرعية ما يشير إلى أن علماءنا كانوا, منصفين وعادلين لأهل الذمة وكان لهم حقوق على أساس المواطنة والحرية الكاملة لهم وليس على أساس الدين والقومية لهم ولم يشهد عصر إسلامي على مدار الحضارة الإسلامية أي عملية تطهير عرقي أو استئصال ديني لأي جماعة دينية أو عرقية, بل كانت الديار الإسلامية دائما الحاضنة الأولى لأى جماعة تريد أن ، تحتفظ لكينونتها الدينية والثقافية , كما كان الحال مع اليهود وهروبهم من الأندلس ((أسبانيا)) جراء القمع الصليبي والتطهير الديني إلى دار الإسلام، ولم تكن العنصرية يوماً من الأيام دائرة في دعوة الإسلام[10].

    وهناك حرية العمل , وحرية التعليم، وحرية التظلم ضد من يسبب له الأذى ولو كان حاكما أو مسؤولا في السلطة وحرية السكن والإقامة .. الخ

    فحرية الفرد في الدولة الإسلامية في إبداء رأيه والتعبير عنه , وحريته في الانتماء الفكري لأي جماعة تحت مظلة الإسلام , مادامت هذه الجماعة تتخذ من الإسلام منهجاً فكريا، ومن أصوله العقائدية قواعد في التفكير, لا حرج على الفرد في هذا الانتماء , إذ أن الطبائع تختلف في الوسيلة وتتفق في المآل والمصير, لا سيما إذا كان الطريق واحداً، وهو طريق الإسلام.

    إن دعامة العدل والحرية , أصلان في شريعتنا ولا يخفى أنهما ملاك القوة والاستقامة في جميع الممالك[11].

    -المساواة:

    يعدّ مبدأ المساواة أحد المبادئ العامة التي أقرّها الإسلام وهو من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم ولقد أقرّ هذا المبدأ , وسبق به تشريعات , وقوانين العصر الحديث وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قوله تعالى:' يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ' ( الحجرات , آية:13).

    وفي حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياأيها الناس , ألا إن ربكم واحد , وإن أباكم واحد , ألا لا فضل لعربي على أعجمي, ولا لعجمى على عربي , ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى , أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم.. أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال: ليبلغ الشاهد الغائب[12].

    وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: المؤمنون تكافؤ دماؤهم , وهم يد على من سواهم , ويسعى بذمتهم أدناهم[13] إن هذا المبدأ كان من أهم المبادئ التي جذبت الكثير من الشعوب قديماً نحو الإسلام، فكان هذا المبدأ مصدراً من مصادر القوّة للمسلمين الأوَّلين[14].

    وليس المقصود بالمساواة هنا , ((المساواة العامّة)) بين الناس جميعاً في أمور الحياة كافة، كما ينادى بعض المخدوعين ويرون ذلك عدلا[15], فالاختلاف في المواهب , والقدرات والتفاوت في الدرجات غاية من غايات الخلق , ولكنّ المقصود المساواة , التي دعت إليها الشريعة الإسلامية , مساواة مقيدة بأحوال فيها التساوى , وليست مطلقة في جميع الأحوال[16], فالمساواة تأتي في معاملة الناس أمام الشرع والقضاء، والأحكام الاسلامية كافة، الحقوق العامة دون تفريق بسبب الأصل أو الجنس، أو اللون، أو الثروة، أو الجاه، أو غير ذلك[17].

    إنَّ الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم، والمحكوم , الرّجال والنساء، والعرب والعجم الابيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، واللون، أو النَّسب، أوالطبقة، والحكّام والمحكمون كلهم في نظر الشرع سواء ولذا كانت الدولة الإسلامية الأولى , تعمل على تطبيق هذا المبدأ بين الناس وكانت ترعي الآتي :

    - إن مبدأ المساواة أمر تعبديُّ , تؤجر عليه من خالق الخلق سبحانه وتعالى.

    - إسقاط الاعتبارات الطبقية، والعرفية، والقبلية، والعنصرية والقومية، والوطنية، والإقليمية، وغير ذلك من الشعارات الماحقة لمبدأ المساواة الإنسانية , وإحلال المعيار الإلهيِّ بدلاً عنها للتفاضل, ألا وهو التَّقوى.

    - ضرورة مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص للجميع, ولا يُراعى أحد لجاهه أو سلطانه, أو حسبه ونسبه, وإنّما الفرص للجميع وكلُّ على حسب قدرته, وكفاءاته, ومواهبه, وطاقته, وإنتاجه.

    - إن تطبيق مبدأ المساواة بين رعايا الدولة الإسلامية تقوِّى صفَّها, ويوحِّد كلمتها وينتج عنه مجتمع متماسك متراحم يعيش لعقيدة, ومنهج, ومبدأ[18] كانت الوثيقة بالمدينة في عهد رسول الله قد اشتملت على أتمِّ ما قد تحتاجه الدولة, من مقوِّماتها الدستورية , والإدارية , وعلاقة الأفراد بالدولة وظل القرآن يتنزل في المدينة عشر سنين, يرسم للمسلمين خلالها مناهج الحياة , ويرسي مبادئ الحكم , وأصول السياسة , وشؤون المجتمع، وأحكام الحرام والحلال، وأسس التَّقاضي، وقواعد العدل، وقوانين الدّولة المسلمة في الدّاخل , والخارج والسُّنة الشريفة تدعم هذا , وتشيده وتفصِّله في تنوير وتبصره , فالوثيقة خطت خطوطاً عريضة في الترتيبات الدستورية, وتُعدُّ في قمة المعاهدات التي تحدِّد صلة المسلمين ـ بغير المسلمين- المقيمين معهم في شيء كثير من التسامح , والعدل , والمساواة[19].

    كانت هذه الوثيقة, فيها من المعاني الحضارية الشيء الكثير وما توافق النَّاس على تسميته اليوم بحقوق الانسان[20]
    وفي تطبيقات الصحابة وعلماء الإسلام ما يشهد لمبدأ المساواة بالقوة والظهور, لا سيما في تطبيق هذا الأساس على غير المسلمين داخل الدولة الإسلامية , والآثار في هذا متعددة , منها على سبيل المثال قول عمر لابن عمرو بن العاص عندما ضرب القبطي بمصر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً[21].

    وفي المساواة في سلطة القضاء نجد أن الفصل بين السلطات كان قائماً في نظام الحكم الإسلامي على أوسع نطاق, فالحاكم قد يقف أمام قاضى معين من قبله إذا اقتضى الأمر ذلك, كوقوف علي بن أبي طالب عند القاضي شريح بن هانئ عندما وجد درعه الذي فقده في معركة صفين عند يهودي, فيجلس بجانب اليهودي, مقابل القاضي, والأخير يدير الجلسة وأمامه الحاكم والمحكوم سواء[22]. وكان حرص النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق مبدأ المساواة واضحاً , فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت, فقالوا من يكلم رسول الله, صلَّى الله عليه وسلَّم, ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم, فكلم رسول الله صلى الله عليه وسَلَّمَ, فقال: أتشفع في حد من حدود الله, ثم قام فخطب, فقال: يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم, أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه. وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد, وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطع محمد يدها[23].

    ونص عمر بن الخطاب ((رضي الله عنه)) في رسالته لأبي موسي الأشعري واضح: أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة , فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له, آس بين الناس في مجلسك, ووجهك وعدلك, حتى لا يطمع شريف في حيفك, ولا يخاف ضعيف جورك, البينة على من ادعى, واليمين على من أنكر, الصلح جائز بين المسلمين. إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالا, لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك, وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق, وإن الحق لا يبطله شيء , ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل, الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك[24].

    * وفي المساواة في التوظيف والعمل العام:

    نجد أن النصوص الشرعية تشيد بضرورة اختيار الأكفاء والأقدر على تحمل المسؤولية في قوله صلى الله عليه وسلم: يا أباذر أنك ضعيف , وإنها أمانة , وإنها يوم القيامة خزي وندامة , إلا من أخذها بحقها , وأدى الذي عليه فيها[25] .

    11 ـ أ- الشورى والإصلاح:

    إن الحديث عن الشورى مرتبط جذرياً بمشاريع الإصلاح التي تدندن حولها الاحزاب والدول والمنظمات والمؤسسات ودعاة الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي الكبير , فالإصلاح الذاتي الداخلي مطلب جوهري لشعوب المسلمين .

    والإصلاح الذاتي الداخلي – حقيقة – هو النابع من الأمة ذاتها من عقيدتها وثقافتها , ومن شخصيتها الحضارية واستعداداتها النهضوية , وهو الإصلاح الذي تكون الأمة مؤمنة به متجاوبة معه , متحمسة له , منخرطة فيه , أو على الأقل عندها القابلية والاستعداد لذلك كله[26].

    والشعوب الإسلامية في أشد الحاجة لثقافة الشورى ونشرها عبر الطرق والوسائل الممكنة , من إعلام , وتعليم ,ووعظ وإرشاد , وخطابة وإفتاء , كما أن ثقافة الشورى تعني تعميم الممارسة الشورية في جميع شؤون المجتمع ومرافقه , حتى يعيشها الناس ويتدربوا عليها ويدركوا قيمتها ومردوديتها.

    فالشورى ليست خاصة بالرؤساء والأمراء وليست خاصة باختيار الخلفية , وليست خاصة بالحروب ومعاركها , والسياسة وقضاياها .

    الشورى منهج حياة ومنهاج تفكير وتدبير , ومنهج علاقات ومعاملات ولا يستغني عن الشورى أحد فهذا هو سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان يستشير في الصغيرة والكبيرة , وفي العامِّ والخاص, وفي الديني والدنيوي والشورى نهج لترشيد العلاقات العائلية, بين الزوجين , وبين الآباء والأبناء , فهي تقوي العلاقات الحميمة القائمة على التحاور والتفاهم , وهي تجنبنا القرارات الانفرادية وما تجلبه من أضرار وحزازات , وتجنبنا ذلك الفهم الرديء الذي يجعل من قوامة الرجال على النساء مجرد تسلط وتحكم ومنع وإلزام لكي تصبح قوامة تشاور وتفاهم وتراضى وتعاون .

    وإذا كانت الشورى – طبقاً للقرآن والسنة – جارية في حياة الأفراد وبين الأزواج , وبين الأبناء والآباء , فهي من باب أولى جارية في جميع المصالح العامة والقضايا المشتركة[27].

    ومن ثقافة الشورى، إقامة علاقات شورية وتدبير شوري على صعيد الوحدات الاجتماعية الصغرى , كالوحدات السكانية , والوحدات المهنية, فعلى صعيد الحي , أو القرية , أو جمهور مسجد من المساجد أو سوق من الأسواق , أو على صعيد حرفية معينة , أو مصنع , أو نطاق فلاحي ... على كل هذه الأصعدة وأمثالها هناك قضايا مشتركة ومصالح مشتركة ومشاكل مشتركة , وهي كلها تحتاج إلى تشاور وتفاهم وتدبير تشاوري , سواء مباشرة بين المعنيين بها , أو بواسطة نقبائهم وعرفائهم ووكلائهم وأمنائهم والعلماء أيضاً , في اجتهاداتهم الشرعية والفقهية , ومواقفهم من مختلف النوازل والمشاكل , يجب أن يصدروا عن تحاور وتشاور واتفاق , ما أمكنهم ذلك , وقد رأينا أصالة هذا المسلك وعراقته منذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته , ولقد كانت أهم مشاورات الصحابة وأشهرها هي تلك المتعلقة بالإجتهاد وتقرير الأحكام لما جدّ من الأحوال والأفعال والخلافات وكذلك كان يفعل قضاة الإسلام وفقهاؤه في عصور مختلفة.

    والخلاصة في هذه النقطة هي أن الشورى يجب أن تكون ثقافة عامة وسلوكاً عاماً . وأن تكون خلقاً وأدباً , قبل أن تكون قانوناً ونظاماً , وإنما تنجح القوانين والأنظمة أو تفشل بقدر ماتحتها وما حولها من ثقافة تؤسس لها ثم تغذيها وتقويها , ثم تحميها وتمنع انتهاكتها , فإذا كانت هذه الثقافة سائدة وفاعلة في عموم المجتمع وعامة شؤونه ومرافقه نستطيع حينئذ أن نمضي قدماً في إقامة الشورى وتنظيمها على مستوى الدولة ومؤسساتها ومرافقها[28].

    12 - الشورى جزء من الدين الإسلامي:

    إن الشورى جزء من الدين , وجزء من الشريعة , وجزء من المنظومة الإسلامية المتكاملة , ولن تحقق هذه المنظومة أهدافها على الشكل الأكمل والأمثل إلا بتشغيل جميع أجزائها أو أنظمتها الجزئية وكما أن الاختلال في أي جزء ينعكس سلباً على فاعلية الأجزاء الأخرى , والعكس بالعكس أيضاً.

    فالشورى حين يتم تطبيقها وممارستها ضمن منظومة من جنسها , وضمن أجواء ملائمة لها ومساعدة على حسن أدائها وتحقيق مقاصدها, هي غيرها حين تتم ممارستها في أجواء معاكسة أو معيقة أو غير مساعدة , ففي غياب الأخلاق وضوابطها فلا يستبعد أن يتحول النظام الشورى إلى مجرد أداة للصراعات والمناورات وميدانا للشد والجذب والجدل العقيم.

    وهنا يمكن أن نضيف إلى الشورى المعلمة والشورى الملزمة صنفاً ثالثاً هو الشورى المؤلمة , وهي التي لا تنتج إلا الخصومات والحزازات والأوجاع وقد تتحول الشورى والمؤسسات الشورية وسيلة للمكاسب والمناصب قضاء المآرب وقد تتخذ مجرد غطاء أو وسيلة للاستبداد والاستعباد والتلاعب والتآمر وحتى فرعون وملؤه كانوا يتشاورون في بغيهم وفسادهم[29] , كما حكى القرآن الكريم ذلك في غير موضع منه , كما قال تعالى:' قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ' (الأعراف , آية:109 إلى 112) وفي موضع آخر:' قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ' (الشعراء , آية: 34-35).



    وحتى إخوة يوسف , فإنهم تشاوروا , ولكن ليتأمروا قال تعالى:' } لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ' ( يوسف , آية: 7- 15). والشورى كذلك لا تنجح ولا تستمر إلا في ظل الحرية , وأجواء الحرية، حرية الضمير، وحرية التفكير , وحرية التعبير .



    والشورى بدون حرية حقيقية , لا يمكن أن تتم وإذا تمت فلا يمكن أن تستمر , وإذا استمرت فليست هي , وإنما هي أسماء وأشكال ورسوم[30] .

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] - الشورى د. سامي الصلاحات ص 329.

    [2] - المصدر نفسه ص 330.

    [3] - المصدر نفسه ص 331.

    [4] - دولة الرسول من التكوين إلى التمكين ص 420.

    [5] - النظام السياسي لأبي فارس ص 65.

    [6] - السيرة النبوية للصَّلاًّبي(1\575).

    [7] - المصدر نفسه (1\576).

    [8] - السيرة النبوية للصَّلاَّبي (1\576).

    [9] - الحكومة الإسلامية لأبي الأعلي المودودي ص 202.

    [10] - الشورى , د.سامي صلاحات ص 322.

    [11] - المصدر نفسه ص 333.

    [12] - مسند أحمد (5\411).

    [13] - سنن أبي داود , ك الديان (4\238).

    [14] -مبادىء نظام الحكم في الإسلام عبد الحميد متولى ص 185.

    [15] - الأخلاق الإسلامية , حبنكة الميداني (1\624).

    [16] - مبادىء علم الإدارة , لمحمد نور الدين ص 116.

    [17] - فقه التمكين في القرآن الكريم للصَّلابي ص 463.

    [18] - فقه التمكين في القرآن الكريم ص 466.

    [19] - السيرة النبوية للصَّلابي (1\581).

    [20] المصدر نفسه (1 ـ 581).

    [21] - الشورى , د. سامي الصلاحات ص 334.

    [22] - الأحكام السلطانية , أبو يعلى الفراء ص 66.

    [23] - فتح الباري بشرح صحيح البخاري (12\106).

    [24] - سنن الدارقطنى (3\447).

    [25] - شرح النووي على صحيح مسلم (12\177).

    [26] - الشورى للريسوني ص 155.

    [27] - الشورى للريسوني ص 157.

    [28] - الشورى للريسوني ص 160.

    [29] - الشورى للريسوني ص 174.

    [30] - الشورى للريسوني ص 175.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 21 2018, 18:15